يقول كافكا:"إننا نحتاج إلى تلك الكتب التي تنزل علينا كالصاعقة التي تؤلمنا، كموت من نحبه أكثر مما نحب أنفسنا، التي تجعلنا نشعر وكأننا قد طردنا إلى الغابات بعيداً عن الناس، مثل الانتحار. على الكتاب أن يكون كالفأس التي تحطم البحر المتجمد في داخلنا".
قراءة هذا الديوان، كانت كما الفأس التي حطمت كل دفاعاتي النفسية.. هناك أدب يعجبك، أدب يبهرك، وآخر يخذلك أو لا يكون ضمن ما تستهويه ذائقتك.. وهناك أدب، عندما تقرأه، يكون علامة فارقة في حياتك.. هذا الديوان لآلاء يأتي ضمن النوع الأخير.
كان عليَّ مواصلة الإمساك بقلبي وأنا أنتقل من نصٍ لآخر في هذا الكتاب.. حجم الألم الذي حقنتني به نصوص هذا العمل كان أكثر من قدرتي على الاحتمال؛ لذا كان عليَّ أن أواصل إمساك قلبي حتى لا ينفجر.
هذا عمل مبهر، عميق، سوداوي، قاتم، لغته أخاذة، صوره متفردة.. من أجمل وأفضل ما قرأت لهذا العام!
"إنني سأموت أمام الجميع عارية ووحيدة جافة كغصن أو ملقاة على شاطىء كسمكة صغيرة.. سأموت أمام الجميع ولن يُلقي عليَّ أحدٌ حبة رمل واحدة سيجفُّ جسدي.. وينكمش أمام الجميع وأبداً أبداً لن يهبط أحد على وجهي ويُغمض عيني" …
"ربما عليَّ أن أودعكم الآن كي أصير غراباً يقتل غراباً، ويدفنه، كي يُعلّم أخاً كيف يدفن أخاه، كيف يدفن نفسه في حياة أخرى.. ويبكي عليها، ربما عليَّ أن أودعكم كي أتعلم كيف أدفن نفسي.. وكيف أبكي عليها ربما عليَّ أن أودعكم، الآن، كي أصير حفّاراً وأدفن جثتي.."
من الصفحة الأولى ينفتح عالم آلاء، عالم الشاعر الذي يحتفي بأصدقائه الذين رافقوه في الرحلة. أطلت الأسماء متتابعة كما لو أنها حشدٌ سيرافقك بين صفحات الكتاب، وهذا ما حدث فعلاً. فتكتب عن أحد أصدقائها بأنه:" الوحيد الذي- منذ الولادة- كان يبكي من تعب ولم يكن في جنازته أحد.." وتكتب لآخر: أيها الماشي وحيدًا على امتداد الزرقة البحرية ووجهك الأسمر يلمع تحت الشمس وأعضاؤك كلها تبكي من الكبر لا من الوهن من العمر الطويل الذي ظل يتراكم فوق عظامك مثل الكلس على جدران المعابد.. وتكتب إلى أيمن ساعي الذي رثته في أكثر من قصيدة: لو أنك لم ترحل عند الفجر ولم تغادر كضوء خافت يزحف في الممشى.. آلاء صاحبة الصوت الخاص، الصوت الصادق، الرشيق، اللماح، البسيط، المتزن، السلس، والعذب، صوتها الذي لا يمكنك أن تتجاهله برغم الدلالات الواضحة على عمرها الذي أكدته وقت كتابة بعض القصائد، فتقول: " منذ تسعة عشر عامًا وقلبي يتلوى مثل مريض بالصرع.." ثم تعود وتؤكد بأن: " تسعة عشر عامًا ليست شيئًا ضئيلًا.." فتاة التاسعة عشرة تقول تجربتها مع الحياة، تفتح عالمها الداخلي بكل تركيز، ليدخل القارىء منه أوسع الأبواب على آلاء. تصرح الشاعرة- وانا أطلق عليها هذا اللقب منذ مدة طويلة- عن الحياة بتصريح مخيف ومرعب، وقد يكون حقيقياً جداً حيث تقول: " يستحيل تخيل حياة لا يتمكن المرء فيها من قتل نفسه" وتقول كذلك : وليس لدينا حياةٌ يا ابن العم.. حياتنا مثقوبة لا تُبحر أقدامنا غائصة في الرمل.. وأحلامنا، مثل الثياب المستعارة لا تجيء أبداً على مقاسنا.. ربما تكون القصائد سوداوية، لأنه من العنوان يبدو واضحاً أن الإرتجاف سوف يغلب على المشهد،وأنك مهما حاولت أن تثّبت نفسك، فالأعماق تظل دوماً مرتجفة. آلاء تسلط الضوء على تجربتها في العالم الذي يتداعى أو