"ملحمة العدم" والساعات الأخيرة فى عمر الأرض .
رحلتى اليوم حاولت فيها قدر الإمكان أن التزم جانب الحياد حتى لا يقال بأننى أبالغ حيث إن صاحب القلم الذى صاغ تلك الملحمة تربطنى به صداقة قوية قد يحيل البعض كلماتى إلى كونها مجاملة لصديق لذا فكلماتى التالية أقل بكثير مما أراه فى الملحمة وإننى بالفعل أراها عمل أدبى رائع سواء كتبها أخى وصديقى دكتور محمد الفقى Mohamed Elfeki أم كتبها شخص أخر فحكمى هنا فى العمل وحسب .
البداية مع الإسم المُختار بعناية " ملحمة العدم " الملحمة الأخيرة ، الحرب الكبري ، الحرب العالمية الثالثة ، هيرمجدون ، أحداث نهاية العالم كل تلك المسميات ستتداعى إلى ذهنك فور أن تسمع اسم ملحمة العدم ، عنوان قوى وعتبة رائعة للولوج إلى النص .
بداية النهاية حيث الأحداث الكبرى والعلامات تلك الفترة التى دائماً ما نقرأ عنها فى " كتب الدين" فى مختلف الديانات نجد الإشارات لتلك الأحداث، وشتان ما بين قراءة نص دينى ونص أدبى يستند إلى تلك الأحداث والوقائع والشخصيات المستقبلية ، تحد جيد لإختبار قوة القلم الذى سيرصد تلك الأحداث فى سياق أدبى ، الكاتب الذى قرر خوض تلك الرحلة سيجد أنه مابين ثلاثة أحوال ، فإما أن يتحول إلى رجل دين وباحث أكاديمي يدون ما وجده فى بطون الكتب والمراجع وإما أن يتحول إلى أديب صارم يضرب بكل ما ورد فى الأديان السماوية عرض الحائط ولا يهتم سوى للنص الذى يعالجه وساعتها ربما أقيم عليه الحد أو قتل والحال الثالثة هى ما أراه هنا فى الملحمة ، أديب يعالج النص بروح باحث ورجل دين ، أديب يداعب الكلمات ويسرد الأحداث بصورة أدبية غاية فى الروعة ، يصنع حبكة قوية تتماشى مع سير الأحداث والمعطيات التى لديه والتى استقرأها من بطون الكتب، يرسم شخصيات حية ليبث الروح فى النص الجامد حتى تبدأ ألة الزمن فى الدوران لتجد بأنك انتقلت إلى هناك ،إلى المستقبل حيث سترى تشهد على ما سيحدث .
صدقاً عايشت تلك الأحداث أثناء قراءة بعض المراجع والكتب التى تتناول مسألة العلامات الكبري والملحمة الأخيرة لكننى وللحق أقول للمرة الأولى أرى بعينى ما سيحدث ، للمرة الأولى أشعر أننى فى حضرة الأحداث والشخصيات المنتظرة فى الساعات الأخيرة من عمر الأرض ،للمرة الأولى أرى بعينى أرض المعركة ، الوحدة الغائبة التى نتمنى أن تتم ، الغلبة للحق والنصر للمستضعفين ، للمرة الأولى أرى وأسمع وتدمع عينى لرغبتى الشديدة فى أن تتحقق تلك الملحمة على أرض الواقع.
بلغة قوية تمت صياغة الملحمة شخوص الرواية تم تجسيدهم ببراعة ، أحببت عبدالله أو لنقل " محمد " أحببت فاطمة و محمود واليزن والبغدادي وغيرهم ، للمرة الأولى أحب بعض القادة المستقبليين هذا يحسب للكاتب صراحة ، اعجبنى هذا التلاعب والتداخل الذى صنعه لمراوغة القارئ دون كسر لسياق الأحداث وبالفعل هذا أمر ليس باليسير ، اعجبنى ميله لتجسيد الصراعات النفسية التى تستعر داخل كل شخصية منفردة كما اعجبتنى تلك الصراعات التى صنعها لزيادة درجة التشويق داخل صفحات الملحمة .
ملحمة العدم ليست مجرد صفحات كتبت ساعة فراغ أو راحة ، كم البحث والعناء والجهد المبذول فى جمع المادة التى استند إليها الكاتب يوحى بأنه لم يكن بالهين واليسير أضف إلى ذلك الجانب الإبداعي والأدبى حال صياغة تلك الملحمة وعلى قدر ما رآيت تأكدت بأن المجموعة الروائية الأولى لمحمد الفقى لم تكن سوى إرهاص ومقدمة لتلك الرائعة التى بين يدى التى استمتعت برحلتى معاها غاية الإستمتاع .
رحلتى مع قلم دكتور محمد الفقى لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة فأنا على يقين من أن القادم أروع وأفضل لكن ستبقى ملحمة العدم لها مكانة خاصة عندى لما وجدته بها ولم اتحدث عنه فمن أراد معرفة حقيقة الملحمة لابد له من الولوج إلى عالمها ومعاينة أحداث " ملحمة العدم" .