منير مخرج سينمائي مغربي شاب، يريد إنجاز فيلم سينمائي يرشحه للفوز بجائزة أوسكار السينمائية ذائعة الصيت. لكن ما موضوع الفيلم؟ هنا تبدأ مشكلته. - حول المال ذو الرائحة الكريهة؟ موضوع غير جيد فرائحة المال الكريهة هي رائحة الناس أنفسهم. - حول الإرهاب؟ كل الناس يلهجون بنفس الكلمة، دون دراية منهم أن هذه الكلمة ليست هي المثالية ولا المتوقعة، لأن ما يدعمها جزء غير مرئي، وهو الذي ينبغي معالجته بأفضل الطرق السياسية والثقافية والاقتصادية. - حول بيترا لاسلو، الصحفية الهنغارية التي اعتدت على اللاجئين السوريين بالركل والضرب؟. حول العزلة، العاطفة المهيمنة على نفوس العرب اليوم؟. مشكلة منير أنه لم يعرف أبداً كيف يبدأ رغم ما لديه من أفكار كثيرة رائعة يريد قولها وبأفضل الطرق. فبالإضافة لموهبته وثقافته الواسعة وحسّه العروبي العميق، فهو خريج أحد أكبر المعاهد السينمائية الفرنسية. أين الحل إذن؟ لابد من إنجاز الفيلم؟ عثر على جواب لأسئلته الكثيرة أثناء عزلته في مدينة صغيرة بالشمال المغربي، حيث التحقت به صديقته ربيعة العائدة من فرنسا لمساندته ومساعدته على إنجاز الفيلم. عندها أصبح بإمكانه رؤية كل الموضوعات وقد اجتمعت في حياتها. أبعد عن مكتبه كلّ الوثائق، وبدأ ينصت لحياة ربيعة الشاسعة والمليئة بالأحداث، كأنها عاصفة وجودية قوية.
مُربكةٌ هي المشاعرُ والأفكارُ الإنسانية! يتدفقان كشلالٍ إنسيابي لا يعرفُ التوقّف.. بل لربما هما أعقدُ من هذا بكثير.. قد تكونُ الأشياءُ بسيطةٌ للبعضِ في حركتها وإنتقالها، في تعابيرها ومجرياتها، في تموجاتها وأسباب توقفها.. ولكن للبعضِ الذي يدع لعقلهِ أن ينتبه للتفاصيل ودقائق الأمور، فكلّ حركة لها معنى معيّن تفيضُ من زخمٍ مُركَن، وكلّ إيماءة لها قدرة ذاتية في إستدعاء مثيلاتها من الأحداث ولو بعُدَ الترابط أمام أعيننا، وكل همسة تترجمُ نصّاً ملحميَّاً لا يكادُ يحتويهِ مجلَّداً.. إنها حالةٌ من الإرتباط والإنسلاخِ في آنٍ واحد.. تصبحُ جميع الأشياء تراجماً لأشياءٍ أخرى، تتضح رؤيتها في عقل المتلقي، وقد يستعصي فكّ رموزها الآخرون.. لكننا لو دققنا في الأمر، فجُلّ هذه المعطيات تُمنح لنا من دون إستثناء.. فقط البعض يختار أن يرى من دون تحديق.. يسعى ولا يمشي.. ويتكلم بلا إستماع.. ذاكَ وعيٌ مثقل.. وهذا غائبٌ حاضر
أوسكار الرواية هي معاينةٌ فكرية ونضالُ شخصٍ طموح.. يطلُّ منها بطلنا (منير) كشخصيةٍ موجودة بيننا أو فينا.. تلك التي ترسم الآمال الكبرى وتمشي الهوينا في تحقيق ما تأمله.. تتأخر ليس لعدم قدرة ولقلّة مورد.. هو يبحثُ فقط عن تلك البقعة الفسفورية التي يؤمن أنها ستغيّر ظلاميةِ التيه الذي يعيشه.. الشارةُ البرّاقة اللامعة في أفقه كي تصبح في حيّز يديه.. يؤمنُ بها أشدَّ الإيمان، ويواظبُ أن يقيّم ما في حياته تهيئة لإستقبالها.. فهل ينجح؟! تائهٌ هو.. وكم من تائهٍ يتخبّط في دواخلنا وجنبنا..؟ كم من مسافرٍ في لجج المجهول تعصفُ به الحيرة وغرابة الطريق؟.. كم مرة شعرنا فيها بترددٍ يُضعف الهمّة ويكبّل العزيمة ويؤرجح المستقبل؟؟؟... لا نختلفُ كثيراً عن (منير)، ولكنه مكشوفٌ لنا في سرديةٍ ديناميكيةٍ تحتاجُ كل التركيز والجهد لملاحقتها وتفسير رموزها
تتداخل المواضيع المطروحة في الرواية لتؤلف نسيجاً بوهيميَّاً غريباً يأتينا من المغرب ليحرّك أدمغتنا ويدغدغ مشاعرنا على حدّ سواء.. وفي هذه التوليفة تكمن القضية كلها.. ألا وهي المستقبل! وكيف لا؟ أليس الحبُّ فتيل الحياة والعقل مقودها، وكلاهما يحددان مستقبلنا كبوصلتين تقودان إلى المكان ذاته، إن عرجت واحدة وأعوجّت سندتها الأخرى وقوّمتها؟ أوليست السياسة تؤثر على مستقبل الأشخاص وتتحكم بجغرافيتهم فتُخرجهم من بيوتاتهم هائمين على وجوههم أو تعيدهم هرولة إلى أحضان أوطانهم؟ ألسنا نرى أن الدين له دورٌ بالغٌ في التأثير على مستقبلنا فإنْ وَهُنَ خبت أنوارنا وذابت خيوطنا وإنْ انحرف تهنا في غياهب ما تروّج له أنفسنا وإنْ احتدّ واشتدّ وتعصّب خنقنا أو أرسل إلينا مَنْ مستعدٌّ لخنقنا؟؟!! فما الحياةُ سوى شيء من هذا على نتفٍ من تلك مفوّحة بعبق أولئك؟!
