يعجز قلمى هذه المرة عن وصف ما عشته لمدة 12 ساعة فى هذه التحفة المثيرة للجدل و غريبة الأطوار وهى "البناية 106".
أشعر أننى أركض وفى سباق مع أبطال الرواية حتى اختلط على نفسى الأمر وشعرت أننى جزءا لا يتجزأ من الرواية وأننى ضمن أبطالها.
"البناية 106" هى رواية تشويقية وبها غموض و suspense يجعلك تعيش الواقع الممزوج بالخيال كأنك لا تستطيع أن تفرق بين الحلم والواقع ولكن إيجاد حالة من المتعة والاستمتاع بكل كلمة ومشهد فيها كأنك تعيش داخل البناية 106.
"البناية 106" هى ضمن سلسلة المجهول إكس و هذا ذكرنى إلى حد ما بسلسلة «ما وراء الطبيعة»، حجم الكتاب ملائم جدا لكونها سلسلة متصلة و الغلاف فى حد ذاته مبهر للغاية ولون الغلاف الأحمر مناسبة جدا لفكرة الرواية.
لفت انتباهى قبل بداية فصول الرواية «ما قبل التمهيد» و « التمهيد»، لأن ما قبل التمهيد يبدأ بجملة مشوقة وهى «مئة الف جنيه، وشقة تمليك فى التجمع..وفتاة فى العشرينيات...مقابل حياة زوجتك» وهذه الجملة جعلتنى أعيش حالة من التشويق لمعرفة ماذا سيحدث فى هذه الرواية.
من خلال قراءتى للبناية 106 جاء فى مخيلتى أننى أشاهد فيلما سينمائيا وأن «خالد امين» هو المصور السينمائى ومخرج العمل فى نفس الوقت.
وذلك من خلال ربط جميع أبطال الرواية و تجسيد مشاعرهم والآلامهم وذكرياتهم من خلال انقسام الشاشة إلى نصفين وتوجيه الكاميرا من أعلى حتى افهم ما يدور فى عقل جميع شخصيات الرواية وقتها كأننى أعيش داخل عقلهم.
انتبانى شعور أننى بالفعل داخل السينما واشاهد فيلما سينمائيا متكامل من جميع الاركان.
الرواية مكونة من 17 فصل و الفصل الثانى به عدة عناوين، هذه العناوين ساعدتنى للغوص و التعمق اكثر فى البناية 106 وما بها مثل عناوين « الانترفيو»و « التدريب» و« الفلور»و «شقة مدام ريهام» و «شقة كارم ورنا» كل هذا يجعلك من سكان البناية 106.
تلك العناوين لم تشتت فكرى بل ربطت تفاصيل باقى فصول الرواية بسلاسة وسهولة.
الحبكة خارج نطاق المألوف و المعتاد، كثرة وتعدد الشخصيات مع تميز أسمائهم و الربط بينهم وبين تفاصيل حياتهم يجعلهم يعيشون فى ذاكرة القارئ لفترات طويلة ومن اهم هذه الشخصيات «كارم العدوى» و « حمادة الفهلوى».
وصف "خالد آمين"للشخصيات هو وصف دقيق جدا لملامحهم وشكلهم وتفاصيلهم وملابسهم جعلنى أشعر بالفعل أننى اراهم أمامى و أعيش معهم أدق تفاصيل حياتهم بالإضافة لوصف الاماكن.
لا أجد كلمات أو جمل تصف السرد إلا جملة واحدة فقط وهى أنه مميز وأكثر من رائع.
خيال الكاتب ليس له حدود لم يكتفى فقط بتجسيد حالة وشعور أبطاله من منظور المخرج السينمائى ولكن ايضا وصفه من منظور «الطائر المحلق» لنرى ونستشعر من اعلى نقطة ماذا يدور بداخل رأس ابطاله، و« البومة» ايضا تنقل لك مشاعر الأبطال وأفكارهم ومخاوفهم من المجهول وذكرياتهم بوجهة نظر حكيمة وارى أن هذا إبداع فى الخيال ليس له حدود.
فكرة الرواية تسمى او يطلق عليها السهل الممتنع لأن الفكرة تعتمد على لوجو احمر يظهر على جميع المنتجات و اللافتات الاعلانية والاعلانات التليفزيونية مما يعنى وجود منظمة ما مسيطرة ومتحكمة فى مصائر البشر وأحلامهم والبلد ومن هنا تولد رسالة الرواية وهى ان منظمة ما تستغل نفوذها واعتمادها على الوسائل الإليكترونية فى التحكم فى حياة المواطنين أو العامة من البشر عن طريق السلطة وردع القانون بل خلق قانون خاص بهم لولادة مجتمع غافل كما ذكر الكاتب بالرواية، مجتمع لا يستطيع أن يفرق بين الحقيقة و الكذب بل يهاب حتى الإعتراف بالحق وهذه رسالة مشابهة جدا لما نعيشه الان فى مجتمعنا.
قمة الإبداع تصل إلى ذروتها فى الفصل السابع عشر والاخير ومابعد النهاية، من خلالهما يتسع خيال الكاتب فى حالة الربط و الترابط بين «البناية 106»و العدد الذى يليه «بعل الذباب» وبهذا يسافر القارئ مع خيال الكاتب إلى رحلة مثيرة وشيقة للغاية.
« البناية 106» رواية و فكرة ورسالة وفيلم سينمائى مقروء يسبح بالقارئ من الواقع للخيال ثم يمتزجوا معا حتى لا يستطيع التفرقة بينهما.
"خالد امين" عزف فى هذه التحفة الفنية، سيمفونية تفصلك عن الواقع وتغوص بخيالك فى بحر لا حدود له من الافكار ثم تعود بك إلى واقع تحيا فيه بالفعل بل تعيش تفاصيله يوميا.