What do you think?
Rate this book


245 pages, Kindle Edition
First published January 1, 1929
❞وكان يشعر شعورًا غامضًا ولكنه قوىُّ بأن هذا العلم لا حدَّ له، وبأن الناس قد ينفقون حياتهم كلها ولا يبلغون منه إلا أيسره. وكان يريد أن ينفق حياته كلها وأن يبلغ من هذا العلم أكثر ما يستطيع أن يبلغ مهما يكن في نفسه يسيرًا. وكان قد سمع من أبيه الشيخ ومن أصحابه الذين كانوا يجالسونه من أهل العلم أن العلم بحر لا ساحل له، فلم يأخذ هذا الكلام على أنه تشبيه أو تجوز، وإنما أخذه على أنه الحق كل الحق.❝
*****
❞وفي الحق أن إقبال الفتى على درس الأدب لم يصرفه عن علومه الأزهرية أول الأمر؛ فقد كان يظن أنه يستطيع الملاءمة في نفسه بين هذين اللونين من ألوان المعرفة. وهو لم يُرسل إلى القاهرة ولم يُنسب إلى الأزهر ليكون أديبًا ينظِم الشعر أو ينشئ النثر، وإنما أُرسل إلى القاهرة وانتسب إلى الأزهر ليسلك طريقه الأزهرية الخالصة، حتى يبلغ الامتحان ويظفر بالدرجة، ويسند ظهره إلى عمود من الأعمدة القائمة في ذلك المسجد العتيق، ويتحلّق الطلاب من حوله فيسمعوا منه درسًا في الفقه أو في النحو أو فيهما جميعًا❝
*****
❞وكذلك عرف الفتى في ألم لاذع ولأول مرة في حياته الناشئة أن ما يقدم إلى عظماء الرجال من ألوان الإكبار والإجلال وضروب التملَّق والزلفى لغو لا طائل تحته ولا غناء فيه، وأن وفاء الناس يَنْحَلُّ في أكثر الأحيان إلى كلام لا يفيد❝
*****
"ومضى القطار ولم ينسوا فيه إلا أخاهم هذا الضرير❝
*****
❞ولكن الجامعة قد أنشئت، وإذا صاحبنا يقبل عليها وينتسب إليها، وإذا هو يختلف مع غلامه الأسود إلى دروس الأزهر مصبحًا وإلى دروس الجامعة ممسيًا. وإذا هو يجد للحياة طعمًا جديدًا، وإذا هو يتصل ببيئة جديدة وبأساتذة لا سبيل إلى الموازنة بينهم وبين أساتذته في الأزهر.❝