يهدف الباحث المصري أحمد العَدوي في كتابه هذا إلى إلقاء الضوء على آثار الطاعون في الدولة الأموية، بدراسة أثره في الأوضاع الديموغرافية في ذلك العصر، وانعكاساتها على النظم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في بلدان الدولة وأقاليمها، في الشام والعراق ومصر وشمال أفريقيا، أي حواضر الخلافة التي شهدت، دون غيرها، موجات كارثية عظمى من الطاعون، أبرزها طاعون ابن الزبير الجارف، وطاعون مُسلم بن قتيبة الذي ختم عهد الأمويين.
من الوسطى إلى الأموي
يتألف هذا الكتاب من ثلاثة فصول وخاتمة. في الفصل الأول، الطاعون وعالم العصور الوسطى، يناقش العَدوي مكانة الطاعون في عالم العصور الوسطى، وتأثيره في أوجه الحياة في العصر الوسيط، وكذلك يشتمل على نُبذة عن هذا الوباء القاتل، وأسباب فتكه بالناس على ذلك النحو المأساوي الذي تحدثت عنه المصادر القديمة. وفي المحور الثاني من الفصل نفسه، حديث عن الطاعون الذي احتل مكانة مرموقة في التراث العربي الإسلامي بصفة عامة؛ إذ استدعى بوصفه كارثة إنسانية كبرى، الكثير من التساؤلات الدينية والفلسفية العميقة التي تعدت النطاق الضيق للطب والمرض والوقاية، من قبيل هل كان الوباء الذي يصيب الناس بلا تمييز، عقابًا جماعيًا من الله للبشر على خطاياهم؟ وهل ثمة عدوى؟ فإذا كان هناك عدوى، فهل يُعدي المرض بذاته، أم لعلة خلقها الله فيه؟ وشكَّل الطاعون مبحثًا علميًّا تقاطعت فيه حقول الحديث والفقه والفلسفة والتاريخ، فضلًا عن الطب، وهو مجال الاختصاص الأصيل. وبحسبه، احتوت مسألة العدوى بذاتها على تعقيدات شرعية كبيرة، إذ سوّى الفقهاء والمحدثون بينها وبين عادات وثنية أخرى كان العرب يدينون بها في الجاهلية.
في الفصل الثاني، فورات الطواعين في العصر الأموي، يحصي المؤلف الطواعين الواقعة في عصر بني أمية، ويضبط تعاقبها زمنيًا، تمهيدًا لدراسة آثارها. كما يعرض لأخبار الطواعين في صدر الإسلام عند الرواة والأخباريين والمؤرخين، ويناقش الإشكالات التي تُحيط بها، وأبرزها اضطراب الرواة والأخباريين في إحصاء الطواعين في العصر الأموي، والخلط بينها أحيانًا، وكذلك الاضطراب في التأريخ لها على نحو دقيق. كما أنه يتضمن تقويمًا إحصائيًا لفورات الطواعين في عصر بني أميَّة منذ عهد معاوية بن أبي سفيان إلى عهد مروان بن محمد. يكتب: "شهدت تلك الحقبة من تاريخ العالم الإسلامي نحو 20 طاعونًا، بمعدل طاعون واحد لكل 4 أعوام ونصف تقريبًا، وهو معدل هائل، وتكفي المقارنة بين هذا المعدل ومعدل تجدد الوباء في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأوروبا في العصور الوسطى المتأخرة للتدليل على عمق الأثر الذي خلفه الطاعون في العصر الأموي".
