كان من توفيق الله ونعمته علينا أن هيّأ لنا الوصول إلى ديوان امرئ القيس بشرح أبي سعيد السكري الذي جمع فيه روايات العلماء من القرنين الثاني والثالث الهجريين. ومن ثم اتخذنا هذا الشرح أصلًا للديوان، وأتممناه برواية المفضّل من نسخة الطوسي مما لم يرو أبو سعيد السكري، ثم أضفنا زيادات نسختي ابن النحاس وأبي سهل. وعدنا إلى المصادر المطبوعة، فتمّمنا الديوان، وكشفنا عن أشعار جديدة لم تنشر سابقًا ولم يصل إليها غيرنا، ولم ترد في نسخة أبي سعيد والنسخ المخطوطة الأخرى.
امرؤ القيس بن حُجر الكِندي واسمه حُندج (520 م - 565 م) شاعر و فارس عربي، إذ روى الأصمعي أن أبا عبيد سئل في خير الشعراء فقال: "امرؤ القيس إذا ركب والأعشى إذا طرب وزهير إذا رغب والنابغة إذا رهب". أحد أشهر شعراء العصر الجاهلي رأس الطبقة الأولى من الشعراء العرب والتي تشمل زهير بن أبي سلمى والنابغة الذبياني والأعشى. وأحد أصحاب المعلقات السبعة المشهورة. كان من أكثر شعراء عصره خروجاً عن نمطية التقليد، وكان سباقاً إلى العديد من المعاني والصور. وامرؤ القيس صاحب أوليات في التشابيه والاستعارات وغير قليل من الأوصاف والملحات. إذ كان أول من بكى و تباكى و شبه النساء بالظبيان البيض و قرون الماعز بالعصِيّ. ولد في نجدٍ ونشأ ميالا إلى الترف واللهو شأن أولاد الملوك وكان يتهتك في غزله ويفحش في سرد قصصه الغرامية وهو يعتبر من أوائل الشعراء الذين ادخلوا الشعر إلى مخادع النساء. كان ماجنا كثير التسكع مع صعاليك العرب ومعاقرا للخمر. سلك امرؤ القيس في الشعر مسلكاً خالف فيه تقاليد البيئة، فاتخد لنفسه سيرة لاهية تأنفها الملوك كما يذكر ابن الكلبي حيث قال: كان يسير في أحياء العرب ومعه أخلاط من شذاذ العرب من طيء وكلب وبكر بن وائل فإذا صادف غديراً أو روضة أو موضع صيد أقام فذبح وشرب الخمر وسقاهم وتغنيه قيانة، لايزال كذلك حتى يذهب ماء الغدير ويبتقل عنه إلى غيره. إلتزم نمط حياة لم يرق لوالده فقام بطرده ورده إلى حضرموت بين أعمامه وبني قومه أملا في تغييره. لكن حندج استمر في ما كان عليه من مجون وأدام مرافقة صعاليك العرب وألف نمط حياتهم من تسكع بين أحياء العرب والصيد والهجوم على القبائل الأخرى وسبي متاعها. كان دين امرئ القيس الوثنية وكان غير مخلص لها. فقد رُوِيَ أنه لما خرج للأخذ بثأر أبيه مر بصنم للعرب تعظمه يقال له ذو خُلَصَة. فاستقسم بقِداحِهِ وهي ثلاثة: الآمر والناهي والمتربص. فأجالها فخرج الناهي. فعل ذلك ثلاثاً فجمعها وكسرها. وضرب بها وجه الصنم. وقال: "لو كان أبوك قتل ما عقتني". لم تكن حياة امرؤ القيس طويلة بمقياس عدد السنين ولكنها كانت طويلة وطويلة جدا بمقياس تراكم الإحداث وكثرة الإنتاج ونوعية الإبداع. لقد طوف في معظم إرجاء ديار العرب وزار كثيرا من مواقع القبائل بل ذهب بعيدا عن جزيرة العرب ووصل إلى بلاد الروم إلى القسطنطينية ونصر واستنصر وحارب وثأر بعد حياة ملأتها في البداية باللهو والشراب ثم توجها بالشدة والعزم إلى أن تعب جسده وأنهك وتفشى فيه وهو في أرض الغربة داء كالجدري أو هو الجدري بعينه فلقي حتفه هناك في أنقرة في سنة لا يكاد يجمع على تحديدها المؤرخون وان كان بعضهم يعتقد أنها سنه 540م، وقبره يقع الآن في تلة هيديرليك بأنقرة.
هذا الديوان فيه ما رواه أبو سعيد عن أبي حاتم والرياشي عن الأصمعي من شعر امرئ القيس، وشرحه وأثبتَ أخبارَ القصائد وكثيرًا ما عزىٰ الأخبار إلى ابن الكلبي، وقال المحقق لعله كان ينقل الأخبار من كتاب مفقود لابن الكلبي اسمه (كتاب ما في شعر امرئ القيس من أسماء الرجال والنساء وأنسابهم وأسماء الأرضين والجبال والمياه) ، الشرح أضعُه في الشروح المتقدمة التي لن يفهم محتواها من لم يقرأ قبلها غيرها، لأنه يذكر إشارات لا إسهاب فيها، ولا يضع المعنى العام للبيت إلا قليلًا، وينقل أحيانًا المعنى العام عن العلماء كابن الأعرابي. وهذه فائدة: قال أبو سعيد السكري: والعِقاص: ما جُمِع من الشَّعَر كهَيْئة الكُبّة. (شرح ديوان امرئ القيس ١/٢٢٠)