What do you think?
Rate this book


346 pages, Kindle Edition
First published January 1, 1991
01
كنت قمينا بأن أهتز من مناظرهم و أرتج رهبا. لولا شوادفي. كان يشيع كل عمدة أو باشا أو بيك أو شهبندر تجار باللقب الذي يستحقه عند الوداع. مع السلامه ياد يا ملعب. نهارك فل يا زقلط. ربنا معاك يا زعبله. قلبي معاك يا ابن القحبة. .. إلخ .. إلخ. مما أدخل في روعي أن حجرات الوكالة هذه ليست إلا كواليس مسرح و ها هم الممثلون يخرجون إلى خشبة المسرح مرتدين ثياب أدوارهم. فداخلني شعور بأنني يجب أن أقوم أنا الأخر لأرتدي ملابس دور ينبغي أن أخرج لأؤديه. لحظتئذ جوبهت بحقيقة تقبض لها قلبي بشكل قارص حاد. حتى كدت أطلق آهة عميقة ضجرة. تلك هي أنني ليس لي دور على خشبة أي مسرح و لا حتى دور كومبارس.
02
لقد صرت متأكدا الأن من أن سندس لفت على هؤلاء المساكين الأغرار حتى حفظت شكل ذهبهم و اشترت نظائر له من الذهب الفالصو بواسطة رمضان عريجة الذي رأيته بعيني يتسلم منها الذهب الأصلي. و لكن هل أستطيع التصريح بذلك أو الاعتراف به؟ هل يرحمني أحد؟ هل يحترمني البوليس أو حتى يترفق بي؟ لا أظن ذلك مطلقا. إن الإنسان لا يمكن أن يكون شريفا داخل محيط من الفساد و الفسق. الشرف لا يمكن أن يكون فرديا بأي حال من الأحوال حتى لو أراده شخص مثلي يحلو له أن يكون كاتبا يتحدث عن الأخلاق و المثل العليا. و حتى لو تحلى به الإنسان و اعتنقه. فالشرف كما يبدو لي الأن لا يتحقق بالاختيار فقط و لا بالممارسة فحسب و إلا فأنا شريك بالصمت في هذه الجريمة.
03
فانبرى شوادفي: إذن أسمعونا الفاتحة.
أوشكت ضحكتي على الانفجار لكنني اعتقلتها بشدة. حينما رأيت الجميع -لدهشتي- قد رفعوا أكفهم نحو السماء و اندمجوا في قراءة الفاتحة بورع متقن كأنهم في المسجد اثر انتهاء الصلاة. مسح الجميع بأكفهم على وجوههم ثم إن شوادفي وجه الكلام لي قائلا: الفاتحة تقصم ظهر الخائن. فأومأنا جميعا بالموافقة على قوله. و شربنا نخب الفاتحة! كل واحد رشفة من كأس واحد.
"كل من يسكنها لأكثر من شهر توقعه في هواها فلا يسلوها حتى لو اسكنوه في قصر المنتزه !! فيها ناس يسكنون منذ أربعين سنة ! لا يخرج الساكن منها إلا مطروداً أو ميتاً !! تسألني ماذا يجعلها هكذا ؟ أقول لك لا أعرف ! يمكن أن يكون لأنها مثل صندوق الدنيا! ويمكن أن يكون لأنها مثل السيما ! ولكن عقلي يقول لي أن الحياة فيها لها طعم مختلف ! إن الواحد فيها يستطيع أن يفعل كل مشتهاه ! كل ما اا يستطيع فعله في سكن غيرها ! فلا احد فيها ينتقدك أو يتدخل في شئونك أو له أي دعوي بك ! إن عرف أنك عدم المؤاخذة لصاً أو قتال قتلى أو قاطع طريق أو حتى معرساً فإنه لا يحتقرك ولا يخاف منك ولا يضايقك "


"الوكالة يا سيدنا الأفندي دولة لوحدها!! ملكها ورئيسها هو شوادفي! هو جمال عبد الناصر بتاعها! انتزعها من صاحبها عطية ومن وزارة الأوقاف كما انتزع عبد الناصر حكم البلاد من الملك فاروق."
"إن الانسان لا يمكن أن يكون شريفًا داخل محيط من الفساد والفسق، الشرف لا يمكن أن يكون فردياً بأي حال من الأحوال، حتى لو تحلّى به الإنسان واعتنقه، فالشرف كما يبدو لي الآن؛ لا يتحقق بالاختيار فقط ولا بالممارسة فحسب وإلّا فأنا شريك بالصمت في هذه الجريمة."
ما كنت أحسب أن الحال يمكن أن يتحدر بي إلى حد قبول السكنى في وكالة عطية
إيوه يا سيدنا لفندي! هذه الوكالة أكلت عمري! كرهتها ألف مرة! لكنني لم أسلها أبدًا! ياما جاءتني الفرص للسكنى في بيوت محترمة بإيجار رخيص وأصحابها يصبرون عليك في مسألة الدفع شهرًا وشهرين وثلاثة! لكن هذه المخروبة بنت المخروب تسلبني عقلي! معمول لي فيها عمل! وكل من يسكنها لأكثر من شهر توقعه في هواها فلا يسلوها حتى لو أسكنوه في قصر المنتزه! فيها ناس يسكنون منذ أربعين سنة! لا يخرج الساكن منها إلا مطرودًا أو ميتًا!! تسألني ماذا فيها يجعلها هكذا؟ أقول لك لا أعرف! يمكن أن يكون لأنها مثل صندوق الدنيا! ويمكن أن يكون لأنها مثل السيلما! ولكن عقلي يقول لي: إن الحياة فيها لها طعم مختلف! إن الواحد فيها يستطيع أن يفعل كل مشتهاه! كل ما لا يستطيع فعله في سكن غيرها! فلا أحد فيها ينتقدك أو يتدخل في شئونك أو له أي دعوى بك! إن عرف أنك عدم المؤاخذة لص أو قتال قتلي أو قاطع طريق أو حتى معرَّس فإنه لا يحتقرك ولا يخاف منك ولا يضايقك
- «أنت طبعا كنت تتمنى أن تتواصل الدراسة فتصبح شاعرا أو أديبًا مرموقا؟!».
فبثقة شديدة، وبكل بساطة:
- «في الأول كنت كما تقول! لكنني ما من شريد بائس قابلته في الحياة إلا ويتضح لي أنه من هواة الأدب والشعر والزجل، وأنه بسبب هذه الهواية المهببة ركبه البؤس فلا حصَّل ولا وصَّل! وفي يوم رأيت بيرم التونسي جالسا على مقهي يأكل كسرة فول ويتخانق مع الجرسون على قرش تعريفة! كان منظره يصعب على الكافر، ولحظتها كان صوت أم كلثوم في راديو المقهى يصدح بأغنية الأمل صارخا بألم: ما التقتش إليك وسيلة! ولم يكن الجرسون يعرف بالطبع أن هذا البائس الذي يصر على استرداد قرش تعريفة، هو نفسه مؤلف هذه الأغنية الفياضة بالكرم والنور والخير! ولو عرف لما صدق أن هذا الرجل محتاج لهذا القرش فعلا! لحظتها طلقت هذه الهواية بالثلاثة! وأنا الآن كما ترى فل! أعيش كما أهوى! حر نفسي! أضع رجلي في عين التخين! آكل أحسن أكل، ألبس أفخر لبس أفعل ما يحلو لي! فاسمع نصيحتي ونفَّض دماغك من هذه الأمنيات الطموح المكلفة إن كنت تريد أن تعيش لك يومين في أمان ولذة واطمئنان!».