آثار ديموغرافية وسياسية
في الفصل الثالث، الآثار الديموغرافية للطواعين وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي، يناقش العَدوي الكوارث الديموغرافية العنيفة التي تسبب بها الطاعون؛ "فعلى الرغم من أننا نفتقر كليًا إلى الوثائق المتعلقة بهذا العصر، فإن تحليل بعض الأخبار الموثوقة التي وردت في بعض المصادر الأدبية أعانني على رسم صورة تقريبية لمعدلات الناجين نسبة إلى الضحايا في طواعين العصر الأموي؛ فبناء على المعطيات المتوافرة من خلال المصادر الأدبية، أقَدّر نسبة الناجين إلى الضحايا بـ 1: 14 ضحيةً في المتوسط، وهي نسبة كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. كما يناقش الفصل هذا أثر الوباء على صعيد الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في العصر الأموي". وأهم ما تمخض على توالي فورات الطاعون في العصر الأموي، كان عزوف خلفاء بني أميَّة عن الإقامة في دمشق، فكان الخلفاء قبل هشام بن عبد الملك ينتبذون إلى البرية والصحراء، أو يقيمون في الأماكن المنعزلة كالأديار اتقاءً للوباء. يكتب العدوي: " ساهم الطاعون في تغيرات ديموغرافية مهمة، كان لها استحقاقاتها السياسية لاحقًا؛ إذ قامت الدولة بتهجير عدد كبير من الزنج إلى السَّواد بغرض ملء الفراغ الديموغرافي الذي كان الطاعون يتسبب به في تلك البقاع".
في خاتمة الكتاب، يرى العَدوي أن من غير الممكن فهم تراجع ثقل دمشق، عاصمة الخلافة في العصر الأموي، وتفسير سلوك خلفاء بني أميَّة الرامي إلى هجرها والنأي عنها إلا في ضوء الطاعون، "إضافةً إلى أن الطاعون حسم معارك كبرى جرت في العصر الأموي، منها الاجتياح المظفر للإمبراطور جستنيان الثاني لأرمينيا في عقب طاعون ابن الزبير الجارف. كما حسم الطاعون معركة مصعب بن الزبير مع عبد الملك بن مروان في البصرة التي مثّلت بداية النهاية لخلافة عبد الله بن الزبير". يضيف أن الطاعون حسم أمر سقوط الأموييين، "إذ أحسن الثوار العباسيون اختيار الوقت الملائم لإعلان ثورتهم بين طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 127 هـ/ 743 م و131 هـ/ 748 م، هما طاعون غراب وطاعون مسلم بن قتيبة. وقام هذان الطاعونان بدور كبير في نجاح العباسيين في إزالة دولة بني أمية، فكان طاعون مُسلم بن قتيبة في عام 131 هـ/ 748 م بمنزلة فصل الختام بالنسبة إلى الخلافة الاموية؛ إذ أسفر عن خسائر مادية وبشرية هائلة، أصابت قلب الدولة في عهد مروان بن محمد بصورة خاصة".
موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: http://www.dohainstitute.org
"كان الطاعون هو النمل الأبيض، وكان العرب هم عصَا سُليمان التي اتكأت عليها الدولة الأموية"
حين تتبع الدارسون أسباب اضمحلال الدولة الأموية، واسقاط الثوار العباسيين لها، وتأسيسهم دولتهم على انقاضها، أرجعوا ذلك لأسباب منها: ▪︎الممارسات التمييزية في النظم الإجتماعية والاقتصادية والسياسية التي اعتمدتها الدولة الأموية. ▪︎العرب والموالي والعصبية والصراعات القبلية. ▪︎الحروب التي خاضتها الدولة ضد مناوئيها. ▪︎اشتداد شوكة الخوارج وثورات آل البيت، الفتن .. وغيرها
وهذه الدراسة تطمح إلى الوقوف على دور عامل خفي كثيراً ما مَثَّلَ ظلاً باهتاً في الخلفية، فقد واكب قيام الدولة الأموية وانهيارها، ومن ثم قَلَّ من انتبه إليه أحد ألا وهو: "الطاعون".
وقد ضاعف من آثار الطاعون، أن عرب شبه الجزيرة لم يعرفوا الطاعون قبل الإسلام، ولا سيما في بيئتهم الصحراوية الجافة، ذات المناخ المتطرف الذي لم يوفر بيئة ملائمة لتكاثر القوارض-العائل الرئيسي للحشرات الطفيلية- وعندما دخلوا مناطق السهول الفيضية خاصة في العراق والشام ومصر فاتحين واستوطنوا بها، دفعوا الثمن غالياً، اذ سرعان ما أعمل الطاعون منَّجله فيهم، حتى أفنى منهم عشائر وقبائل عن آخرها، واستغرق الأمر نحو أربعة أجيال حتى توارثت أجسادهم الجينات المقاومة للبكتيريا المسببة للمرض، فتساووا مع أهالي تلك البقاع والمستوطنين بها منذ القدم في مستوى المناعة، فقلت على نحو ملحوظ تلك المعدلات المذهلة لفتك المرض بالناس مع بدايات العصر العباسي.
