يُعَدُّ هذا الكتابُ موسوعةً تاريخيةً، وتأتي أهميته؛ لأنه ليس كتاب تاريخ وسيرة فقط، وإنما هو كتاب ترجمة، مصحوبة بتعديل وتجريح. ويقع الكتابُ في أربعة أجزاء، يبدأ جزؤه الأول بترجمة لأحمد بن محمد بن هارون أبي عبد الله الجسري، وينتهي جزؤه الأخير بترجمة لأحمد بن عيسى بن أبي غالب أبي العباس الأبروزي.
هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن عُبَيْد الله بن عبد الله بن حُمَّادَى بن أحمد بن جعفر وينتهي إلى أبي بكر الصديق. عاش حياته في الطور الأخير من الدولة العباسية، حينما سيطر الأتراك السلاجقة على الدولة العباسية. وقد عرف بأبن الجوزي لشجرة جوز كانت في داره بواسط ولم تكن بالبلدة شجرة جوز سواها، وقيل: نسبة إلى فرضة الجوز وهي مرفأ نهر البصرة. حظي ابن الجوزي بشهرة واسعة، ومكانة كبيرة في الخطابة والوعظ والتصنيف، كما برز في كثير من العلوم والفنون، وبلغت مؤلفاته أوج الشهرة والذيوع في عصره، وفي العصور التالية له، ونسج على منوالها العديد من المصنفين على مر العصور.
وقد توفي أبوه وهو في الثالثة من عمره فتولت تربيته عمته، فرعته وأرسلته إلى مسجد محمد بن ناصر الحافظ ببغداد، فحفظ على يديه القرآن الكريم، وتعلم الحديث الشريف، وقد لازمه نحو ثلاثين عامًا أخذ عنه الكثير حتى قال عنه: لم أستفد من أحد استفادتي منه.
شيوخة وأساتذته تعلم ابن الجوزي على يد عدد كبير من الشيوخ، وقد ذكر لنفسه (87) شيخًا، منهم: أبو الفضل محمد بن ناصر بن محمد بن علي بن عمر [ 467 ـ 550 هـ = 1074- 1155م ]: وهو خاله، كان حافظًا ضابطًا متقنًا ثقة، وفقيهًا ولغويًا بارعًا، وهو أول معلم له. أبو منصور موهوب بن أحمد بن الخضر الجواليقي [ 465- 540هـ = 1072م- 1145م ]: وهو اللغوي المحدث والأديب المعروف، وقد أخذ عنه اللغة والأدب . أبو القاسم هبة الله بن أحمد بن عمر الحريري المعروف بابن الطبري [ 435-531هـ =1043-1136م] وقد أخذ عنه الحديث . أبو منصور محمد بن عبد الملك بن الحسين بن إبراهيم بن خيرون [ 454-539هـ = 1062-1144م ] وقد أخذ عنه القراءات .
منزلته ومكانته: كان ابن الجوزي علامة عصره في التاريخ والحديث والوعظ والجدل والكلام، وقد جلس للتدريس والوعظ وهو صغير، وقد أوقع الله له في القلوب القبول والهيبة، فكان يحضر مجالسه الخلفاء والوزراء والأمراء والعلماء والأعيان، وكان مع ذيوع صيته وعلو مكانته زاهدًا في الدنيا متقللا منها، وكان يختم القرآن في سبعة أيام، ولا يخرج من بيته إلا إلى المسجد أو المجلس، ويروى عنه أنه كان قليل المزاح . يقول عن نفسه: "إني رجل حُبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به، ثم لم يحبب إلي فن واحد بل فنونه كلها، ثم لا تقصر همتي في فن على بعضه، بل أروم استقصاءه، والزمان لا يتسع، والعمر ضيق، والشوق يقوى، والعجز يظهر، فيبقى بعض الحسرات".
مجالس وعظه: بدأ ابن الجوزي تجربة موهبته في الوعظ والخطابة في سن السابعة عشرة، وما لبث أن جذب انتباه الناس فأقبلوا على مجلسه لسماع مواعظه حتى بلغت شهرته في ذلك مبلغًا عظيمًا، فلم يعرف تاري.
