"بدأ الشغف بالألوان غريبًا، وساحرًا. لم أكن أعرف أنه سيتحول إلى سلاح في يدي وأنا أواجه الوحش، مثله مثل صوت أم كلثوم الذي تسلل إلى بيتي الجديد خلسة، من نافذة غرفة النوم. كنت أهرب من عيني الوحش وألصق عيني في شاشة اللاب توب، حين باغتني صوتها وهي تجلجل في السكون: الله محبة، الخير محبة، النور محبة، يا الله! كيف لم أكن أنصت إلى هذا الصوت من قبل؟! كانت تكمل تلاوتها فتلين عيناه الذئبيتان. يتوه توحشهما في شك ما، نعم كان شكًّا، هذا الذي دفعه للهروب. لم يخف الوحش. لم يحترق كشياطين الأفلام، إنه فقط تشكك في قدرته على محاصرتي. هرب من سكينتي المفاجأة، من غياب التحدي في عيني الهاربتين فوق شاشة اللاب توب. شك في كوني عدوًا مفترضًا، لكنه أيضًا، لم يتأكد من كوني صديقًا. لم أهزم الوحش ولم يهزمني، حتى هذه اللحظة لم يحدث إلا أننا روضنا بعضنا البعض. لا يمكنني القول إنني كنت أعرف هذا حين باغتني وباغته صوت "الست" لأول مرة. كنت أعتقد آنذاك أنني هزمته، ومع كل ليلة يتسلل فيها الصوت المتمكن ويهرب أمامه الوحش كنت أعتقد أنني وجدت تعويذتي، وأنه غادرني بلا عودة."
في رواية "الست" تواجه الكاتبة الواقع متسلحة بالخيال، من خلال امرأة تستقل في بيت لأول مرة في حياتها لتجد نفسها وجهًا لوجه مع مخاوفها، تذهب إلى كهف الوحش لمواجهته وترويضه بجرأة، ومن خلال هذه المواجهة تعاين الأحاسيس المكتومة عن كثب: الجسد في مسراته وخوفه، الحواس في تداخلاتها، الحب في لعبته المراوغة، البهجات الصغيرة، والتفاصيل اليومية، أيضا العلاقة مع الكون: النجوم، البحر، السماء، الألوان، الفنون في تشابكاتها بين الموسيقى واللوحة بين الشاشة والكلمة، كلها تتحد داخل جدران البيت، وفي قلب الست.
سمر نور روائية وصحفية وتعمل الآن كرئيس قسم الأدب في جريدة الأخبار صدر للكاتبة من قبل مجموعة قصصية وتشكيلية بعنوان "معراج" عن سلسلة إبداعات بالهيئة العامة لقصور الثقافة عام 2004، ومجموعة قصصية بعنوان "بريق لا يحتمل" عن دار ملامح للنشر عام 2008، ورواية بعنوان "محلك سر"عن دار النسيم للنشر عام 2013، ومجموعة قصصية بعنوان "في بيت مصاص دماء" عن الهيئة العامة للكتاب عام 2016 والتي حصلت على جائزة ساويرس في القصة القصيرة فرع كبار الكتاب دورة عام 2017، ورواية بعنوان " السِّت" عن دار العين للنشر، وشاركت بقصة "حفلة بينوكيو" في كتاب مختارات قصصية صدر بمناسبة ذكرى نجيب محفوظ عام ٢٠١٢ بمشاركة مائة كاتب مصري، وسبق لها نشر قصة "أحزان فرح" في الكتاب الفضى الصادر عن نادى القصة بمناسبة حصول نفس القصة على جائزة نجيب محفوظ عام ١٩٩٩، ونشرت قصصها في العديد من الجرائد والمجلات المصرية والعربية مثل جريدة أخبار الأدب وجريدة الحياة اللندنية، ومجلة الدوحة وغيرها. ترأس سمر قسم الأدب في جريدة أخبار اليوم منذ عام 2018 والتحقت سمر بجريدة الأخبار منذ عام ٢٠٠٩ و كما تعمل كمدير تحرير سلسلة 3 حواديت للأطفال الصادرة عن الهيئة العامة للكتاب، وسبق لها العمل في جرائد ومجلات مصرية وعربية منذ عام ١٩٩٨، وحصلت على جائزة التفوق الصحفي فرع الصحافة الثقافية من نقابة الصحفيين المصرية عام ٢٠٠٨ للتواصل: summernour@gmail.com
قليلة هي الروايات القصيرة التي تشعر معها بأن المتعة اكتملت،