وكان الخلفاء العباسيون أنفسهم أول من لاحظ ذلك فعملوا على استغلاله في الدعاية السياسية لهم، مدعين أن من بركة ولاية آل العباس على الناس ارتفاع الطاعون عنهم!
》وتنقسم هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول:
♡ الفصل الأول: الطاعون وعالم العصور الوسطى يتحدث فيه عن الطاعون ومسبباته،وأنواعه، وأعراضه، وكان مما ذكره: يسبب الطاعون نوع من البكتيريا القاتلة تسمى (يرسينيا بيستس) والتى تعيش فى معدة الحشرات الطفيلية كالبق والنمل والبراغيث، ومن ثم تنتقل إلى القوارض كالفئران والسناجب والقطط والكلاب، وإلى البشر، وهى قادره على الانتقال من إنسان إلى آخر عن طريق الاحتكاك اليومي، ومس الأماكن المصابة والمصافحة، والسعال، وتتراوح فترة الحضانة من التقاط العدوى إلى ظهور الأعراض المرضية بين يومين إلى ستة أيام.
♡ الفصل الثاني: فورات الطواعين في العصر الأموي. حيث قام باحصاء الطواعين الواقعة في صدر الإسلام وعصر بنى أمية ببعض التفصيل، وكان مما سُجِّلَ في المصادر العربية على اختلاف مشاربها نحو ٦٠ مرة ضرب فيها الطاعون مصر والشام والعراق في العصر الأموي وقد قدر الباحثون بناء على المعطيات المتوفرة أن نسبة الناجين إلى الضحايا في الطواعين الجارفه كانت ١: ١٤
♡الفصل الثالث: الآثار الديموغرافية للطواعين وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي. وهنا يناقش الآثار التي تسبب بها الطاعون سواء على الصعيد الاجتماعي أوالاقتصادي أوالسياسي، والتى منها: ▪︎الهجرات العشوائية الدائمة لقطاع عريض من الناس والذى ساهم في خلق مشكلات كثيرة ذات بعدين اجتماعي واقتصادي لمواطن تلك الهجرات، مما أدى إلى انتهاج الدولة لسياسة التهجير القسري لإعادة التوازن الديموغرافي إلى البقاع الأكثر تضرراً بسبب الطاعون. ▪︎ المجاعات ▪︎ شللاً شبه تام للنشاط الاقتصادي والنشاط الزراعي ▪︎تراجع عدد العرب من أبناء القبائل في العراق والشام مما أدى إلى تجنيد الصبيان والبالغين والقادرين على حمل السلاح لمواجهة النقص العددي في الجنود. ▪︎طمع البيزنطيون وقيامهم بحملات واسعة على الدولة الأموية مستغلة تفشى الطاعون وقلة الجنود. ▪︎العديد من التغيرات الإجتماعية التي ترتبت عن بقاء أعداد كبيرة من اليتامى والأرامل. ▪︎ ظهرت عدة مشكلات شرعية تطلبت حلولاً عملية عاجلة وناجعة لها ▪︎جمع الفلاحين من الحقول وإلحاقهم بالخدمة في الجيش قسراً مما أدى إلى بوار الأراضي. ▪︎عجز الدولة الأموية عن مقاومة الثورة العباسية الوليدة نتيجة قلة الجنود.
