يبدأ حسام يقرأ:
1- يزعم أن الحياة لا قيمة لها (أولًا لأنها زائلة وثانيًا لأنها سلسلة لا متناهية من الرّغبات فالتحقّقات فالخيبات فالرّغبات, وثالثًا لأنّها غير مبرّرة- وهو اجتماع أوّلًا وثانيًا) لكنه يظل يتعلق بها ويكره أن يضجر ويودّ لو كذا أو كذا رغم أنه يعرف تفاهة هذا وسخافته, في النهاية.
2- يجد أن المصالح وحدها تحدّد العلاقات لكن هذا لا يعني عدم فسح مجال هامش هائل أمام أخاديع الصداقة والحبّ...فالمصالح ليست ماديّة وحسب وإنما روحيّة ونفسيّة أيضًا.
3- إنّه أناني بامتياز, ويريد للعالم أن يدور حوله لكن هذا لا يعني أنه لا يحب مساعدة الغير, كما وأنّه يكره أن لا يكون بإمكانه جعل كلّ الأطفال البؤساء أطفالًا في قمّة السعادة, ولكن (مرّة أخرى) قد يكون في هذا أيضًا أنانية مجرّدة, بمعنى أنّه يريد أن يكون أكبر وأقوى وأهم من أجله هو لا من أجلهم هم.
4- إنّه يعرف أنّ القوة سراب وأن السّلطة سراب وأن الشهرة سراب ( مثلها كمثل السعادة أو الحبّ) لكنه يظل يتعلق بها, لماذا؟ لأنّه هكذا, لكن لماذا؟ سبب من سببين, أ أو ب:
أ- إنّه فقط "يزعم" أنّ الحياة لا قيمة لها كعذر نفسي لإحجامه وتكاسله ( وربما عجزه) عن بلوغ ما يصبو إليه ( أيّ القوّة والمجد و...)
ب- إنه فعلًا يؤمن بما يزعم, لكن هذا لا يمنعه من التعلّق بالسراب لأنّه لا يريد أن ينتحر.
والنتيجة حاليًا: إنّه يعيش لأنّه ليس ميتًّا وحسب.
وغدًا: لا أحد يعلم ماذا سيجري, إنّه ينتظر.
************************************
كتب لسهى: "أمّا حينما أناقض نفسي بين حديث وآخر فهذا لا يعني أنّني لا أؤمن بأقوالي, تمامًا كما وأنّه لا يشير إلى كوني ألعب أو أحتال أو أكذب, لكن هذه هي طبيعة الكلام نفسه -أيّ كلام. خصوصًا إذا حاول المرء أن يكون صادقًا دائمًا, إذ عليه حينئذ أن يسمح للتناقض الذي يملأ حياته بالدخول إلى قلب كلامه, وإلا فماذا تكون فائدة الكلام؟"
************************************
أعتقد أن أيّ شخص يرغب بقراءة ربيع جابر في بدايته عليه أن يقرأ يوسف حبشي الأشقر قبله, هذا التأثر الغريب والامتلاء الغريب لربيع جابر بيوسف حبشي الأشقر وشخصياته (اسكندر, انسي). في هذه الرواية تحديدًا هذا المقطع الأول يشبه كثيرًا "بروتوكولات اسكندر" في لا تنبت جذور في السماء, شبه شديد جدًا في الأفكار وفي الطريقة, حيث يقول الأشقر: " تنازل وكتب تنازله.." ومن بعدها تتابع الأفكار/ البروتوكولات. حتى الشخصيات, الشخصيات تحمل الكثير من بذور اسكندر وانسي وسهى تحمل من مارت في لا تنبت والظل والصدى, وفي غرق هذه الشخصيات في أفكارها ودواخلها.
حسام هو ربما نسخة أشد ضعفًا من اسكندر وأقل مالًا وأسرع انهيارًا أمام الذكريات والصور وذلك نابع من كونه لم يرث ابن خالته الميت كاسكندر ربما. يظهر ربيع جابر هنا مختلفًا تمامًا عن ربيع جابر الآن وان كان هذا يدل على براعة هذا الكاتب في التنقل من نمط الى آخر وان كان يقع أحيانًا في الرتابة والملل والتكرار, وربيع جابر هنا يظهر في أكثر انكشافته وضوحًا, أكثر من رالف رزق الله والبيت الآخير. تشعر به وبأنه جزء من حسام الذي أنهكه الويسكي تمامًا والذي بعد ساعات قليلًا سيصبح عمره من عمر يسوع حين صلب).
الأسلوب الذي اعتمده جابر في الرواية جميل جدًا, التنقل بين الواقع والخيال حدّ الارباك بما يشبه الهلوسة حتى يجعل القارئ حائرًا في حقيقة ما يقرأه من عدمها, وهذا الأمر يصل إلى ذروته في النهاية حين يقول: "منذ البداية كانت مجرد مسرحيّة, مجرّد لعبة..."
ويفضح خيوط حكايته وكيف ربط التفاصيل والأحداث والصور ببعضها, كما كنت أفكر وأنا أقرأ الصفحات الأخيرة من الرواية: "الفرسان الثلاثة: ربيع, الياس وعلاء", "الشبابيك الخضر والعيون والتنورة والكنزة الخضر الخاصة بسهى ...."
وأعتقد أنه هنا يفضح لعبة الرواية من أصلها. حتى لو كان ما كتبناه واقعيًا وحصل, ماذا سيغيّر؟ أو ما الذي سيفرق؟....
********************************
الآن أصبحت أحب ربيع جابر لأنني شعرت به, على العكس من ما أصبح عليه الآن, رواي حيادي بعيد عن شخصياته..
يقول ربيع جابر في فيديو وضع له على فيميو وهو ربما الفيديو الوحيد الذي يظهر فيه, يقول: "بالنسبة اليّ القراءة مثل الكتابة هي تقريبًا وسيلتي الوحيدة لأتأكد من أنّني موجود..."
********************************