ربما قد يكون تداعى بالفعل، طارحةً أسئلتها الواضحة والجريئة والجارحة بنفس الرتم اللامبالي لشخص لا يكترث لكنه يحاول أن يلملم أشلائه، حيث تقول: كنت أكبر وحدي هكذا كظلٍ، يتمدد على جدار. ومما يتضح كذلك في الديوان، أن آلاء ليست أنا واحدة، بل أنات متعددة، متناقضة، ومتشابكة، تتصارع مع بعضها، وتستميت حتى تتوصل إلى ماهيتها الحقيقية من خلال الشعر، ونستطيع أن نرى الصراع متجليًا في هذا المقطع:" قال: لا أذكر أي شيء كنته، قبل أن أصير ظلًا. وقف أمام المرآة، عاريًا.. عاريًا تمامًا. مثلما ينبغي لظلٍ أن يكون. أخذ يقلد كل الأشياء.. صار كرسيًا وقال: لا أذكر رائحة الخشب القديم.. لم أكنه. صار مشجبًا وأخذت المعاطف تتدلى من رقبته. صار بابًا، وأخذ يغلق كل حين، دون أسباب واضحة.. صار ستائر لا تمنع الليل من التدفق.. صار ليلًا يهبط الدرج ويختفي في العتمة. جرب كل الأشياء وقال: لا.. لم أكنها." ولا يمكن إغفال تكرار احتفائها بالأصدقاء سواءً برثائهم أو التحدث إليهم في الأسوار الخلفية للعالم، حتى لكأنها تقضي الوقت برفقتهم حتى لو لم يعودوا متواجدين في هذا العالم.. فتكتب عن أحدهم:" تحدث مرات عن المطر وعن الخلد الذي يحفر في قلبه وقال بأنه اصطاد طائرًا عندما كان طفلًا وأصيب بالذعر حين لم يحلق مجددًا.. وفي الليل يغادر أولًا يقول بأنه ذاهب ليلعق جراحه.." وهي بهذا تبقيهم أحياء في الشعر. الديوان رحلة ألم قاسية، عذاب لا يمكنك أن تتخلص منه بسهولة، لكن هكذا هي الأعمال المؤثرة، تسرقك من نفسك ثم تلقيك في قلب النار بلا أسلحة سوى البكاء. قرأت الديوان وأنا أرى إمرأة تروض الألم، تصل إلى طريقها بقدمين متعبتين من أثر المشي الطويل .. الطويل جداً . إنه ليس ديواناً بالمعنى الصريح، فآلاء لم تصنف الأمر سوى أنه رحلةٌ طويلة في دروب الحياة التي وصفتها قائلة بأنها:" مثل مغص في معدتي.." ولهذا فهي الصوت المكتوم الذي يصرخ في جدرانه الداخلية فقط، هي الظل، هي المرايا المكسورة، هي القطار الذي يهرب من قدميك أثناء لحظة الصعود، هي المرأة الصغيرة من الخارج، الكبيرة جداً في الداخل، هي الغربة، هي الجسد المسجون في قفص الذكورة، والذي حلمت بالفكاك منه، فقد أطلقت نداءات عديدة عن رغبتها في التحليق بعيداً، فتقول:" دعني لا أموت طيرًا دافئًا لم يجرب الطيران ولم يعرف كيف ترف الأجنحة.. " هي التي تحلم بالكوابيس التي لا ترحل، هي الحكمة وإن لم تتجاوز الأربعين عاماً بعد، هي التي تأخذ العزاء في أصدقائها المغادرين فور أن تقرر قضاء حياة كاملة معهم، هي التي وجدت أن الشعر هو الحل وأن بالإمكان أن يكون الطريق الوحيد لمواجهة فظاعة العالم، كما تقول في ختام إحدى القصائد:" حين يكون كل ما تريده هو أن تموت لكن ليس كما يموت الناس. وأن تحيا لكن، ليس كما يحيا الناس.. حينها فقط، قد يكون الشعر حلاً.." هي الثورة، هي التي تجعلك تقرر أنه لا يمكن الحياة بدون جمال الشعر، هي المخذولة دائماً وإن كانت الأيدي تحاول أن ان تصل إلى كفيها، هي التي لا تغرق بل تطفو في حيرة، هي التي بلا وجهة سوى أكتاف الأصدقاء، هي العائلة سعيدة كانت أم حزينة، هي الأبوة، هي الأمومة، هي التي تعرف حقاً أن الحياة مبتذلة وغير قابلة للعيش، هي التي تلوح مودعة في ختام الرحلة قائلة:" ربما عليّ أن أودعكم الآن كي أصير حفارًا وأدفن جثتي.."