"في الواقع لم يكن بنو أمية نياماً لكن أيديهم كانت مغلولة، كما كانت خياراتهم محدودة جداً، فحسم الطاعون معركتهم الأخيرة مع أبناء عمومتهم من بني العباس ربما حتى قبل أن تقع"
زاوية مختلفة للنظر في التاريخ ، وأثر الأوبئة في تغيير الديموغرافيا وما يتبع ذلك من آثار سياسية واقتصادية ومجتمعية، سواء الحاجة لإعادة توطين سكان في المناطق التي أقفرت من أهلها بسبب الوباء، أو إجبار الفلاحين على البقاء في الريف ووسمهم ومنعهم من المغادرة، أو في بعض الأحوال أخذ الجزية ممن أسلم بسبب النقص الشديد في الموارد بسبب الموت! ربما كان أشهر طاعون نعرفه في تاريخنا هو طاعون عمواس الذي قضى فيه عددٌ من كبار الصحابة منهم سيدنا أبي عبيدة بن الجراح، لكني دهشت وأنا أقرأ هذا الكتاب من هذا الكم من الطواعين الذي ضرب الدولة الأموية في عمرها القصير بمعدل طاعون كل 4 سنوات ونصف تقريباً! وأن بعض هذه الطواعين كان طواعين (جارفة) تكاد تترك الحواضر الكبرى خالية من سكانها. كان للطواعين أثره في تجرؤ البيزنطيين على غزو أرمينيا وأنطاكيا عدة مرات في العهد الأموي، بل وأخذ جزية في فترة من عهد عبد الملك بن مروان! ويرى الكاتب د.أحمد العدوي أن ثورة العباسيين خرجت في فترة زمية بين طاعونين كبيرين أنهكا جسد الدولة ومواردها البشرية، فلم يبق للأمويين من الجند ما يكفي لصد الخطر المداهم لهم، ولم يكن لمروان بن محمد القدرة على إمداد واليه على خراسان نصر بن سيار بالعدد الكافي من الجند. قد أتحفظ بعض الشيء على النسبة المقدرة للوفيات في بعض الطواعين والمستنتجة من فقرات من بعض كتب الأدب والتراجم والتاريخ، لكن في المجمل الكتاب هام ويستحق القراءة والالتفات للتاريخ الصحي للدول وأثر العوامل الجانبية على استقرار الأنظمة، بالإضافة لكيفية الوصول لاستنتاجات من واقع الغوص في المصادر التاريخية والأدبية، بل وكتب الحديث والفقه، للوصول لأقرب صورة ممكنة لما كان.
عمل شاق بالنسبة للباحث، حيث ان الموضوع كان موضوعًا هامشيًا بالنسبة لمعظم المؤرخين، فقدم لنا الباحث أحمد العدوي صورة شبه كاملة من جميع النواحي عن الطاعون وأنواعه، وكيف تأثرت الدولة الأموية به من الناحية السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والديموغرافية.
كما أنه قام بمقارنة الطواعين المختلفة وتاريخها بالنسبة للمؤرخين المختلفين الذين ذكروا هذه الطواعين
كتاب شيق، قرأتُه في ليلة واحدة، و لكنه عميق في تحليل الأبعاد الديمغرافية و الآثار السياسية لتكرر حدوث الطاعون في العهد الأموي، و مقنع جداً في استنتاجه أن الطاعون ربما كان أحد أخطر العوامل المنسية في انهيار حكم الأمويين كتاب جدير بالتدبر، في زمن كورونا، وفي غيره
" الطاعون " عندما تسمع هذه الكلمة تتذكر ذلك الموت الأسود الذي ضرب أوروبا في العصور الوسطى والذي حصد ثلثي القارة العجوز ، مما يعني من بين 3 أشخاص لا ينجو سوى شخص واحد فقط ، أي 33 الف نسمة من كل 100 الف يعيش .
بدأت بهذه المقدمة حتى تقارن وتستيقن مدى الكارثة الجارفة التي حلت على الدولة الأموية منذ بداية عهدها عام 41 هجري حتى عام 132 هجري والذي كان سبب سقوطها المباشر الطاعون الجارف المسمى ب " مسلم بن قتيبة " والذي كان يحصد في اليوم الواحد 70 الف شخص ، والذي امتدت فورته أربع أشهر هلك فيه خلق كثير.
