محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين بن علي التيمي البكري (من بني تيم من قريش يلتقي مع أبي بكر الصديق به) الرازي المعروف بفخر الدين الرازي الطبرستانی أو ابن خطيب الري. وهو إمام مفسر شافعي، عالم موسوعي امتدت بحوثه ودراساته ومؤلفاته من العلوم الإنسانية اللغوية والعقلية إلى العلوم البحتة في: الفيزياء، الرياضيات، الطب، الفلك. ولد في الريّ. قرشي النسب، أصله من طبرستان. رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان. وأقبل الناس على كتبه يدرسونها، وكان يحسن الفارسية. كان قائما لنصرة الأشاعرة، ويرد على الفلاسفة والمعتزلة، وكان إذا ركب يمشى حوله ثلاث مئة تلميذ من الفقهاء، ولقب بشيخ الإسلام. له تصانيف كثيرة ومفيدة في كل فن من أهمها: التفسير الكبير الذي سماه "مفاتيح الغيب"، وقد جمع فيه ما لايوجد في غيره من التفاسير، وله "المحصول" في علم الأصول، و"المطالب العالية" في علم الكلام، "ونهاية الإجاز في دراية الإعجاز" في البلاغة، و"الأربعين في أصول الدين"، وكتاب الهندسة. وقد اتصل الرازى بالسلطان محمد بن تكشي الملقب بخوارزم شاه ونال الحظوة لديه. توفي الرازي في مدينة هراة سنة 606 هـ.
هل الإحسان بلا غرض ممكن... حديث عن الجزء الثاني عشر
هذا الجزء كان من المائدة 44 - إلى الأنعام 53 الكثير من لفتات الرازي العميقة التي ذكرها في هذا الجزء استوقفتني... من بينها - الفرق بين يعملون و يصنعون و بين معصية العالم و غيره: 0 "ذم تارك النهي عن المنكر أقوى لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر { لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } والصنع أقوى من العمل لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ، وذنب التاركين للنهي عن المنكر ذنباً راسخاً، والأمر في الحقيقة كذلك لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، فكما أن هناك يحصل العلم بأن المرض صعب شديد لا يكاد يزول ، فكذلك العالم إذا أقدم على المعصية دلّ على أن مرض القلب في غاية القوة والشدة ، وعن ابن عباس : هي أشد آية في القرآن ، وعن الضحاك : ما في القرآن آية أخوف عندي منها ، والله أعلم"
- هل حقا أن الإنسان يمكن أن يقوم بعمل إحسان خال من أي غرض... الرازي ينفي هذا، و يبين أنه أحد الفروق بين إحسان البشري و إحسان الله تعالى: 0 "كل من أحسن من المخلوقين إلى الغير ، فإنه إنما يقدم على ذلك الإحسان إما لجلب منفعة أو دفع مضرة، أما جلب المنفعة : فانه يطمع بواسطة ذلك الإحسان بما يصير سبباً لحصول السرور في قلبه أو مكافأة بقليل أو كثير في الدنيا أو وجدان ثواب في الآخرة . وأما دفع المضرة ، فهو أن الإنسان إذا رأى حيواناً في ضر أو بلية فإنه يرق قلبه عليه ، وتلك الرقة ألم مخصوص يحصل في القلب عند مشاهدة وقوع ذلك الحيوان في تلك المضرة فإذا حاول إنقاذ ذلك الحيوان من تلك المضرة زالت تلك الرقة عن القلب وصار فارغ القلب طيب الوقت ، فذلك الإحسان كأنه سبب أفاد تخليص القلب عن ألم الرقة الحسيّة ، فثبت أن كل ما سوى الحق فإنه يستفيد بفعل الإحسان إما جلب منفعة أو دفع مضرة ، أما الحق سبحانه وتعالى ، فإنه يحسن ولا يستفيد منه جلب منفعة ولا دفع مضرة ، وكان المحسن الحقيقي ليس إلا الله تعالى ، فبهذا السبب كان المستحق لكل أقسام الحمد هو الله."0
- خلقنا الله متفاوتين بكل شيء، صفاتنا أرزاقنا حيواتنا فهمنا إحساسنا، و هذا ما يجعل في الحياة كثير من مشقة... و من منا لم يفكر أن لماذا خلقنا الله مختلفين هكذا: و كذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين...0 يقول الرازي: 0 "الغنى و الفقر ... ابتلاء الشريف بالوضيع ... ابتلاء الذكي بالأبله وبالجملة فصفات الكمال مختلفة متفاوتة ، ولا تجتمع في إنسان واحد ألبتة ، بل هي موزعة على الخلق وصفات الكمال محبوبة لذاتها ، فكل أحد يحسد صاحبه على ما آتاه الله من صفات الكمال . فأما من عرف سر الله تعالى في القضاء والقدر رضي بنصيب نفسه وسكت عن التعرض للخلق ، وعاش عيشاً طيباً في الدنيا والآخرة ، والله أعلم"