كان الديوان جيدًا لحين كلامها عن الرّب بهذا الأسلوب، الأسلوب الذي يمثلُ أن الرّب إنسانٌ، يكون موجودًا ويلعب معنا ويبكي عند سماعه للشتائم ويلبسُ سلاسلًا ذهبية لا يحبها ويطيل شعره، تعبيرًا عن غضبه.
هذا الكتاب هو أكثر خيبة أمل لي هذا العام في الكتب الشعري
إنها المجموعة الشعرية الأولى لـ آلاء حسانين التي كتبتها قبل أن تبلغ العشرين ونشرت الكثير من نصوصها في مدونتها. الشاعرة شابة، تكتب قصيدة النثر، استخدمت السوشل ميديا للتسويق لنفسها كشاعرة، ونشرت كتابها الورقي وهي في العشرينيات... كلها أشياء حفزتني لقراءة الكتاب والرغبة بالحصول عليها بأي طريقة كانت. وخصوصا العنوان الذي جعلني أتوقع الكثير.. العنوان الذي يحيل على الرجفة، الخوف وربما الشك الذاتي
الرجفة التي تحدث لي عندما أتلعثم هي التي جعلتني أتحمس أكثر للكتاب هههه ربما
القصائد نثرية / سردية بشكل كبير .. هناك الكثير من الانزياح لدرجة يصبح الشعر غامضًا وغير مفهومًا (مثل شعر علي عقيل من العراق) وأنا أشعر أن سبب التقييمات العالية هو غرابة شعرها. ربما لو كتبت بلغة مباشرة وبسيطة لما كانت التقييمات عالية بهذه الدرجة
تكتب آلاء عن الفقد، الحزن، الانتحار، الثورة.. ال��صائد فيها الكثير من النوستالجيا والسوداوية، وبكلمات أخرى هذا ما شعرت به وأنا أقرأ الكتاب ذكرتني بشاعري المفضل رياض صالح الحسين ولكن في الوقت ذاته لم أجد قصيدة مفضلة بشكل كامل.. لها وحدة عضوية وبنية واضحة
لكن هناك قصائد أثارت اهتمامي وسأعيد قراءتها مستقبلًا لأتعمق فيها
كظل يتمدد على جدار أمر محزن أن يكون للمء خمسة أصابع حتى النهر يتمنى أن يجف إنه العالم ينتهي ... ولا يصفق أحد أن تكون شاعرًا حين تكون حزينا منذ الولادة
أجمل الأشياء في الكتاب؟ تستخدم ضمير المذكر + تذكر الله بشكل عادي وكأنه موضوع من المواضيع الأخرى + تنوع المواضيع + لها صوتها، بمعنى أنه لا تشعر أنها تقلد في الكتابة ــــــــــــــــــــ
"لا أريد أن أموت الآن وجهي ما يزال مزهرا."
"لا تقطفني الآن... أيها الموت يا ملاكي الحاني الحياة أبدية." ص25
لماذا علي أن أقرأ كل هذه الكآبة في ديوان واحد؟ بل لنقل تصنع وأستهلاك للكآبة في مساحة شعرية صغيرة ، حتى الكآبة تبدو فاترة هنا وحتى الحزن يشبه صفعة على الوجه، تحس أن هناك ما يشبه عدم الصدق في المحتوى، بل موضوع يتكرر معك منذ البداية وحتى آخر صفحة، لا أنكر أنني مللت منذ الصفحة الخمسين، عجزت عن الأستمتاع وتقليب الصفحات في انتظار شيء جديد لعلمي أن الأمر سيتكرر، الموت الحزن الكآبة الانتحار الأب اللجوء الحرب العزلة، لم تأخذ هذه المواضيع مساحتها بشكل جيد بل سرداً واحداً قابلاً لتشابه مريع وفاضح ..