على مدار 91 عام من حكم بني أمية ضرب فيه ما لا يقل عن 20 طاعون ، مما يعادل سنة لكل أربع سنوات ، وبمعدل الناجي فيها 1 : 14 فرد أي الذي ينجو من كل 14 انسان ، انسان واحد فقط ، اضعاف ما كان يموت في العصور الوسطى، وهذا على أن دل عل شيء دل على " أن بعض الطواعين العصر الأموي كوارث ونكبان إنسانية سقطت من الذاكرة الإنسانية "
وهذا غير المجاعة التي كانت ترافق تلك المأساة ، والتي تحصد من كان يبقى حيا! أدى هذا الأمر الى تغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية بطبيعة الحال ، اضعفت الدولة الأموية الى حد أن والي الكوفة طلب من آخر خليفة أموي " مروان بن محمد " مدد من الجنود يعينه على الثورة العباسية المؤدية الى سقوط الدولة الأموي لا محالة ، وذاك يجيبه أنه لا يوجد الا القليل من الجند الذي ممكن ارسالهم بسبب الطواعين وخاصة " مسلم بن قتيبة وطاعون الغراب " الجارفين المتتاليين ، الذان أديا الى تدهور اقتصادي حاد في عدد السكان بصورة عامة مقارنة بمعدلاتها في صدر العصر الأموي.
أم�� بالنسبة للعمل البحثي للاستاذ أحمد العدوي كان مجهد وعمل غير مسبوق في البحث والقراءة وتجميع الاخبار والوثائق من مصادر مختلفة متنوعة تعطيك فتات من المعلومات عن تلك الطواعين التي ضربت العصر الأموي .
جهد مشكور واثراء للمكتبة العربية عن مرض اتعبب الأمم واهلك الكثير وعمم الخوف والرعب في العالم أجمع .
والجدير بالذكر أن العرب قبل الإسلام لم تعرف هذا المرض ، لهذا كان انتشاره بين الصحابة الفاتحين أكثر من غيرهم ،لانهم اكثر عرضه واقل مناعة ، فمثلا طاعون عمواس الذي ضرب عهد سيدنا عمر بن الخطاب ، قتل وحده 26 الف مقاتل مسلم ، ومن أشهر من مات فيه ابو عبيدة عامر بن الجراح ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما . وأول طاعون أصيب الدولة الأموية سمي " المغيرة الثقفي " والذي مات فيه الصحابي المغيرة الثقفي ايام ولايته للكوفة .
ومن الجدير بالذكر أيضا أن الطاعون حسم معركة مصعب بن الزبير - والذي توفي في طاعون ابن الزبير - مع عبد الملك بن مروان في البصرة التي مثلت بداية النهاية لخلافة عبد الله بن الزبير .
" يرسينا بيستس " كانت سبب في تآكل الدولة الأموية من الداخل التي عملت بدأب على تآكل أركان البيت في صمت ومن دون أن يشعر به أحد ، كما يفعل النمل الأبيض بالبيوت الخشبية.
كتاب ماتع نافع في الحقيقة ووقع اختياري له عندما كنت في المكتبة لأننا نعيش في زمن انتشار فايروس كورونا؛ فخطر في بالي أن هذا الكتاب قد يوضح لي حجم تأثير كورونا على العالم من خلال دراسة أحوال مشابهة مثل الطواعين في العصر الأموي وتأثيرها الديموغرافي؛ ونسنطيع من خلال المقاربة استقراء الواقع واستشراف المستقبل إن صح التعبير، وفيه لفت نظر بطريقة مختلفة للأحداث التي وقعت في الدولة الأموية ونصبح أكثر تفهما لها...
