لطالما شُغل الإنسان بالبحث في سرِّ الحياة وغاياتها شُغلَه بنفسه وخفاياها، وربما شغلته الحياة عن ذاته حينًا فضاع فيهما معًا. وقد اعتقد «إبراهيم ناجي» أن المفتاح لمعرفة رسالة الإنسان هو الإحاطة برسالة الحياة. والحياة التي يتناولها هذا الكتاب هي ذلك اللغز الكبير الذي يستعين المؤلِّف على فكِّ طلاسمه باستحضار المعارف والعلوم والآداب، والوعي العقليِّ والشعوريِّ الإنسانيِّ النامي. ورسالة الحياة بحسب ناجي طيفيَّة، تنطوي على ألوان من القيم والفنون والأساليب، مبحثها الأهم هو الحقيقة، وغاية غاياتها السعادة. ومن هنا يناقش الكاتب موضوعات شتى في رسائل متعددة، بينها: رسالة الأدب، رسالة الفلسفة، رسالة الحضارة، رسالة علم النفس، رسالة العقل، رسالة الشباب، رسالة الأخلاق … إلى آخر مكوِّنات الحياة.
شاعر مصري ولد بحى شبرا بمحافظة بالقاهرة.. وقد تخصص الشاعر في مجال الطب ومن بعدها عيّن مراقباً للقسم الطبي في وزارة الأوقاف.
قام إبراهيم ناجي بترجمة بعض الأشعار عن الفرنسية لبودلير تحت عنوان أزهار الشر، وترجم عن الإنكليزية رواية الجريمة والعقاب لديستوفسكي، وعن الإيطالية رواية الموت في إجازة، كما نشر دراسة عن شكسبير، وقام بإصدار مجلة حكيم البيت ، وألّف بعض الكتب الأدبية مثل مدينة الأحلام وعالم الأسرة وغيرهما
ومن دواوينه الشعرية :
وراء الغمام (1934) ، ليالي القاهرة (1944)، في معبد الليل (1948)، الطائر الجريح (1953) ، وغيرها . كما صدرت أعماله الشعرية الكاملة في عام 1966 بعد وفاته عن المجلس الأعلى للثقافة.
أو رسالة "الدهشة"!، فلم أتوقع الكتاب هكذا، وإن كنت عثرت عليه دون غلافه أو مقدمته، لما توقعت - وإن خلت الأرض إلا منه! - إن كاتبه هو صاحب هذه الأبيات الخالدة:
مُشْرِقُ الطَّلْعَةِ في مَنْطِقِهِ لُغَةُ النُّورِ وَتَعْبِيْرُ السَّمَاءْ
وإن كان هذا الكتاب في صفحات كثيرة منه مكتوب بلغة النور وتعبير السماء، كما يقول!، إلا إن إبراهيم ناجي في هذا الكتاب ليس إبراهيم ناجي كما عرفته، وإلا فما توقعت أن يحدثني عن حياة سقراط، ونظريات أفلاطون وفلسفته، وعن الحضارة اليونانية القديمة، وعن تطور العقل البشري، وعن رسالة النقد، وعن مذاهب الفن الحديث ودالي وبيكاسو، وعن علم النفس بهذا الأسلوب الخصب واستعراضه النظريات المختلفة الكثيرة في هذ العلم والحديث عنها بهذا اليسر والموسوعية
نسيت حتى إنه كان طبيبًا!، أو أن أستاذه في كلية الطب كان النابغة الرائد الدكتور: علي إبراهيم
.
.
قال أحمد رامي، في تقدمته لهذا الكتاب قصة عجيبة عن كيفية معرفته بناجي، وقد كان يعرفه قبل من أشعاره التي ينشرها في الجرائد:
وكنت ألقاه لمامًا، وأنا لا أعرف أنه شاعري الحبيب، فأرى في لفتته وإيمائه ما يذكرني بالطائر الفزع الذي يحسو الماء رشفة بعد لفتة، ويحييني فإذا حب يتبلور في نظرة ويتألق في ابتسامة، وإذا به يلقي عليَّ من شعري - ولا أعرف من الذي يتكلم - أبياتًا متلاحقة ربما لا أحفظها أنا بهذه النشوة، ثم نفترق وأظل أقول في نفسي: مَن يا ترى يكون ذلك الشقيق للروح، ويمضي الزمن فتطلع الجرائد وفيها شعر لناجي، وأقرؤه وأردده وأنا لا أعرف أن هذا الشاعر الهفاف في سمائي هو ذلك الحبيب الذي ألقاه حينًا بعد حين وأود أن أعرف اسمه
هذه أول معرفتي بناجي، أحببته لنفسه .. ولشعره، دون أن أعرف الصلة بين هذين الأثنين
.
.
وعلق ببالي الآن ما قاله ناجي في رسالة الأخلاق: الدين قائم على الحقائق التي لا تُناقش، أما الفلسفة فشرح الحقائق البعيدة للحقائق الظاهرة، وأما العلم فتطبيق عملي لهذه الشروح والتعليقات، [...]، فالدين يتكئ على الفلسفة، والفلسفة تتكيء على العلم، وأن الفلسفة إذا عجزت تطعلت إلى الدين، وأن العلم إذا وصل إلى إزمةٍ تطلَّع إلى الفلسفة طالبًا منها المعونة
وإبراهيم ناجي كذلك هو القائل في ديوانه:
كلُّ شيءٍ صارَ مُرًا في فَمَي بعدَ أن أصبحتُ بالدنيا عليما
لم أعرف الشاعر إبراهيم ناجي لأنني لا أقرأ الشعر.. فقط عدة نصوص قرأتها له في مراحل التعليم الأولية.. لكن في هذا الكتاب عرفت إبراهيم ناجي المفكر.. و في الحقيقة أعجبني بشدة!
الدكتور في هذا الكتاب يتنقل بين عدة موضوعات .. تدور بأجمعها تحت راية الثقافة.. ينتقل الحديث بين الفلسفة و بين الأدب.. بين المنطق و بين الإجتماع.. بين الفن وبين الدين.. و جميعها يطرحها ناجي من خلاله رأيه الشخصي و تصوره الذاتي..
الكتاب دسم للغاية.. تشعر فيه بثقافة ناجي العميقة .. دون أن تشعر أن ناجي يحاول أن يفتعل أو يتفاخر بأنه قرأ لهذا أو عرف ذاك.. إنه فقط يطرح الموضوع و يطرح وجهات نظر مختلفة و في النهاية يطرح رؤيته الشخصية..
و بالرغم من الدسامة الفكرية للكتاب إلا أنني لم أشعر للحظة بعدم الفهم أو أشعر بالملل من الحديث العلمي.. على العكس تماما كنت أجد نفسي أرغب في إعادة قراءة كل مقال أكثر من مرة لأنه يحوي العديد من الأفكار التي لا أستطيع أن أتشبعها جميعا من أول قراءة..
اختلف معه في بعض الأفكار .. مثل وجهة نظره عن الهدف من الحياة.. أو رؤيته لمعنى الحضارة.. لكنني لا أستطيع أن أرفض رأيه لأنه بالفعل رأي مبني على خلفية ثقافية حقيقية و مقدمات منطقية تحترم تماما
كتاب من أفضل ما قرأت و سأعود إليه أكثر من مرة لاحقا للقراءة مجددا..
ملحوظة هامشية : الكتاب ثمنه جنيهان فقط.. و لو قارنا بينه و بين كتب دار الشروق التي تبيعها بأربعين و خمسين جنيها لوجدنا أن قيمته تقريبا تعادل خمسمائة جنيه على الأقل من ناحية القيمة الفكرية و الأدبية!