شكل عنوان هذه المسرحية، بحد ذاته الأضحوكة الأولى في زمن موليير، ذلك لما حمله من تناقض ظاهري متمثل في اللقب الدال، حيث إن الشخص الثاني«النبيل» لا يحتاج الأول المعتاش بالضرورة على عقدة نقص الحسب والنسب.
وتتبع المسرحية الكوميدية الراقصة، كما يشير عنوانها الفرعي، نوع الحبكة المعتمد لدى موليير وتروي قصة السيد جوردان، رجل أعمته رغبة نفض رداء البرجوازية عن كتفيه وتسلق عالم النبلاء الأرستقراطية، وارتكاب شطحات من التفاهة المثيرة للسخرية على امتداد الخط.
انتماء وظروف لازمة
جنّد موليير فنون طبقة نبلاء ذاك العصر من رقص وموسيقى وفلسفة، في خدمة فكرة عمله المسرحي، فصور من خلالها اعتقاد السيد جوردان بأن الانتماء ل«عِلية القوم» يكون ويتأتى بعد أن يصبح الشخص ثرياً، ومن ثم يتوجب عليه بدء التمرس في حقل الفنون لدرجة تعمي أو تدفع على التغاضي أو التحلي بالسذاجة، وهذه الأخيرة نجدها تظهر وكأنها تحول دون انتباه جوردان لاحتيال الأساتذة وسرقتهم أمواله.
إن موليير، الشهير باهتمامه في تعرية نماذج شخصيات متنوعة من الطبقات الاجتماعية وتبيان أخلاقياتها بموازاة رسم منطق تفكير الشخصيات على حساب الحبكة المسرحية أحياناً، يعكس من خلال تركيزه على هذا النهج في «البرجوازي النبيل»، مناخ الزيف الذي كان يظن محدث النعمة «جوردان»، واهماً، أنه مناخ حياة الطبقة الراقية.
سذاجة..ولكن
لجأ موليير في العمل، أيضا، إلى تصوير أحداث الحياة المصيرية تتويجاً لتكريس نظرة تفاهة جوردان وازدواجية المعايير لديه. فالأب يحول دون زواج لوسيل من شاب تحبه، بحجة انتمائه إلى طبقة اخرى، وفعلياً هو شخصياً ينحدر منها، وكأنه يتبنى ذاك الموقف بدافع تصوراته حول ضرورة خطوبة ابنته إلى ابن حسب ونسب: من الطبقة النبيلة.
وهنا يأتي الحلّ على القدر عينه وعلى النسق ذاته من سذاجة محدث النعمة، والذي تنطلي عليه خدعة ابن السلطان التركي التي أعدها خادمه.. لتجري مراسم حفل الزفاف فتكلل المشهدية الساخرة والخداع بلغة تركية مزيفة أتقنها العريس المزيف كليونته. وبلغت السخرية ذروتها النهائية مع مشاهد تكريس جوردان كأحد أعضاء طبقة النبلاء في احتفالية يثير ظاهرها الضحك وباطنها يبعث على الاشمئزاز، ذلك في مزيج متقن.
دور واضح
وبطبيعة الحال، شكل هذا العرض المسرحي لموليير، نقطة فارقة في تاريخ الأدب بوجه عام، إذ أحدثت تبدلات وتأثيرات عميقة في مضمون الحياة المجتمعية ضمن مختلف الطبقات، وغيرت منظومة من العلاقات وأطر التعاطي والمفاهيم ما بين طبقات المجتمع.
وهو ما يحسب لهذا المبدع المهم: موليير: أو جان باتيست بوكلان، ابن باريس بالولادة والوفاة والحياة التي امتدت 51 عاماً، والذي لم تحل نشأته البرجوازية الشعبية كابن تاجر سجاد دون التحاقه بأرقى مدارس العاصمة الفرنسية، حيث تتلمذ في مجال الحقوق ودرس الفلسفة على يد كاساندي الذي كان أشهر مفكري عصره إذ غرس فيه حب الحقيقة وروح التسامح والنظرة الهادئة الشاملة للكون.
تأثير
صوّر لنا موليير، كما تطالعنا مقدمة مسرحيته/ روايته، أخلاق مجتمعه وعاداته، مركزاً فكرته على التداخل بين الطبقتين الأرستقراطية والبرجوازية، سيما بعد لجوء الملك لويس الرابع عشر إلى أبناء الطبقة الثانية لتمويل حربه وحياته الباذخة، وكذا في ظل انحدار عائلات«ارستقراطية» إلى طبقة البرجوازيين وصعود أخرى وصولية برجوازية إلى الأرستقراطية.
وقد نشطت حركة المصاهرة بين البرجوازيين المزهوين بالقوة والثراء، والنبلاء الفخورين بالنسب والأمجاد الماضية. وتنضح المسرحية بالمشهديات التي تبرز ما صحب ذلك من مظاهر الإدعاء المضحك والنضج الفارغ والوصولية القبيحة التي تحمل على الهزء والسخرية.