الطاعون في العصر الأموي، صفحات مجهولة من تاريخ الخلافة الأموية، أحمد العدوي الطبعة الأولى: 2018م، عدد الصفحات: 184
دراسة جادة تلقي الضوء على آثار الطاعون في العصر الأموي، وانعكاساته على النظم والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في أقاليم الدولة، وذكر جملة كبيرة من المؤلفات والمصنفات في الطاعون. قسم المؤلف الكتاب إلى ثلاثة فصول، وخاتمة: الفصل الأول عبارة فصل تمهيدي تحدث فيه عن تعريف الطاعون، ومسبباته، وأنواعه، وأسباب فتكه بالناس، وفيه مبحث جميل وهو "الطاعون في التراث العربي": فذكر فيه بعضاً من الأحاديث الواردة فيه، وجدال الفقهاء والأطباء حول مسبباته: فالأطباء يقولون سببه الرطوبة وفساد الهواء، والفقهاء يقولون وخز الجن، وغير هولاء أرجعه لحركة الأجرام السماوية، والناس منهم من يقول هو عقاب إلهي جماعي؛ لانشغال الناس بالدنيا وانهماكهم في اللذات والمعاصي، وانتشرت بينهم التعاويذ والرُقى، ((تذكرت الجدل القائم في أيامنا هذه في تويتر)). والخلاف واقع حتى بين الأطباء أنفسهم: فمنهم من يقول الطاعون لا يمكن علاجه، لكن يمكن توقيه؛ بتعاهد المطهرات مع الماء والخل، مع المداوة على رش البيت وكنسه وتنظيفه. ومنهم من يقول بل يمكن علاجه بالفصد. وعلى صعيد المسائل الفقيهة برزت مسألة: جواز الدعاء برفع هذا البلاء؛ لأنه وباء فتاك؟ ومنهم من يمنع من ذلك لكونه رحمة ولأن المطعون شهيد. وكذلك مسألة: هل يجوز الخروج من البلد أو الدخول إليها إذا وقع فيه الطاعون، وهل العدوى واقعة أو لا؟. وكما في زماننا تنتشر إشاعات الواتس ففي تلك الأزمنة انتشرت إشاعات من قبيل: إذا عوت الكلاب وجاوبتها الذئاب فإن ذلك من علامات قرب وقوع الوباء، ولبس الياقوت الأصفر يقي صاحبه الإصابة بالطاعون. أما في الفصل الثاني فعدد الطواعين التي وقعت في العصر الأموي، فبلغت 20 طاعوناً، وأن نسبة الناجين 1 من كل 14 مطعوناً. وأذكر لكم طرفاً مما أورده في هذا الفصل: في طاعون ابن الزبير الذي ضرب البصرة، حصد الطاعون فيها أرواح الناس حصداً، فكان يموت في كل يوم 70 ألف، وكانت فورته ثلاثة أيام. حتى أن المبرد كان يقول:" كانت الدار تصبح وفيها خمسون، وتصبح الغد وليس فيها واحد". ومات في هذه الطواعين 83 ولداً لأنس بن مالك، و 40 لعبدالرحمن بن أبي بكرة، و 30 لعبيد الله بن عمر، وكذلك لمحمد بن سيرين. قال أبو ذؤيب الهذلي يرثي خمسة من أبنائه قضوا في طاعون ضرب مصر نحو عام 24هـ: وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفع ومن الأعيان الذين توفوا في طواعين العهد الأموي: أبو الأسود الدؤلي، ومطرف بن عبدالله الشخير، وقتادة بن دعامة السدوسي، والخليفة يزيد بن الوليد، وأيوب السختياني، وإسحاق ابن هبيرة، وحماد بن سلمة. وماتت والدة عبيد الله بن معمر وهو أمير البصرة، فما وجدوا من يحملها، حتى استأجروا لها أربعة علوج فحملوها إلى حفرتها. قال المبرد: "الذي بلغنا من خبر الطاعون أن الناس لا يجزعون فيه على موتاهم كجزعهم في غير الطاعون؛ وذلك لتأسي الناس بعضهم ببعض، ولما يدخلهم من الخوف، فكل إنسان يخاف على نفسه فيسلو عن الولد والأهل والقرابة". وكان يعقب هذه الطواعين مجاعات، فكانت كسرة الخبر أنفس وأعلى من الذهب والفضة
أخيراً تناول المؤلف في الفصل الثالث آثار الطواعين المختلفة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية) وانعكاساتها على المجتمع والدولة في العصر الأموي؛ من مثل انخفاض خراج العراق في أواسط العصر الأموي انخفض إلى نحو 60% عن معدله في عصر الراشدين. بل إنه عد الطاعون أحد العوامل الخفية التي أثرت في سقوط الدولة الأموية، يقول ابن حجر: "إن الطواعين لم تنقطع في زمن بني أمية، ثم خف الطاعون في الدولة العباسية". فكان الخلفاء العباسيون أنفسهم يستغلون هذا الأمر في الدعاية السياسية لهم، وأن من بركة ولاية آل العباس على الناس ارتفاع الطاعون عنهم.