هنا تجربة سردية مكثّفة بذكاء، ومحاولة جادة للتعبير عن العالم بشكل مختلف، تقدمها "سمر نور" عبر بطلتها التي تبحث عن حياتها المستقلة، وتحارب من أسمتهم "بالوحوش" سواء كان حبيب غائب أو جار غريب طامع، أو كل ما هو غير ذلك، تتصالح مع حياتها الجديدة وتبني لها عالمًا خاصًا، يغلفه صوت الست "أم كلثوم" آتيًا من مكانٍ لا تعرفه، ولكنها تتخيّل كل ما حوله
رواية جميلة تترك في النفس أثرًا كبيرًا بعد انهاءها
هذه المرة الأولى التى أقرأ فيها رواية لسمر نور، قرأت مجموعة قصصية من قبل، إضافة إلى بعض ما تشارك به الكاتبة على صفحتها على الفيسبوك. قرأت الرواية مرتين، الأولى كمخطوطة والثانية بعد أن أضافت إليها الكاتبة لمساتها الأخيرة. بعد القراءة الأولى، أجرت سمر على صفحتها استفتاء بسيطا حول اسم الرواية، كنت من القلائل الذين لم يتحمسوا لعنوان (الست)، عندما أعيد النظر أعتقد أن سببين كانا وراء تحفظى، الأول سبب شخصى بحت متعلق برأيي فى أم كلثوم والذى تحيل إليه كلمة (الست) بشكل تلقائى, والسبب الثانى هو ما قد يوحى به الاسم بأننا بصدد رواية نسوية، وأرى أنه من الظلم وضع الرواية فى هذا الإطار الضيق، فهى أوسع وأرحب من ذلك التصنيف رغم ما بها من إشارات إلى أزمات المرأة فى مجتمعنا. تكتب سمر تلك الرواية بقلم القاصة، حتى أنك قد تقتطف فصلا وتعيد قراءته بشكل منفصل، كما أنها ترى الأحداث بعين القاص فى لقطات مقربة وباستخدام تقنية أقرب إلى الزوم، أو كما تقول الراوية " ليست هناك أحداث كبرى فى الحياة، هناك دوما تفاصيل ". تبدو تلك التقنيات مناسبة جدا لحالة الوحدة التى تطارد البطلة، فالرواية مهمومة بالوحدة وما تثيره من مخاوف، ومعركة البطلة معها ومحاولاتها المستمرة للانتصار عليها. ليست الشخصية الرئيسية فقط من تعانى الوحدة فى روايتنا، بل أيضا صديقها المهاجر، وجارها غريب الأطوار، والقطة الضالة على سلم العمارة، والفأر الساكن فى مطبخها، جميعهم يحاولون محاربة وحدتهم، كل بطريقته الخاصة. ولكن ما هى الوحدة؟؟ هل هى شر مطلق أم أنها شكل من أشكال التحرر من قيود فرضتها علينا الحياة والمجتمع. تقول الست " العزلة وهم والوحدة زائفة، طالما أسمع هذا الصوت، منوّها عن رسالة جديدة على حسابى بالواتس أب أو تعليق على استاتوس على الفيسبوك، الخوف، أيضا، يتلاشى حين تدرك أن هناك شخصا ما يقطن بجوارك يمكنه نجدتك إذا أرسلت إليه رسالة قصيرة. الخصوصية تنتهى حين تدرك أن شخصا ما فى مكان بعيد يمكنه معرفة ما يحدث فى بيتك الصغير، حتى وإن فصلت بينكما قارات." فيبدو أن حتى الوحدة ليست حقيقة، نحن محاطون بأشخاص افتراضيين، وربما أيضا مخاوف وأشباح ووحوش تنفرد بنا فى عزلتنا، أو كما كتب ألبير كامو على لسان كاليجولا " الإنسان لا يكون وحيدا أبدا، ذكريات الماضى وهموم المستقبل تلاحقنا فى كل مكان، هناك من كنا نحبهم، وإن لم نحبهم كانوا يحبوننا، ثم هناك الحسرات والأشواق، والخوالج العذبة والمرة... الوحدة؟! آه لو أنى بدلا من هذه الوحشة الصاخبة بالهواجس والأشباح تنعمت بالوحدة الحقة والصمت وحفيف الأغصان. ليست الوحدة سكونا هادئا، فهى ضجيج يختلط فيه صرير الأسنان بوجع الأنات والصرخات." تلك المشاعر ذاتها، أو ما يشبهها، تحاصر (الست)، فتتأهب وتعمل على مواجهتها، ومواجهة الطفلة التى لازالت تعيش فيها بكل مخاوف الطفولة وذكريات المراهقة وأول الشباب.