رغم ذلك لا أنكر أن بعض القصائد أعجبتني وكذلك الصور الشعرية الجميلة المختبأة تحت ثرى بعض القصائد والتي شكلت لي ظهورها بين فترة وأخرى بهجة وأعجاباً حقيقياً بقلم الكاتبة ودقة وصفها، لكن على العموم ليس هذا ما أطمح إليه وليس هذا الديوان ديواني ..
أتمنى آلاء متشوفش الريفيو ده، بس اللي كتبت النصوص الشعرية دي محمَّلة بتجربة قاسية وخيال قد يؤذيها هي شخصيا من كثرة ما فيه من أفكار سوداوية وخلقه لسيناريوهات مظلمة؛ خاصة وهي لسه في العشرينات.
منذ ما يقارب ثلاثة سنوات و أنا أتابع تغريدات آلاء في تويتر و ألاحظ الاختلاف ألذي تعكسه في نصوصها القصيرة، و مدى الصدق الفادح في الشعور.. بعدها نوهت بنشر كتاب قريبًا و بالصدفة عثرت عليه في منشورات المتوسط في معرض بغداد الدولي للكتاب، اقتنيته مباشرة حتى دون الإطلاع على المحتوى لثقتي المفرطة بحرف آلاء بعدها راودني الفضول في معرفة شخصها.. من تكون هذه الأنثى المصابة بهذا الألم اللذيذ؟ و ياللصدمة! عرفت متأخرًا أنها من مواليد ١٩٩٦،مصرية الجنسية حينها شعرت بأمل غريب، لأن هناك اناث حقيقيات و بأن الأدب النسوي لا يزال ينبض و يُحلق و ها أنا يا آلاء اصفق لكِ بحرارة بكامل شعوري، لم تُخيب ثقتي - هذا الكتاب مليئ و ممتلئ أنهُ الشعر بكامل هيئته تتيح لنا التجوال في عوالمها الخاصة، عادة تشعرنا أنها كانت معنا حين سرقت المواقف كُل آمل فينا.. ما أستطيع تقديمه لكِ الآن هو إن أشكركِ لأنكِ فعلتِ
اجدني متجلية شاخصة بذكرياتي الثقيلة، اتصفح المأساة بعدسة جديدة. هنا شعر محض. شاب ورقيق ويشبه عصري وجيلي الحالي، ازدراءنا المفرط من الآباء وسلطويتهم. وفضولنا المزعج اتجاه كل المواضيع التي حرص العالم على دفنها عنا.
احترامي وحبي للشاعرة آلاء حسانين، متأكدة ان لها مستقبل واعد. لايمكن لهذا الحرف ان يمر مرور الكرام على جبين هذا الكوكب.
لا وقت للإيمان أمام أرنب برّي يُقاد نحو مسلخ لا وقت كيّ يُصلي عصفورٌ وسط عاصفة إنّه ليس زمن التّطلع للسّماء والتّحلي بالصّبر إنّه ليس زمن الفلاسفة والمُنجمون
بعد مئة عام سنعرف الطّريق نحو المنزل وحين نقف أمام أبوابنا ونطرقها بوجل فإنّ شخصًا آخر غير أمهاتنا سيفتح لنا
"نفسي حزينة جدًا حتى الموت،ابقوْا هاهنا،واسهروا معي"-يسوع- أتمنى لو كان فيه أكتر من خمس نجوم أقدر أعبر بيهم عن إمتناني البالغ ودهشتي الشّديدة من مرور الدّيوان دة في الوقت دة-تحديدًا-على حياتي.
مش عارفه ايه سر انجذابي للشعر الفترة دي بالرغم إني مكنتش بقرأ شعر إلا نادراً بس عامة شيء جميل وأنا مبسوطة إني بدأت أقرأ فيه فعلا.
بالنسبة للديوان ده فكان تجربة مميزة بحق لغة شاعرية بسيطة وجمل عذبة وقصائد تعبر عني وكأنها تتحدث بلسان حالي وباختصار أحببت قلم آلاء. أكثر قصيدة عبرت عني في هذا الديوان كانت قصيدة "الفراغ له وزن أيضا" قرأتها أكثر من مرة بانتباه شديد وإعجاب أشد.