هذا كتاب يعلمك كيف يكون البحث والله! بداية من جمع المصادر والبحث عنها في مظانها المختلفة ودراستها دراسة متعمقة ومحاولة الجمع بين ما اختلف منها أو الترجيح ثم استنتاج نتائج الدراسة، يعني مجرد تأمل المنهج يخليك مستمتع! الكتاب بيتكلم عن الطواعين التي حدثت في عصر الخلافة الأموية بعد تمهيد تكلم فيه الكاتب عن الطاعون وأنواعه وتعامل كل من العلماء والأطباء والعوام معه عشرون طاعونًا أثناء خلافة بني أمية بمعدل طاعون كل أربع سنوات ونصف ونسبة ناجين تقدر ب واحد لكل أربعة عشر مطعونا وبيتناول تأثير هذه الطواعين على التوزيع السكاني والحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أثناء الخلافة الأموية وكيف شكلت عاملًا مهما من عوامل سقوطها
وإذا المنية أنشبت أظفارها.. ألفيت كل تميمة لا تنفع...
بحث مختلف، و ذكي ، لكن الأهم أنه مفجع و مخيف.. وسط السرديات التاريخية الي كل تركيزها بيكون على حركة السلطة ، بتوه الأحداث الكبيرة الي خارجة عن نطاق تحكمنا كبني آدمين، رغم أنها في حد ذاتها هي ممكن تكون المؤثر الأكبر على حركة السلطة دي، لكن تحس أننا كبشر لعجزنا عن التفاهم معاها و التحكم فيها تم تجاهلها تماما ، و ربما في محاولة مننا بدون وعي لنسيان مدى الأذى و الفقد الي سببته لينا.
الطاعون هو بطل السردية دي عن دولة و نظام حكم ملغز زي الدولة الأموية، التجسيد لنهاية زمن قداسة و طهارة منظومة الحكم في نظر المسلمين و انغماسها في الدنيوية و الملك الجائر، بتشوف قد ايه هي هشة و ضعيفة في مواجهة ظاهرة وبائية غير معهودة للعرب، مرتبطة بشكل أساسي بانتقالهم و تأسيسهم لمدن جديدة في الحضارات القديمة الي فتحوها و سيطروا عليها، فيه تراچيديا خفية هنا، تحس أنهم بيدفعوا تمن تحضرهم و تخلصهم من البداوة و الثقافة الصحراوية، بيفتك الطاعون بالعرب شر فتك ،بيحطهم في مأزق و سؤال كبير عن ليه كل ده بيحصل؟، بيفرغ حواضر المسلمين حديثة النشأة من قوتها البشرية، و بيجرد الأمويين من قوتهم العسكرية و الاقتصادية ، علشان يبقى نجاح ثورة العباسيين، الي جايين من مناطق مفيهاش الطاعون، مسألة وقت، و تقدر تلاحظ و تفهم التمهيد الي الطاعون كان سبب فيه، التمهيد للتأثيرات الفارسية الكبيرة على الحضارة الإسلامية ،كفكر و كعلماء و كقوة بشرية.
فيه قرارات كتير أخدها الأمويين بيتم استيعاب سياقها في إطار الطاعون كانت مقتصر تبريرها قبل كده على الظلم و الجور بس، قرار أن الجزية يتم تحصيلها من أهل البلاد المفتوحة حتى لو أسلموا على سبيل المثال ، و في نفس الوقت قرارت لعمر بن عبد العزيز مثلا كانت تصنف من ناحية الخيرية بس، تقدر تفهم أنها كانت قرارات رجل دولة بيحاول ينقذ ما يمكن إنقاذه مش نابعة من طهرانية مجردة كده في الهوا، زي إعادة فرض العطاء للأطفال، علشان يشجع الناس أنها تخلف أكتر لتعويض التغير الديموغرافي الي حصل، و هكذا.