أحببت ألوان الغلاف التى استمدها مصممه من الألوان التى دهنت بها البطلة شقتها الجديدة، الأصفر والأزرق، لونى الصحراء والبحر، أو الرمال والفضاء السماوى، ورغم ما أرادته -هى -من أن تكون حجرتها أشبه بالطبيعة فى لوحات فان جوخ، إلا أنها أحالتنى مرة أخرى بشكل غير مباشر إلى العزلة والفضاء. لو كنت صديقا لمصمم الغلاف لاقترحت عليه إضافة فأر صغير يجرى بخفة أسفل الغلاف. تحمل الرواية فى طياتها العديد من التفاصيل والتأملات التى لابد وأن بعضها، أو كثيرا منها، سيتماهى مع هموم القارئ الشخصية، يمس مواقفه الحياتيه، وتأملاته الخاصة، فيتفاعل معها وتثير أفكارا دارت فى عقله ذات ليلة قضاها وحيدا، فكل الأحداث تبدو حقيقة و" ستجتهد لتحدد الواقع من الخيال ".
"كنت أكتب لأقتل وحوشي، وكانت تلك هي الوسيلة الوحيدة للتعامل مع كل هذا الوجع"
جميلة هي الكلمات التي تلامس أرواحنا، ولم نستطع يوماً التعبير عنها وإن استطعنا فلا نقدر على البوح بها خوفاً من أن نوصم بالأنانية أو الحب المفرط للذات.
تحتاج المرأة لقوة إرادة وشخصية صلبة لتعيش بمفردها في مجتمع ذكوري يقدس رجاله ولا يحترم نسائه، أن تكون للمرأة حياتها الخاصة بعيداً عن تطفل العائلة أو الأصدقاء، كعصفور حر منفرد يغرد خارج السرب. هنا تعيد اكتشاف نفسها مخاوفها، أحلامها.وهو ما يشكل تحدياً ليس باليسير.
لم يكن من السهل ترويض الطفلة الخائفة التي تسكن داخل امرأة مستقلة. وتحتاج لحضن الأم وعطف الأب واهتمام من حولها لمواجهة "الوحش".
أعجبني استخدام الكاتبة لرمزية "أم كثلوم" أو كما يطلق عليها عشاقها "الست" هي السيدة التي استطاعت فرض سطوتها الغنائية في هذا المجتمع الخشن لعقود طويلة ولم ينظر لها أحد باستخفاف بل على العكس تماماً تقلدت كل مناصب الحب والتبجيل في قلوب مستمعيها، فهي كوكب مستقل بذاته، هي كوكب الشرق.
الفصل التاسع بديع وصادق.
التجربة الثانية لي مع سمر نور بعد رواية تماثيل الجان، وحتمًا لن تكون الأخيرة.
اقتباسات:
"أرغب في التعود على الحياة داخل فراغ يخصني أملؤه بما أحبه"
"في الحقيقة الكتابة لم تكن أبدًا كافية وتصلح للعيش، ولكنها كل ما أستطيع فعله، فلنقل إنها كل ما كنت أريد فعله"
تكون جالساً في حديقة، بلا هموم تطالع الأشجار ضمن مشهد تكرر أمامك لسنوات، وكنت تجد فيه راحة تامة ثم في أحد الأيام، وفجأة تظهر أمامك بين خضرة الأشجار، صبية لطيفة، تجلس على المقعد أمامك وتتحدث لأحدهم باستغراق من خلال الهاتف لدقائق، ثم تقف لتغادر الحديقة وبعد خطوتين تقع مفاتيحها، تنحني وتحملها مغادرة الحديقة وأنت مسحور بالمشهد الذي حدث أمامك. هذه الرواية تشابه هذا المشهد.