ديوان شعري مميز جدًا، كله في كفة ومرثيّة أيمن ساعي "تعال، بأية هيئة تعال"، كانت من أفضل قصائد الرثاء التي قرأتها في حياتي. بالإضافة للقصيدة الأولى التي قرأتها مرارًا وتكرارًا طوال شهر ولم استطع أن أتخطاها إلا بالأمس حين أكملت الكتاب.
في مجموعتها الشعرية الأولى "يخرج مرتجفًا من أعماقه" الصادرة أخيرًا عن منشورات المتوسط، تشبه قصيدة آلاء حسانين، التي تظهرُ للقارئ، منذ الصفحة الأولى وحتّى الأخيرة، ضربًا من الهذيان، ونوعًا من الاعترافات المقصودة أيضًا، نفقًا مظلمًا يعبرهُ القارئ سريعًا، لاهثًا، مقطوع الأنفاس، بحيث يصل إلى الجملة الأخيرة منها مُفرغًا من السكينة، ومُشبعًا بالقلق.
فالشاعرة المصرية لا تكتفي في مجموعتها هذه بالكتابة من داخل دائرة عوالمها المضطّربة والمأزومة نفسيًا، وإنّما تُحاول أن تستدرج القارئ إليها أيضًا، ليجد نفسه قد وطأ عالمًا قائمًا على اضطِّراباتٍ نفسية شبه مزمنة، وتوتراتٍ حادّة تبلغ أقصاها لحظة الحيرة في اختيار الطريق الأقل سوءًا، ورغباتٍ متناقضة، وأمزجة متقلِّبة، تجتمع معًا في فضاءٍ ملوّنٍ بشتّى أطياف العذاب والوجع، وتدفع القارئ إلى إعادة النظر بعلاقته مع محطيه كاملًا، بدءًا من الحياة، مرورًا بالأصدقاء والعائلة، وانتهاءً بالموت. ولأنّ لا أفق للنجاةِ من هذا الفضاء إلّا بالسير قدمًا لاختبار ما ينتظر الصوت الشّعري الذي يُخاطب القارئ، سوف يلجأ إلى الموت باعتباره بديلًا وحيدًا للحياة وعذاباتِها.
هذا اللجوء بدورهِ، لا يأتي من باب تفسير احتجاج الشاعرة الشابّة على واقعها المُعاش فقط، أو سبيلًا للخلاص من هذا الواقع أيضًا، بل يقطع مسافاتٍ أبعد من ذلك، لأنّ حسانين ترى في الموت ما يراهُ المنتحرين فقط، أو أولئك الذين سعوا يومًا نحوهُ: عالمًا سخيًا ورحبًا. ومن خلال قصيدتها، تُحاول بلورة رؤيتها هذه للقارئ، فتصير مهمّة الشعر هنا، وبعفوية شديدة، استعراض ما سوف يمنحهُ الموت للإنسان إن اختارهُ، راغبًا أو مجبرًا. وتختزل الشاعرة ما يمنحهُ الموت/ الانتحار بالخروج عن الطبيعة، والتحرر من الواقع، وممارسة ما كان ممارستهُ أمرًا مُستحيلًا في الحياة، بمعنى تفعيل الخيال وتحويله إلى شيء مادّي بقصد التعويض فقط. نقرأ: "سأجيءُ عندَ حُلولِ المساء/ بعدما يتحلَّلُ هذا الجسد/ في القبرِ الرخاميِّ.../ سأصيرُ فضاءً أزرقًا/ وأطفو فوق المنازل/ سأصيرُ رياحًا/ أو صبيًّا يعدو/ بين الأحراش/ بحثًا عن الشمس".
هذه الرغبات لن تتحقَّق إلّا بحدوث الموت الذي ينتبه الصوت الشّعري في المجموعة من خلال إلى وجوده، ويعتقد جازمًا بأنّه سوف يمنحهُ ما فشل دومًا في امتلاكه، أي صوتًا خاصًّا به، يكون قادرًا على طرح الأسئلة، أو أقلّ ما في الأمر، الحديث بطلاقة دون ارتجاف. وهذا ما ستفعله حسانين بقولها: "سأجيءُ لأسألَ الأصدقاء/ عن ليالي الوحدةِ الطويلة/ وعن المعاصم/ التي ربَّت الانتحارات/ والقصائد الحزينة.../ سأجيء/ لأسألَ الأصدقاء/ كيف لم يلمحوا/ خلف ابتساماتنا/ عذاباتٍ كثيرة؟!".