لكن الأكثر كابوسية و مأساوية في السردية دي هي حتميتها الشديدة، جهل الناس الي أدى لمصير محتوم بفناء أغل��هم بنسبة 1:14 بناء على حسابات الكاتب ، حفر الناس لقبورهم بأيدهم و دخولهم فيها لأن خلاص الموت جي جي،فكرة أن الموت أصلا كان شيء منتشر و فترات الحياة مش طويلة، تأثر الحقيقة دي ايه على العلاقات بين الناس ، تأثر ده ايه على معاملاتهم التجارية و الاقتصادية ،الأراضي الي السكان سبوها و بقت معرضة للبوار و السلب و النهب، و سردية تانية الكتاب مركزش عليها و هي المجاعات الي كانت بتيجي ورا الطواعين، و بالتالي كثرة الإجرام ، بالتالي ضياع فرص نشأة استقرار اجتماعي ، ده ممكن يبقى مفسر برضه ليه حركات التدوين الكبيرة و المذاهب الفكرية ارتبطت بالعصر العباسي، مجرد ما هدأت فورة الطواعين، شم المجتمع الإسلامي نفسه و بقا قادر على الإنتاج الفكري و الاجتماعي و الاقتصادي.
ده واحد من أكتر الكتب الي أثرت فيا في حياتي، شعور بالفاجعة و الحزن على قلة حيلتنا كبني آدمين ، ضعفاء و نجهل أكثر مما نعلم، و لا يوجد حقيقة واحدة كبيرة في حياتنا سوى الموت.
وقع اول طاعون في العصر الأموي في خلافة معاوية بن ابي سفيان ، فضرب الكوفة بين عامي ٦٦٩ و٦٧٠ ميلادية وبلغ من الضراوة ان توفي فيه والي الكوفة المغيرة بن شعبة . من الطاعون الجارف الى الطاعون العام ضربت سلسلة من الطواعين العظمى ارجاء الشام والعراق لتمتد الى مصر ، حاصدة ارواح مئات الالاف من البشر . اندلعت الفورة الاولى من تلك الطواعين في البصرة عام ٦٨٣م ومن جملة من مات في هذا الطاعون الوليد بن عتبةزبن ابي سفيان وكان مرشحًا للخلافة. اما فورة الطاعون الكبرى التي عرفها المؤرخون باسم الطاعون ابن الزبير وقعت ما بين عامي ٦٨٨و٦٨٩م تولى فيها حكم البصرة وبلغت شدة الوباء في هذه الفورة حدًا غير مسبوق ، اذ استمرت ثلاثة ايام حصدت فيها ارواح الناس حصدًا بمعدل ٧٠ ألف ضحية للوباء في يوم واحد ، كان الجارف ذروة سلسلة من فورات الوباء بدأت بضرب العراق والشام ومصر . تجدد الوباء في الشام في عام ٦٩٨ م ايام عبد الملك بن مروان وبلغ ذروته في عام ٦٩٩م حتى كان الناس يفنون من شدته فامتد الى العراق وأطلق عليه اسم الطاعون العام . ما لبث الطاعون ان خمد الى حين حتى أصابت فورتان عنيفتان منه الشام والعراق ، ففي دمشق اندلع الطاعون اطلق عليه المؤرخون اسم طاعون الفتيات الذي عرف بهذا الاسم لانه بدأ يحصد أرواح العذارى والجواري في البصرة ثم الكوفة فالشام ، ضرب هذا الطاعون الشام عام ٧٠٦م . ضرب الطاعون البصرة مجددًا عام ٧١٨م في عهد عمر بن عبدالعزيز ، اذ مات فيه عبد الملك بن عمر بن عبدالعزيز. لم يشأ الطاعون ان يُذهب ملك بن أمية من دون وداع أخير اذ ضرب الوباء الجارف البصرة عام ٧٤٨ م ، دام طاعون البصرة هذا أربعة شهور . وامتد هذا الطاعون الى الشام فمات فيها في اليوم الاول سبعون ألفًا ، وفي الثاني خمسة وسبعون ألفًا . سجلت المصادر العربية على اختلاف مشاربها نحو ٢٠ فورة من الطاعون في العصر الأموي ، ضربت فيه مصر والشام والعراق . أسفرت فورات الطاعون المتتالية عن تراجع أعداد العرب ، وهم عماد جيوش بني أمية ، في العراق والشام تراجعًا حادًا. ونجم عن هذا في نهاية المطاف عجز الدولة الأموية عن مقاومة الثورة العباسية الوليدة التي انطلقت من اماكن بعيدة نسبيًا عن تلك الاماكن التي اعتاد الطاعون ضربها ، واختيار الوقت الملائم لإعلان ثورتهم .