تلعب الشخصيات الأخرى أدواراً رأيتها في نظري ثانوية من دون أن تتمكن أن تخلع عنها رداء الأهمية.. فحبيبته وأهلها وصديقته وصديقتها وغيرهم من الشخصيات سيكونون مثل الحطب الذي يزرده الأتون عطشاً ليُشعلَ النار ويؤججها.. فهم من المكوّنات والمحفزات الرئيسية التي تتناوب على عقل وأمام أعين وفي مخيلة وحلم البطل لتسقيه أفكاراً وتلهبُ مخيلته بشذراتٍ من الخيال.. وربما الجنون.. فـ(منير) ليس بالشخص العادي.. لديه الكثير ما يميّزه ممّا يجعل تقييمهِ أمراً نسبياً.. فقد تراه رجلاً تافهاً حالماً، عاش في حالةٍ أقلّ ما يمكن أن توصف بالكسل والجبن.. وقد تراه مخرجاً متميزاً يعرف أن قطاف العنب لا يكون وهو حصرماً إنْ أردتَ أن تتلذذ بحلاوته.. وقد تراه ماجناً فاسقاً صاحب هوسٍ بأقدام النساء يكاد يجعله عبداً طائعاً لصاحبة أجمل قدمين.. وقد تراه شخصاً سياسياً ثورياً حاقداً على السلطات العربية وحكّام الدول العربية مستأسداً في الدفاع عن الشعوب الكادحة ورفع الظلم عنها.. وقد تراه مجرد مجنون آخر غارق في تيهِ نفسه، يبحث عن أمل يمسك به كي ينجيه من سطوة الأفكار!! ولربما هو كل هذه الشخصيات.. ولربما هو إنعكاس للمزيد
. . أسلوب الكاتب صعّب قراءة الرواية قليلاً ولكنه يتوافق مع حالة البطل.. لأننا مدعون لمتابعة تعريفات الشخصية لكل ما حوله.. فأتى السرد مفعماً بالرمزية والدلالات.. ومتنقلاً بسرعة من مكان لشخص لخبر لحادثة لزمن ما! لدى الكاتب قدرة وصفية مذهلة تحبس الأنفاس.. أجاد استخدامها في نقل حادثة الطائرة ، مثلاً، إذ تحسب أنكَ تشهد فيلماً أمامك.. فيلماً فيه من الإثارة والحركة ما يستنفر أعصابك ويشدّك لمعرفة ما سيجري.. أضاف على جمالية أسلوب السرد، الطريقة الرؤيوية لمن اختبر الحدث.. وهذا في حدّ ذاته فنّ، فإختلاف الرؤية أو الزاوية التي يرى فيها راوٍ ما تختلف عن مثيله وبالتالي يؤثر ذلك الإختلاف على المضمون وصداه
ومن غرابة أسلوب الكاتب أنه بدأ بالسارد كشخصية فوقية موضوعية.. وإذ بالسارد ينزل من مكانته ويصبح له حيّزاً في القصة كأنه رفيق زائد على كل مشهد.. أشبه ما يكون برجل الكاميرا الذي يلاحق شخصاً وينقل لنا صورته من زوايا مختلفة ويعلّق في ذات الوقت على الحدث.. هذا الاختلاف المشهدي كان مفاجئاً بعض الشيء ولكن سرعان ما تعتاد عليه
. . رواية جيدة... أجمل ما فيها أنها تجعلك تفكر وتركّز.. يمكن أخذ منها مقتطفات أدبية كثيرة.. كما يمكن الإستمتاع بالمقتطفات الواردة في مطلع كل فصل، والتي بطريقةٍ ما تُنبىء بمضمون الفصل نفسه.. إذ البطل كثير الإستشهاد بأفلام وروايات وأسماء شعراء وكتّاب ومخرجين أجانب..