من منا لم يقابل الوحش؟ من منا لم يقض ليال طويلة محاولا الهروب منه، سمر نور في روايتها "الست" امتلكت الشجاعة التي يفتقدها أغلبنا، وواجهت الوحش، الوحش قد يكون سرابًا وقد يكون حقيقة، قد يكون مجرد الخوف من أوهام، أو أوهام تراكمت داخلنا، الخوف والوحدة ومواجهة النفس، كلها مشاعر فاضت بها الرواية، المرأة التي كانت صادقة جدًا مع نفسها وبدلا من الهروب من مخاوفها ، واجهتها، تفاصيل صغيرة ميزت الرواية، جلسة قراءة الفنجان مع صديقاتها، مقابلة الجار المسن، وحتى مواجهة مع الجار المصور، وذكريات الطفولة، تفاصيل غير اعتيادية ولا مكررة، حتى قصة الحب جعلتها سمر تفصيلة ضمن تفصيلات أخرى، فجاءت مقتضبة ومكثفة، والحقيقة أن الرواية بشكل عام تميزت بالتكثيف العالي، فلم تقع سمر في فخ الاستطراد، أكثر جزء أعجبني هو الجزء المرقم ب"5" ومن العبارات التي أحببتها :- الرسائل التي تنتظرها ستراوغك، الانتظار يتسلى بالوجع، المنتظرون أدوات للعب، لا تنتنظر شيئَا، ولا تعد نفسك بما ليس لديك، لا تعلق ملابسك في مشجب الجيران، ولا تنام في بيت لا تمتلك مفاتيحه،لا تبث أمنياتك على الهواء مباشرة، الأرض ساعي بريد اعمى". "أتعرف أنك في ليلة مقمرة ساعدتني على تحطيم أسطورة كائن الصدفة! ليلة ظهر فيها الوحش مرة أخرى ودرت معه في دوائر حول النيران، ولم ينتصر ولم أنتصر بالتالي فلم ينهزم أي منا، كنا نجلس بجوار النار معًا مستسلمين للواقع.كان الوحش يتحاشى النظر إلى عيني، حتى لا يرى أثر قسوتك منعكسًا على مقلتي، كنت أحكي للوحش عنك، وكنت أخفف عنه، أخبره أنني لن أنكسر بعد الآن، ولن تصب الهزيمة سوى الأساطير"
' الرسائل اللتي تنتظرها ستراوغك، الانتظار يتسلى بالوجع، المنتظرون أدوات للعب، لا تنتظر شيئاً، و لا تعد نفسك بما ليس لديك، لا تعلق ملابسك في مشجب الجيران، و لا تنام في بيت لا تملك مفاتيحه، لا تبث أمنياتك على الهواء مباشرة، الأرض ساعي بريد أعمى، و أنت بصير بخطواتك عليها أكثر من غيرك.'
قراءتي في هذه الرواية القصيرة كما نُشِرُت في عدد أغسطس 2022 من مجلة (إبداع): مِن مَحضِ الأنوثةِ إلى سِدرةِ السِّتّ: عن رواية (السِّتّ) لسمر نور ............................... لا يتعلّق العنوانُ بمحض الأنوثة فحَسب، فتعالُقاتُه التي نعرفُها من تداوُليّات مفردة (السِّت) تشملُ بالأخَصِّ فكرةَ المرأة المتسيِّدة، كما تشملُ فكرة المرأة المتزوّجة. هكذا لا يُقالُ عادةً لامرأةٍ عَزباءَ "سِتّ"، كما أنه إذا برزَت أمام عين وعيِنا الجمعيِّ صورةُ خادمةٍ ومخدومةٍ، أو مكانِ عملٍ له رئيسةٌ ونساءٌ أخرَياتٌ ينتمين له، فإنّ مفردة (السّت) ستنصرفُ تلقائيًّا إلى المخدومةِ أو رئيسة العمل، خاصّةً إذا كان عملًا شعبيًّا غير مقيَّدٍ برَسميّاتِ مؤسسات العمل الحَداثيّة. هكذا تُوقِعُنا كاتبتُنا في فخّ روايتِها التي تتابعُ لقطاتٍ لا ينتظمُها خطٌّ زمنيٌّ مُطَّرِدٌ مِن محاولة امرأةٍ للاستقلال في شقّةٍ خاصّةٍ بها، وحدَها، بعيدًا عن بيت الأُسرة. فبين علاقتِها المتوتّرةِ بـ(قِطّةٍ) كانت تتّخذُ من عتبة باب الشقّة الجديدةِ مَسكنًا وحمّامًا تقضي فيه حاجتَها، وحديثِها عن عمَ (فتحي) النّقّاش العجوز الذي استعانت به لطلاء جدران الشّقّة بلَونيها المفضَّلَين (الأصفر والأزرق)، واستكشافِها الحديثِ لعالَم المطبخِ في الشّقّة الجديدةِ بعد أن كانت محرومةً منه بفعل سُلطة الأُمّ، وأحاديثِها مع الصديق المهاجِر (سمير)، سواءٌ في غيبتِه عبر وسائل التواصُل الافتراضي أو عقِبَ عودتِه، ومواجهة مخاوف الوِحدة الممتدّة من الطفولة، والحديثِ عن صوت أمِّ كلثومٍ الذي بدأَت تُعيدُ اكتشافَه وتستأنسُ بأغانيه، وحديثِها المتقطِّع عن رجُلٍ تحبُّه وعلاقتُها به مرتبِكةٌ تمامًا ويسمّيه صديقُها (الحبيبَ المجهول)، بين هذه اللقطات نجدُ أنفُسَنا دائمًا إزاءَ فكرةِ المرأة التي تطاردُ مفهومَ (السِّتّ) بما يكتنزُه من عُلُوٍّ على محض الأنوثة إلى أُفُقِ الأنوثة المتسيِّدة المكتمِلة، سواءٌ كان اكتمالُها برَجُلٍ أو باكتفاءٍ ذاتيّ. ففي الفصل الأوّل المنذور للقِطّ وفيما بعدَه من إشاراتٍ إلى تلك القِطّ، نجدُها آنًا تتبرَّمُ بوجود القِطِّ الحُبلَى وتعتبرُها غريمةً تنظرُ إليها كمُعتديةٍ على فضائها الخاصّ، وآنًا تضعُ لها الطعام والشّراب وتسألُ عنها حين تختفي، وحين تعرفُ أنها تختبئ في شقّة المُصوِّر شِبهِ المهجورة في الطابَق الأرضيِّ من العمارةِ تطمئنّ، لكنها تعودُ وتناقشُ المصوِّرَ في وجوب أن يُغلِقَ بابَ الشّقّةِ حتى لا يعطي الفرصة للقطط لسُكنى العمارة وتلويثِها بفضلاتِها. فالقِطُّ في هذا السِّياقِ امرأةٌ هي الأخرى أو انعكاسٌ حيوانيٌّ لامرأةٍ، تدافعُ عن سيادتِها بالاستمرار في المَبيت على عتبة الشّقّة، وتُعلِنُ عن اكتمالِها كـ(سِتٍّ) بحَملِها وانتفاخِ بَطنِها. فكأنها تهدِّدُ البطلةَ الرّاويةَ في حُلمَي الاستغناء عن الرِّجال وتسيُّد فضائها الخاصِّ من جهةٍ، وتمثِّلُ بالنسبةِ لها مآلًا محتمَلًا لسَعيِها من جهةٍ أخرى. وربّما لهذا تبدو علاقتُهما بهذا التوتُّر! وخلالَ ذلك يبلغُ بها الغضبُ مَداه حين يقولُ المصوِّر "هاتي لي راجل أكلّمه"، حيثُ تقضي الجُملةُ على كُلّ مَنطِقٍ يمكن أن يتذرَّع به الحِوار، وتُلغِي كيانَها تمامًا بغياب الرَّجُل، فلا تلبثُ الراويةُ أن ترُدَّ عليه بأن يأتيَ بمَن يُنفقُ عليه لتكلِّمَه، لائذةً باستقلالِها الاقتصاديّ لتدافِعَ عن حُلم (السِّتّ). أمّا النّقّاش العجوزُ فهي تفتحُ له قلبَها وتحدّثُه بصراحةٍ عن حُلمِها بالاستقلال، لكنّ الرَّجُلَ لا يلبثُ أن يُحدِّثَها عن ابنتِه التي قَبلَت أخيرًا أحدَ الخاطِبين، وتستشفُّ من طريقةِ كلامِه إشفاقَه من مصيرٍ كان يمكن أن ينتظرَ تلك الابنةَ إن هي استمرّت في رفض مَن يتقدّمون لخِطبتِها، حيثُ كان يمكن أن