كعادة الكتابة عند المؤرخين المسلمين؛ البدء من بداية خلق الأرض والسماء ثم خلق الإنسان مرورا بذكر أخبار الأنبياء ليصل مع نهاية الجزء إلى الإسكندر الأكبر. لكنه بدأ بمقدمة مهمة عن منهجيته في الكتابة و ترتيب الكتاب وأهمية التاريخ ، فذكر أن التاريخ سلعة رائجة لدي عامة الناس وخاصتهم، ثم منهجه الذي رسمه لنفسه كي يجمع محاسن الذين سبقوه فيقول : "إني ﺭﺃﻳﺖ اﻟﻨﻔﻮﺱ ﺗﺸﺮﺋﺐ ﺇﻟﻰ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺑﺪاﻳﺎﺕ اﻷﺷﻴﺎء، ﻭﺗﺤﺐ ﺳﻤﺎﻉ ﺃﺧﺒﺎﺭ اﻷﻧﺒﻴﺎء، ﻭﺗﺤﻦ ﺇﻟﻰ ﻣﻄﺎﻟﻌﺔ ﺳﻴﺮ اﻟﻤﻠﻮﻙ ﻭاﻟﺤﻜﻤﺎء، ﻭﺗﺮﺗﺎﺡ ﺇﻟﻰ ﺫﻛﺮ ﻣﺎ ﺟﺮﻯ ﻟﻠﻘﺪﻣﺎء. ﻭﺭﺃﻳﺖ اﻟﻤﺆﺭﺧﻴﻦ ﻳﺨﺘﻠﻒ ﻣﻘﺎﺩﻫﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﻩ اﻷﻧﺒﺎء، ﻓﻤﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺫﻛﺮ اﻷﻧﺒﻴﺎء اﻻﺑﺘﺪاء، ﻭﻣﻨﻬﻢ ﻣﻦ ﻳﻘﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﺫﻛﺮ اﻟﻤﻠﻮﻙ ﻭاﻟﺨﻠﻔﺎء، ﻭﺃﻫﻞ اﻷﺛﺮ ﻳﺆﺛﺮﻭﻥ ﺫﻛﺮ اﻟﻌﻠﻤﺎء، ﻭاﻟﺰﻫﺎﺩ ﻳﺤﺒﻮﻥ ﺃﺣﺎﺩﻳﺚ اﻟﺼﻠﺤﺎء، ﻭﺃﺭﺑﺎﺏ اﻷﺭﺏ ﻳﻤﻴﻠﻮﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻫﻞ اﻷﺩﺏ ﻭاﻟﺸﻌﺮاء. ﻭﻣﻌﻠﻮﻡ ﺃﻥ اﻟﻜﻞ ﻣﻄﻠﻮﺏ، ﻭاﻟﻤﺤﺬﻭﻑ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﻣﺮﻏﻮﺏ، ﻓﺂﺗﻴﺘﻚ ﺑﻬﺬا اﻟﻜﺘﺎﺏ اﻟﺠﺎﻣﻊ ﻟﻐﺮﺽ ﻛﻞ ﺳﺎﻣﻊ، ﻳﺤﻮﻱ ﻋﻴﻮﻥ اﻟﻤﺮاﺩ ﻣﻦ ﺟﻤﻴﻊ ﺫﻟﻚ، ﻭاﻟﻠﻪ اﻟﻤﺮﺷﺪ ﺇﻟﻰ ﺃﺻﻮﺏ اﻟﻤﺴﺎﻟﻚ. "
أما طريقة عرض الأحداث التاريخية فتقوم علي ركيزتين أساسيتين، في حالة التأريخ للأنبياء ذكر أخبارهم ويردفها بأحداث عصرهم التي قد لا تتعلق بهم، مع التوسع في السيرة النبوية الشريفة، حتى يبدأ التأريخ الهجري، فتصبح الطريقة أن يذكر أحداث كل عام هجري التي بالأساس سياسية لكن يذكر أحيانا أخبار العلماء مع ميل أحيانا لذكر الغرائب ثم يذكر أهم الشخصيات التي ماتت في هذه السنة مع نبذة مختصرة و جرح وتعديل لهذه الشخصيات إن كانوا من رواة الحديث أو أهل العلم عموما حتى انتهى إلى سنة ٥٧٤ هجريا