إذا كانت اللغة العربية بلفظها الفصيح قد سَلِمَت لشعراء العرب القدامى حتى عُدَّت أشعارهم حججًا لُغويَّة، فإنَّ في بعض شعرهم تعبيرات خرجت معانيها عن الاستقامة، وهو ما يعُدُّه مؤلِّف هذا الكتاب أوهامًا يَبِين خطؤها وضلالها. وقد قسَّم «أحمد تيمور» تلك الأوهام إلى ستة أقسام، وذلك تبعًا لنوعها ومنشَئِها، فبيَّن أخطاءً ناجمة عن الجهل بالموصوف، كأن يصف بدويٌّ حياة حضريٍّ أو العكس، وأخطاء سببها الفشل في وصف المعلوم وصفًا صحيحًا، ومبالغات شديدة تضرُّ بالمعنى فينقلب خلاف ما أراد الشاعر … هكذا يشيرُ المؤلِّف إلى عديد من بواعث الوهم، ممثِّلًا لكل منها بعدد من الأمثلة من أشعار العرب، موضِّحًا العلَّة فيها وتعليقات النقد عليها، ويختم كتابه بقِسم خاصٍّ بأوهامِ الشعراء المولدين، والتي أصابت بعض معانيهم في مقتل.
العلامة أحمد بن إسماعيل بن محمد تنكور المشهور بأحمد باشا تيمور. أديب مصري بارز، ولد في القاهرة لأب كردي وأم تركية. مات أبوه وعمره ثلاثة أشهر فربته أخته عائشة التيمورية. درس على يد الشيخ محمد عبده وآمن بأفكاره. ورغم أنه أفنى عمره في البحث والتنقيب، فقد كان حريصًا على عدم نشر كتبه أثناء حياته. وبالتالي فإن لجنة على رأسها المثقف الكبير أحمد لطفي السيد قد اجتمعت بعد وفاته فنشرت عددا كبيرًا من كتبه التي تنوعت في التاريخ واللغة والتراجم والفقه الاسلامي. بالاضافة إلى هذا المعجم الفذ للأمثال العامية المصرية، وقاموسه الآخر للكلمات العامية المصرية. كتب تيمور عن اللهجات العربية الأخرى، بل إنه تجاوز ذلك إلى الكتابة عن تاريخ التصوير والموسيقى والهندسة والفقه عند المسلمين.
كان من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق وعضواً بالمجلس الأعلى لدار الكتب قال الزركلي: "كان رضي النفس، كريما، متواضعاً فيه انقباض عن الناس. توفيت زوجته وهو في التاسعة والعشرين من عمره، فلم يتزوج بعدها مخافة أن تسئ الثانية إلى أولاده، وانقطع إلى خزانة كتبه ينقب فيها ويعلق ويفهرس ويؤلف إلى أن أصيب بفقد ابن له اسمه محمد سنة 1340 هجرية، فجزع ولازمته نوبات قلبية، انتهت بوفاته عام 1348 هـ/1930م.
تألفت بعد وفاته لجنة لنشر مؤلفاته تعرف بـ"لجنة نشر المؤلفات التيمورية" التي أخرجت العديد من مؤلفاته. جمع أحمد تيمور باشا مكتبة قيمة غنية بالمخطوطات النادرة ونوادر المطبوعات (نحو 19527 مجلداً وعدد مخطوطاتها 8673 مخطوطاً)، أهديت إلى دار الكتب بعد وفاته. وقد دون تيمور باشا بخطه على أغلب مخطوطات مكتبته ما يفيد إطلاعه عليها وسجل على أول المخطوط بخطه "قرأناه" وكان يعد لكل مخطوط قرأه فهرساً بموضوعاته ومصادره وأحياناً لأعلامه ومواضعه ويضع ترجمة لمؤلف الكتاب بخطه.
وضع تيمور باشا فهرساً ورقياً بخطه لمكتبته، وجعل لكل فن فهرساً مستقلا خاصاً. وكانت هذه الفهارس موجودة في قاعة المخطوطات بمبنى دار الكتب القديم بباب الخلق متاحة للباحثين.
كتاب أوهام شعراء العرب في المعاني لأحمد تيمور باشا. أحمد تيمور باشا عالم مصري ولوذعي بارع. إذا كنا نفخر بالشعر ونعده ديوانا للعرب، ونعتقد بحجيته، ونقول أن العربي لا يخطي، فإن أحمد تيمور باشا يوافقنا على ذلك؛ ولكن مع التنبيه بقوله: إن العربي لا يخطئ؛ فالمراد في اللفط في الملكة اللسانية الراسخة فيه، وأما في المعاني فلم يقل أحد بعصمة جنانه؛ بل هو خلاف ما صرح به أئمة العربية. الكتاب عبارة عن بابين، باب للشعراء الخُلَّص وتحته ستة أقسام، والباب الثاني للشعراء المولدين. الكتاب عالي الطبقة، فخم الألفاظ، دقيق النقد، سهل المسلك، صعبٌ على المتأخرين أن يأتوا بمثله. هذا الكتاب يصلح للكتاب كما يصلح للشعراء؛ لأن فيه تنبيهٌ على المغالطات والأوهام التي أوردها الشعراء في المعاني، والسبب في ذلك جهل الشاعر ما يذكره لبعده عنه، فتراه يأتي به على غير حقيقته، ويضعه في غير موضعه، أو يبهم في وصفه فلا يدنيه منك ولا يبعده، كالحضري الذي لم يسبق له التبديّ، أو البدوي الذي لم يتحضر، فإنهما قلَّما يستطيع أحدهما أن يذكر ما عند الآخر، فيصيب فيه، أو يصفه فيحسن الإفصاح عنه؛ لأنه إنما يذكر ما لم يعرفه، ولم يره إلا بسمعه. المؤلف -رحمه الله- سهل اللفظ، وأسلوبه في هذا الكتاب ينبغي للمتأدبين الإفادة منه في عرض المشكلة وسببها ثم حلها بعد ذلك دون غموض أو إشكال أو إيهام كقوله في بيت خالد بن زهير:
وقاسمها بالله جهدا لأنتمُ ألذ من السلوى إذا ما نشوروها
ظن السلوى العسل فقال نشوروها أي تجنيها من الخلية. قال الزجاج: أخطأ خالد، إنما السلوى طائر. وقوله في بيت أبي النجم الذي يصف فيه الإبل:
جاءت تسامى في الرعيل الأولِ والظل عن أخفافها لم يفضلِ
فقوله: فالظل لم يفضل عن أخفافها يدل على أنها وردت الماء في الهاجرة، والعرب إنما تصف الورورد غلسا والماء بارد.
فانظر -رحمك الله- في حسن التخلص، والمعرفة بعادات العرب، والنظر الثاقب لمعنى الأبيات. هذا الكتاب درة من الدرر لطلاب الأدب، ومحبي النقد الرفيع. وبالمناسبة فإنه لا يفوتني أن أشكر مؤسسة الهنداوي على تذليلها الصعاب في إعادة طباعة كنوز التراث لأعلام العربية في الثقافة المعاصرة، وحتى روائع من كتاب الغرب؛ فلقد أعادوا إحيائها من جديد في حُلة قشيبة، ومظهرٍ أنيقٍ جميل بل وإتاحتها للجميع على الإنترنت بصيغة الـ pdf، وموقعهم على الشبكة أكبر شاهد على ما أقول، فبارك الله في جهودهم وجزاهم عنا خير الجزاء. الكتاب من القطع المتوسط يقع في 119 صفحة من إصدارات مؤسسة الهنداوي للتعليم والثقافة الصادر عام 2011م.