ينتهي بها الحالُ وحيدةً عزباءَ كتلك المجنونة التي تجهِّزُ شقّةً للسُّكنى وحدَها. هكذا يستدعي النّقّاشُ لخيالِها - رغمَ راحتها معه مِن بين العُمّال الذين عملوا في الشقّةِ – صورةَ امرأةٍ حقّقَت حُلمَ (السِّتّ) في هدوءٍ بالغٍ ودون ثوراتٍ جِذريّةٍ على مواضَعات المجتمَع، إذ لم يتطلّب الأمرُ منها إلا أن ترفُضَ عددًا من الخاطِبين ثُمّ تقبلَ واحدًا أخيرا. ولأنها صورةٌ هادئةٌ فهي لم تكدِّر صَفوَ البطلة، بل تضافرَت وطبيعةَ عمل النّقّاش الأقرب إلى الفنون البصريّة لتجعلها تسمّي ذلك الرجُل "أجمل شيءٍ في رحلة إعداد الشّقّة". ولعلّنا نصادفُ تيمة الانبهار بفنّ النّقّاش في مجموعةٍ قصصيةٍ سابقةٍ لكاتبتِنا، تحديدًا في قصّة (غرفة تخُصُّ صبري وحدَه) من مجموعتِها (في بيت مصّاص دماء). لكنّها هناك تُعجَب بفَنّ نقّاشٍ هجرَ متطلَّبات عملِه ليعكُفَ على الرَّسم، وهنا تُعجَبُ بنَقّاشٍ عجوزٍ لا يزيدُ على أن يُخلِص لطلاء جدران شقّتها بألوان السماء والبحر والرِّمال كما تقول. فلعلَّ في ذلك التحوُّل من تقديس الفنّ في (غرفة صبري) إلى الرِّضا بالطبيعة هنا شكلًا من أشكال الاستسلام للأمر الواقعِ أو التسليم للقضاء أو تغيُّرًا ما في رؤيةِ الكاتبةِ للعالَم، وربّما يكونُ الأمرُ أبسَطَ من ذلك بالتأكيد وليس في اختلافِ المنظورين أكثرُ من مجرَّد صُدفةٍ إبداعيّة! أمّا العلاقة بالمطبخ فتشهَدُ مِثلَ ذلك التوتُّر، حيث بدأَت أولَ مرّةٍ في بيت الأُسرة حين سافرَت الأمُّ للعُمرة، ولدى عودتِها صادرَت تلك المساحةَ الخاصّةَ التي اكتشفَتها الراويةُ في فضاء المطبخ. ثُمّ تقول كاتبتُنا عن مطبخِ شقتها المستقلّة: "تعلمتُ التعاملُ مع مساحتي حتى إنه لم يَعُد لأحدٍ غيري القدرةُ على التعامُل معها، أو ربما صِرتُ أنا مالكةَ الحَقِّ الوحيد في التعامل مع مملكتي، مثل أمّي تماما!" هكذا تقترب البطلة من حُلم (السِّتّ) من خلال علاقتِها بالمطبخ. ولعلّ في خلفيّة صوت أمّ كلثومٍ إحدى الإحالات المهمّة في الرواية إلى خارجِها. فأمُّ كلثوم هي المرأة الوحيدة في تاريخِنا المعاصِر التي أصبحَت مفردة (السّتّ) مجرَّدةً هكذا علَمًا عليها. وهي في انتقالِها من لقب (الآنسة) إلى (الست) مرّت بالزواج، لكنّها اكتملَت (سِتًّا) – بما للسّتّ من اكتمالٍ وتسيُّدٍ – في وعي جمهورِها قبلَ ذلك، وظلّت مكتملةً متسيّدةً في الوعي المصريّ العامّ بغضّ النظر عن حادثة زواجها. هكذا تطلُّ علينا بأغانيها من ثنايا الرواية كأنها تُخايلُ البطلةَ بلَمعانِها الاستثنائيّ لتحقق قفزةَ الاكتمال والتسيُّد، لكنّ المُلاحَظ أنّ البطلةَ حين تتحدّث عن صوت (ثُومة) مجرّدًا تجعلُه أقربَ إلى رمزٍ للقوّة الأنثويّة المثاليّة، فتقول "صوت ثُومة القويّ وهو يذوب في فم المحبّ كحَلوى غزل البنات". أمّا حين تتأمّلُ كلماتِ الأغاني فإنها لا تلبثُ أن تُقيمَ حوارًا مع أمّ كلثومٍ تنعي فيه