قصائد كهذه، يتَّضح أنّ شغلها الشاغل هو إظهار الموت بصورة فانوسٍ سحريّ يملك القدرة على تحقيق رغبات من يصل إليه؛ ليست في الحقيقة سوى محاولة لتبرير الموت وتجميله، بحيث لا يصير الذهاب نحوهُ إثمًا أو خطًا إطلاقًا. ولا يُعتبر من اختارهُ مريضًا أو معتلًّا نفسيًا. ولكنّ الموت بدورهِ لا يظهر بهذه الصورة فجأة، أي دون عوامل تشتغلُ على تكوينها شيئًا فشيئًا لتصل إلى شكلها النهائي. فهذه الصورة تأتي كنتيجة طبيعية لما يلمسهُ القارئ في قصائد المجموعة، من طفولة مغتصبة ومقموعة لا يبدو أنّها حدثت من الأساس. بالإضافة إلى الإهمال والإغفال اللذان كوّنت الشاعرة من خلالهما نصًّا كـ: "بينما كانَ العالمُ/ يجمعُ صبيتهُ، ويمنحهم آباء/ وبينما كانت الشاحناتُ/ تُحمِّلُ الأطفال في صناديقها/ لتُوزِّعهم على المنازل/.../ كنتُ أكبرُ وحدي/ هكذا، كظلٍّ/ يتمدّدُ على جدار". ونصًّا آخر يقول: "وعندما كنتُ صغيرًا/ كنتُ يراعًا/ ومجدافًا خشبيًا/ وكنت ظلال الحزن/ في بيتنا القديم". ناهيك عن الوحدة التي تختزلها حسانين عندما تقول: "إنّني لستُ شخصًا وحيدًا/ أنا الشخص الوحيد/ في هذا العالم/ والناس كلّهم/ محض أشياء أتخيلها/ وحين أعلّق نفسي/ في مروحة/ سينتهي العالم/ ولذلك، يُقيدونني في سرير/ ويطلبون منّي أن أظلّ حيًّا".
هذه القصائد، بما تحملهُ من معانٍ وإشارات، من شأنها أن تنسف التأويلات السابقة عند القارئ، وتضعهُ إزاء أخرى جديدة تُصبح فيها قصيدة آلاء حسانين موزَّعة في شتّى الاتّجاهات، وممزوجة بين رغباتٍ كثيرة، أشدّها وضوحًا الرغبة بالموت والحياة معًا. بالإضافة إلى تبريره، أي الموت، وتفسيره من جهة. والإشارة، بصورة صريحة أو مواربة، إلى الأشياء التي أفسدت علاقتها مع الحياة ومسائلتها من جهةٍ أخرى. وإلى جوار هذا كلّه، تبدو قصيدة آلاء حسانين في بعض الأحيان معنيةً ببلورة أجزاء الذات المنكسرة، المتشظية، والمشتَّتة بفعل الاضطِّرابات النفسية، والتقلّبات المزاجية، والخسارات المادّية التي تمثّلت داخل المجموعة بخسارة عددٍ من الأصدقاء. لذا، من غير الممكن قراءة قصائد هذه الشاعرة، التي اتّخذت من الوجع والخوف طريقًا للوصول إلى الشّعر، بمعزلٍ عن حياتها الشخصية والبيئة المحيطة بها إطلاقًا. هكذا، سنقرأ: "جسدي/ يصيرُ تابوتًا/ وأنا، طفلٌ صغير/ يشعرُ بالوحدة/ في الداخل/ أغمضُ عينيّ، أفتح عينيّ/ وجوهٌ كثيرة تحوم حول رأسي/ أمي تنتحب في الزاوية/ وبناتٌ صغيرات يرمين ورودًا بيضاء/ على جسدي/ كما لو أن في الأمر/ مزحة ما/ يشبه هذا اليوم/ يوم جنازتي". وفي قصيدة أخرى تقول: "يقول الليل أيضًا عن النجوم: ليست حشراتٍ مضيئة/ بل دمع أولئك الذين انتحروا في صباهم. / فكّرتُ في صباي أن أُصبح نجمة".
