طالما حرصت فى مراجعاتى على إعطاءنبذة عن الأجواء
والخطوط العريضة للعمل الذى أتناوله وعرض صورة
عامة للأدوارالتى تؤديها الشخصيات، لكن هناك بعض
الأعمال الروائية الاستثنائية أرى من الحنكة فى
عرضها ألا أتطرق لما أشرت له سلفا ومن الأفضل
أن يخوض القارئ غمارها بنفسه، والرواية التى
بصددالحديث عنهاالآن خيربرهان على ذلك .
"أمس لايعود" هى الرواية الأحدث للكاتب
المبدع"وليدحسن المدنى"والتى صدرت عن
دار "دارك" مطلع هذا العام بمعرض القاهرة
الدولى للكتاب، هذا النص حالةروائية
بديعة لامكان فيهالوسيط بينها وبين القارئ
ومهمافعلت لن أوتى عرض أحداثها حقه
كما ينبغى، هذه رواية كتبت كى يعيش
القارئ صفحاتهاوينفعل مع أبطالهابعقله
وفكره ووجدانه، لا أن تحكى له.
وأيا كان براعة من يحكيها لن تماثل
روعة قراءتهاوالتفاعل مع أحداثها
عن قرب، ستقرأون فيها عن
"أمل عزيز"ذلك الرجل الخمسينى
والعازف الموسيقى الذى عاش
على أطلال الماضى، ستقرأو عن
حب عمره نوال بيومى
وعن صحبته التى كان يجلس معهم
على قهوة صالح، ياسمين الحناوى
وحاتم المصرى وهيثم البحيرى
وسهى زوجة هيثم وإيمان مراد
وحنان دويدارفلكل منهم حكاية
ستزلزل كيان ووجدان القارئ
إضافة إلى أن كل شخصية من
هؤلاء جديرة بأن تحمل رواية بمفردها.
هى رواية تكشف خبايا طبقة المثقفين
أو كما تعرف بالنخبة.
جديربالملاحظة هنا أن آفة الرواية
القصيرة فى أحيان كثيرةأنهاتأتى
غيرمشبعة وبالتالى نخرج منها
ولدينا شعوربعدم الاكتمال
حتى وان كان العمل جيدا
وثمة أعمال أخرى ربما تتخطى
صفحاتها 450صفحة فنشعر
معها بالأمتلاء والشبع وأننا
قرأناعمل دسم، ولو كانت سيئة
تلوناالشهادتين حمدالله على
انتهاءنا من قراءتها.
وليدلديه من الحرفيةوالبراعة
الأدبيةمايمكنه من تقديم
نوفيلا صغيرة لاتتعدى
200صفحةلكنها فى
دسامة500صفحة ودون
أن يشعرالقارئ بنقص ما
فى أحدعناصرها، أن تحوى
رواية هذا الكم من الشخصيات
فى عددقليل من الصفحات
وفى ذات الوقت يغوص عميقاداخل
نفوسهم بالتوازى مع حبكة وأحداث
غنية بالتفاصيل والخيوطالدرامية
المتشابكة لهى العبقريةبعينها من الكاتب
فعلهامن قبل فى رواية
الصعودعلى حبال ممزقة
وفى أمس لايعود تفوق
مدنى على نفسه وأثبت
بمالايدع مجالاللشك أنه
وصل إلى درجة عالية
من النضج جعلته يقول
كل شئ فى أقل عدد
من الصفحات إضافة إلى الثقة
والأطمئنان التى بثها فى نفس
القارئ من أنه سيقرأ ماهوجدير
بالقراءةبحق، أيضا وليد
لديه من سعة الأفق مايجعله
يترك شخوص روايته على حريتها
وقناعاتهامع إنهاقدتتعارض كليا
مع مبادؤه ومعتقداته إلاأنه يتركهم
لمصائرهم المكتوبةعلى الورق ولا
يتسلط على عقولهاوبالتالى نرى
الشخصيات على طبيعتها لا
على طبيعة وفكر صانعها.
فالروائى الذى لايكتب سوى
قناعاته هو ومايؤمن به فقط
لايقدم جديدا ولن يدهش
القارئ بخباياالنفس البشرية المعقدة.
صدقا استمتعت بالرواية
وأحببتهاكثيراوتفاعلت مع
أحداثهاوانفعلت بشخصياتها
المرسومة ببراعة فائقة وصدقا
هزت كيانى ووجدانى.
بلاشك هى واحدةمن أجمل
وأفضل ماقرأت فى النصف
الأول من هذاالعام حتى الآن
وحتماسأعودلقرآتهامرةأخرى
كماأن القصةجديرةبحق
تجسيدهافى عمل درامى
قوى سيمتع المشاهدبلاشك.
رائع وليد..أحسنت فأبدعت
فأمتعت فاستحققت العلامة
الكاملة بلا تردد.