’’أنا ميت أحببتموه يوماً وقد أخلص في حبكم! لم تركتموني والتراب وحدنا؟ في عالم الأحياء كنت أسمع أنه من فات مات، لكن الحقيقة أنه من مات فات.!’’
كتابي الأخير، لهذا العام الممتلئ بالشجن والفراق والحزن والأمل والدعاء والرجاء، ورغم اختياري لهذا الكتاب على سبيل الفضول لقراءة اعمال الكاتب الشاب محمد عبد الغني، إلا أنه كان الأختيار الأنسب لنهاية العام.
ما بين الأمل واليأس، وبين اللقاء والأمل، في ثنيات الأبيض والأسود، وبين طيات الشجن والسرور، والتية والهدوء.. كُتب هذا الكتاب، يشمل الكتاب بين صفحاتة مجموعة من الخواطر، تشبه بنسبة كبيرة بالنسبة لي كاتبنا الكبير فهد العودة، وأيضاً في الحكم الدينية ككاتبنا أدهم شرقاوي، وبالفعل هي خواطر مميزة جداً، ومقسم الكتاب لثلاثة أجزاء وأنا بشكل خاص من محبي الخواطر، ويشدني هذا النوع من الكتابات بشدة لذلك أستمعت كثيراً بتلك القراءة.
’’لا يدرك المرء حكمة الله في الابتلاء ليكون الصبر أشد ألمًا ولكن عواقبه تحمد عِندما يعلم المرء أن هذا الابتلاء ما هو إلا سلم إلى النجاة.’’
في الجزء الأول، قد يصيبك الحزن، والشجن، لن يصيبك اليأس على كل حال فالكتاب كله يمثل إنـ عاش لقلبك، لكن سيلمس روحك كثيراً، وقد يلمس الكاتب نقاط خفية في سديم الذاكرة لديك، ويخرجها إلى السطح مرة أخرى، ولا تعرف حينها لماذا نستعيد كل هذه الذكريات الأن؟ لماذا نتذكر كل هذا الأن؟ لماذا لم تتركني يا صديقي أتناسى، وأحرق تلك الذكريات في لهيب الذاكرة؟ وثمة أمور أخرى قد تعيد التوازن لروحك، خواطر مرسلة من قلب كاتب رقيق إلى قارئ مفكر ومنصت القلب. ولاسيما الخاطر " حين من الدهر " المكتوب في نهاية الجزء الأول، هو واحد من أفضل ما قرأت على الإطلاق.
’’يا صديقي.. روحك التي بين جنبيك لها عليك حق في صونها من المتاعب في حمايتها آفات الظلام، ظلام الأيام وظلام الأشخاص. يا صديقي.. روحك ثم روحك لا تضيعها’’
فاللهم أحفظ أرواحنا، ولا تجعلها شتاتاً متفرقاً في كل وادي، ونهيم دونها في الأرض ضالين وتائهين إلى يوم يبعثون.
أما الجزء الثاني والثالث والكتاب، فأنت في حضرة الأنبياء، في حضرة أولي العزم والقوة والصبر، في حضرة من اختارهم الله سبحانه وتعالى ليكونوا شهداء على الناس أجمعين بشكل مبسط ومختصر نوعاً ما، وبشكل خواطر عاطفية - غير دينية - ستشارك ابراهيم عليه السلام ناره، وسلامه وبرده فيها، قد تدعو ربي لا تذرني فرداً مع زكريا عليه السلام ليرزق الله روحك بيحيى أخر، ستشارك يونس في الظلمات وتسبح أنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين
(( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ))
وتذهب مع موسى لفرعون، وتشارك الخضر وموسى رحلتهما، قد تتعلم الحكمة من أحكم أهل الارض، وتأخذ الأمل، من أهل الصبر، وتسمو روحك مع سيد الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والرحلة الأجمل في سجن الأمل والصبر، ليوسف عليه السلام وقلب يعقوب النقي عليه السلام وعيناه البيضاء من الحزن.
لكن للأسف، في هذا الجزء بالذات، برغم أهمية القصص، فقد أصابني الملل أحياناً، وذلك نتيجة تكرار الكلام، والحكمة والأمل بشكل زائد عن المطلوب، كنت أتمنى لو تمهل الكاتب أكثر في كتابته، وقرر أن يخرج لنا قصص جديدة وعبر جديدة غير ما ذكرها في أول صفحات هذا الجزء، فمنذ نصف هذا الجزء تقريبا، وأنت تقرأ نفس الكلام بشكل عام بغض النظر عن اختلاف النبي المذكور حينها، ولكن بلا شك ستحمد الله كثيراً على نعمته عليك وتعتبر مما ذكر الله عنهم
’’نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ ’’ صدق الله العظيم - يوسف (2)
في النهاية أنا سعيد بهذة التجربة، وأتمنى للكاتب محمد عبد الغني المزيد من التوفيق والنجاحات، فهو يملك قلم وافي ورقيق وذكي، وموهبة رائعة في السرد.
’’ ]إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ[ }يوسف : 86 { أشكو إلى الله ذلك الحزن الذي أصابني وما عدتُ قادرًا على تحمله، لكن الله قادر على إخراجي منه، ومن تلك الدروب المظلمة، إلى نورِ يملؤني ويهديني. ’’
من إنسان كان يومًا بمفرده إلى إسلام ملأ العالم وانتشر بين جموع البشر باختلاف ألسنتهم وألوانهم، سعى جاهدًا وواجه الصعاب من حصار وجوع وإيذاءٍ بدني ونفسي ولم ييأس يومًا ولم يقل إنه مستاءٌ ممّا يحدث له. صلى الله عليه وسلم."
كتابٌ بطعم الفواكه .. خفيفٌ جدًا .. غنيٌ وسلس! كتابٌ رائع بالنسبة لأولئك الذين يحاولون الدخول إلى عالم القراءة الثرية .. وإلى أولئك الذين هم عالقون في مرحلة (الفتور) مثلي! رغم أنه قد يبدو موجهًا للأشخاص الشعوريين؛ كما بدا على أسلوبه الهادئ جدًا، والحزين .. ! إلا أنه يملك القدرة على التأثير فيك، ولو لم تكن شعوريًا.
من النادر بالنسبة إلي .. أن أجد من يدرك ماهية "النفس" ، ويضعها في موضعها المناسب، يقدرها، ويؤمن بأهمية التعامل معها وكأنها شخصٌ آخر في جسدك الذي تَرى، لكنها شخصٌ لا يُرى! لذلك، كانت هذه نقطة تُحتسب لصالح الكتاب، بكل تحيز!
هذا الكتاب بسيطٌ جدًا، لكنها بساطةٌ زائدة قليلًا .. خاصةً بالنسبة إلى كارهي كتب النصوص؛ فهو قد يبدو متنكرًا في زي كتاب نصوص! رغم محتواه الرائع، لكنني أعتقد أنه كان بحاجة إلى بعض التفاصيل، والإسهاب النافع، ليبدو أفضل. وقد كان جيدًا بالفعل.