عليها بعض مظاهر الانحناء أمام قسوة المحبوب، لاسيّما في الفقرة التي تتحدث فيها عن أغنية (حيّرت قلبي). هكذا تبدو علاقتُها بالتجسُّد الأمثَل للسِّتّ – ممثّلًا في أمّ كلثومٍ – مشوبةً بالتوتُّر، فتارةً تشدُّها أمُّ كلثومٍ إلى أعلى حين يصبح الفنُّ شكلًا متعاليًا على المضامين، وتارةً تجرُّ هي أمَّ كلثومٍ إلى تفاصيلِ علاقة الحُبّ المرتبِكة مع الحبيب المجهول، بأن تركِّزَ على المضمون الذي يبدو هامشيًّا بالنسبة لمَتن أسطورة أمِّ كلثومِ العملاقة. ومن الإحالات الأخرى التي تبدو مهمّةً كلامُ الراوية عن نبات البوتُس Pothos وهو نباتُ ظلٍّ يُعرَف بأنه يكاد يكون من المستحيلِ قَتلُه، وأنه يظلُّ محتفظًا بخُضرتِه وإن أُبقِيَ عليه في ظلامٍ دامسٍ، حتى إنّ من أسمائه الأخرى (لبلاب الشيطان Devil’s Ivy). تحتفظ البطلة به في بيتها وتسقيه وترعاه، ثُمّ تفاجأ ذاتَ يومٍ بأنه قد مات، وتعزو ذلك إلى أنها ربما تكون قد غفلَت عن رعايتِه. والشاهدُ بالنسبة لسِياق الرواية أنّ ما لايموتُ قد ماتَ في تلك الشّقّة الجديدة! هكذا تشهدُ البطلةُ انتهاءَ العلاقاتِ وهشاشةَ التعلُّق بالأحياء، سواءٌ البَشرُ وغيرُهم. وهي فكرةٌ نَجدُ صداها في حديثِها عن الصديق المهاجر وعلاقتِها به، وفي حديثِها عن اختلاف الوطن بين ذلك الصديق وبين ابنتِه التي غضبت لدى سماعِ قرارِه بالعودة إلى مصر، فالتعلُّقُ إذَن محكومٌ بالفِراقِ وإن طال، وهو ما يخفِّفُ وطأةَ علاقة الحُبّ المرتبكة التي تُلقي بظلالِها على فُصول الرواية القصيرة مِن آنٍ إلى آخر. ختامًا، يبدو افتتاحُ الرواية وانتهاؤها بالحديث عن العجوز الذي تراه يوميًّا في الطابَق الأرضيِّ من المول، وحيدًا، يقول عنه الناس إني يأتي ليأتنسَ بهم، وتأتي ابنتُه بسيارتِها لتأخُذَه آخِرَ النهار، يبدُوان شكلًا من أشكال الحرص على رَبط خبرة الراويةِ - في خصوصيّتها المؤطَّرَة بالجنس والسِّنِّ وظروف العمل إلى غير ذلك – بالحالة الإنسانيّة العامّة وهشاشتِها، فها هو إنسانٌ مختلفٌ في ظروفِه عنها تمامًا، رجُلٌ، ومُسِنٌّ، وقد تزوَّجَ وأنجبَ، ولم يعُد يعمل، لكنه يشاركُها الوحدة والتَّوقَ إلى الأُنس. أي أنّ حُلمَ الاكتمال والتسيُّد – أو الصعود من محض الأنوثة إلى سِدرة (السِّتّ) – يَنحَلُّ أخيرًا إلى مجرّد رغبةٍ بسيطةٍ في الائتناس بالآخَرين والشعور بقَدرٍ من الدفء المجتمعي. وبذلك تظلُّ مرتبةُ (السِّتّ) حُلمًا مستحيلًا تطارده البطلةُ الراويةُ وهي تعلم علمَ اليقين ألّا سبيلَ للوصول إليه في الحقيقة. ........................ محمد سالم عبادة 8 أغسطس 2022
لأني أصارع دائما في محاولة معرفة لماذا نحب ما نحب؟؟ انا مش هحاول أعرف و يا رب دماغي تستجيب. "أنا أبحث عن الوضوح، عن حياة لا يكتنفها الغموض، عن قصص تنتهي نهايات مفهومة، عن مشاعر حقيقية و ناس تعبر عن نفسها بحساسية" كانت الحياة لتكون أكثر بساطة !