تكتب آلاء حسانين في "يخرج مرتجفًا من أعماقه" قصيدة متّصلة بشكلٍ مُطلق بحياتها الشخصية وبيئتها وعوالمها المتعدّدة، واقعيةً كانت أو محض خيال. وبالتالي، هي قصيدة تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى ما يشبه السيرة الذاتية، أي سيرتها المضطّربة التي تدوّنها بعيدًا عن التهويل، وبنباهة لا نفاذ لها أيضًا. وتختزل حسانين هذه العلاقة بين الاضطّرابات النفسية والشّعر حينما تقول: "أن تكون شاعرًا؟ إنّه أمرٌ تتحدثُ عنه/ بالطريقة ذاتها/ التي تستخدمها لوصف اضطرابك/ وفزعك من خطوط يديك/ والخجل الذي يُصاحب صوتك/ حين تُعدِّدُ مرّات انتحارك/ وتشكو لحشد لا تعرفه/ من ذاتك الأخرى/ التي تحاول أن تقتلك".
وليس لدينا حياة يا ابن العم . حياتنا مثقوبة لا تبحر ... أقدامنا غائصة في الرمل ... مثل الثياب المستعارة وأحلامنا، لا تجيء أبدًا على مَقَاسِنا .
جرَّبَ الأشياء كُلَّها، وقال: لا، لم أكُنْها ...
ماذا نفعل الآن بمركب يبحر دون وجهة
أعرفُ تَعَبَ الإنسان وأعرفُ تَعبي حين تتركني المنافي أنزف في أزقتها مثل ديك مذبوح وحين تهرق الحياة دمي كنبيذ على أعتابها وحين يبدو لي الماضي أكثر وضوحًا حيث جدران المنزل الذي ألفته بدت كجدران الملاجئ
لقد كان على الله أن يخلقني كما كان مقررًا لي أن أكون صخرة صماء أو منجم فَحْم أو بقعة داكنة في سماء بعيدة بدلا من أن يفعلها ويختار أن يُعذِّبني ببشريتي وسيفعلها الله مجددًا ويختار أن يُعذِّبني ببشريتي الطويلة .. الطويلة.
أنا لستُ شخصاً وحيداً انا الشخص الوحيد ؛ و الناسُ ، محض أشياء اتخيلها...
ديوان الشعر الوحيد الذي استطعتُ إكماله ، رغم حبي للشعر و ميلي اليه إلا أنني لم استطعْ قط قراءة كتاب كامل لشاعرٍ ما .. لكن " يخرج مرتجفاً من أعماقه " لامس اعماقي فعلاً .. بكلمات بسيطة و افكار سوداوية رائعة ، اخذتني آلاء حسانين الى القاع حيث اجد هناك المدن المخربة و الفنانين المنتحرين بالاضافة إلى الموتى مهمن كانوا! .. سأود اعادة قراءة هذا الديوان بشكل أكيد .. و إن كانت الشاعرة سوف تقرأ هذا ؛ أود أن اقول .. انا الشخص الوحيد ايضاً ، و شعركِ حبلُ نجاة حتى و ان كان بشكل خيالي بالنسبة لكِ ..
عادةً لا أقيّم دواوين الشعر تقييما عالياً، لكن هذا الديوان كان مفاجئاً حقاً! نصوص رائعة وصور شعرية جميلة وتتطلب نوعاً خاصاً من الألم لإستيعاب الحزن الذي تحويه. لم أجد عيباً فعلياً فيه غير التكرار في بعض الأحيان، وبعض المشاعر المكتوبة تبدو مقتبسة أو مفتعلة وليست حقيقية. لكنها بلا شك من أفضل ما قرأت من الشعر الحديث.
يقول احد الشعراء، كيف للبحر الكبير جدًا أن تحويه نافذة صغيرة جدًا؟ كيف يمكن لِِذاكرة الآء أن تحمل كل هذه القصائد الآليمة؟ اتفقت بالامس مع احدى الشخصيات في "هيا نشتر شاعرًا" في كون الشعر مُضرًا، ليس الشعر وحده من يَضر، هذا الشعر بالتحديد يضرنا كثيرًا، كثيرًا صدقوني.
النصوص متفاوتة، وقد كتبت بين عامي 2014 و2017. بعضها شديدة التميّز، بعضها رشيقة التعابير، بعضها مضيئة كالقمر، بعضها حامية وملتهبة كالجمر، بعضها باردة كالجثث، بعضها مكررة ومملة ومُضجرة. أحببت تجربة القراءة لآلاء، وأتطلع لقراءة المزيد من كتاباتها.