بعد أن ُووري جثمان شيخ الشهداء وسط مقبرة سيدي اعبيد ببنغازي، كتب غراتسياني شامتاً: "هذا، ولم تَخفُق فوق ذلك القبر المجهول اليوم بين الآلاف من القبور العامّة الأخرى بمقبرة بني غازي - أعلام الخُلود والتجلَّة والإكبار التي تُغطّي قبور شيوخ الطرق والأولياء حتّى في أقصى مغارات الجِبال والصحراء. وسرعان ما أُسدل على جسده ستار النسيان وعدم الاكتراث".
كما كتب في 20فبراير 1932: "السنوسيّة لا زالت حديثة في ذاكرة سكّان برقة، ولكن في القريب العاجل ستكون نسياً منسيّاً، وستحلُّ مكانها الحضارة اللاتينيّة، تجدّدها الحركة الفاشيستيّة، لتتعقّب أخاديد المستقبل".
ويبدو أنّه لم يكن يدور في خلد الجنرال على الإطلاق -بينما هو يكتب هذه الكلمات المعبّرة عن غاية أمانيه التي لم يكن يملك إّلا تصديقها _لم يكن يدور في خلده أنّ من هجّروا من وطنهم جرّاء ظلمه لم ينسوا هذا الوطن بعد، وأنّهم سيعودون من جديد تحت راية السنوسيّة، تلك الراية التي ستأخذ مكانها في ربوع ليبيا من جديد; لتحتفظ وإلى الأبد -بدورها التاريخي في ردم حفرة الدم، ولم شمل أهل البلاد.
وبالفعل، لم يلبث غراتسياني العيش حتّى رأي إعلان الملك الراحل محمّد إدريس السنوسي في 24ديسمبر 1951 من شرفة قصر المنار ببنغازي، أن ليبيا أصبحت دولة حرّة مستقلّة، فقد قُدّر يضاً الكثير من قادة الفاشيّة وضبّاطها أن يروا مزار عمر المختار الفخم يشيّد في قلب المدينة التي حوكم فيها، وذلك حين قامت دولة المملكة الليبيّة ببناء ضريح يليق بالشهيد; ليكون مزاراً وعبرة للأجيال وسط عاصمة برقة. يوسف الحبوش
انتهيت والحمد لله من الكتاب بعد توقفات كثيرة بين تقاطيعه، وبالجملة فالكتاب جيد له إيجابيات وسلبيات وإن شئت قلت مزايا وعيوب.. من الناحية المبدئية فقد خيب الكتاب ظني فعنوانه العريض ( عمر المختار، الحقيقة المغيبة) جعلني كغيري أتصور ورود جديد يزيل شيئا من الغموض ويبين ما غاب ويستكشف ما اندرس، ولكني لم أجد من ذلك شيء اللهم إلا إن كان الكاتب تصور أن ارتباط شيخ الشهداء عمر المختار بالسنوسية - والتي حاول القذافي ونظامه ومثقفوه طمسها بكل السبل - حقيقة مغيبة وهي بديهية يعلمها أي دارس وكالشمس الساطعة في رابعة النهار.. الكتاب عبارة عن سرد لحركة الجهاد بولاية برقة والتي قادتها الحركة السنوسية أسهب الكاتب في سردها وكان نصيب شيخ الشهداء عمر المختار نصيب الأسد من المسرود لكن لا يمكن أن يكون هذا كتابا عن سيرة شيخ الشهداء فأين تناول حياته ودراسة شخصيته دراسة تفصيلية وخلفياته الثقافية والفكرية وحياته الإجتماعية وارتباطاته الوطنية سواء بالقطر الليبي أو في ربوع الوطن العربي الكبير، كمثال أين مراسلاته الماتعة مع أعيان ومثقفي وقواد حركات النضال في مصر، وكانت المراسلات آية في الأدب والحكمة ورفع الهمم وتدل على تعاضد أبناء الأمة في مواجهة المحتل، أين دراسة أثر الفكر الصوفي في حياة شيخ الشهداء وأين مناقشة موضوع الحركة المهدوية في الفكر السنوسي وارتباطه مثلا بالفكر المهدوي السوداني والإفريقي بصورة عامة خصوصا العلاقة بين السنوسية وفكر الموحدين والمهدي بن تومرت وهل كان لها تأثير على فكر شيخ الشهداء أم كان تأثيرها عرضا وغير ذي بال ، وأين مدارسة حياة الشيخ في تشاد ومقاومته للغزو الإستعماري الفرنسي وأين مدارسة قدراته التنظيمية والعقلية التي جعلت السنوسية تتكأ عليه في جهدها، و غيرها من القضايا، أعلم أن الكاتب تعرض لبعضها ضمن السياق لكنه لم يدرسها دراسة مفصلة منطلقها تأثيرها على شيخ الشهداء وحياته وجهاده، أيضا لم يتعرض الكاتب لموضوع المجاهدين الطرابلسيين - المصاريت - بشيء من التفصيل ولما اختار هؤلاء الإنحياز لعمر المختار دون غيره حتى شكلوا قوة حمايته الأساسية وحتى ذكر للسيد إدريس يوما أنه سيقاتل حتى بقوة المصاريت فقط، ما الذي جره لهذا القول وما آثار هذا على حركة الجهاد ومراحلها.. أيضا لم يتناول سبب عدم انتشار السنوسية في ولاية طرابلس وأثر هذا على حركة الجهاد وحياة شيخ الشهداء بعد ذلك.. وغيرها الكثير من التساؤلات. كما أتمنى أن يخرج الكتاب العرب من بوتقة ذكر المحاسن دون المساويء هل حقا كل تاريخنا ناصع البياض بهذه الصورة أين مراحل الإخفاق وخلل القيادة والإدارة، ولما هذا الإعتذار عن أبناء الوطن الذين دخلوا في زمرة المحتل وتصوير أنهم إنما قاموا بذلك لأسباب مشروعة من قلة ذات اليد أو حتى الدخول مع المحتل كعيون و و و... أظن أن على العرب وكتابهم أن ينقدوا واقعنا وتاريخنا نقدا بناء حتى يمكننا أن نتلمس مواطن الخلل والفساد ولا يقدموه لنا في صور مبهرة كعادتهم.. بالجملة الحديث يطول والكتاب جيد غير أن النفس السنوسي واضح للعيان فاليستصحب القاريء فطنته، ونتمنى أن نرى المزيد من الكاتب
أبرز الانتقادات الموجهةلكتاب عمر المختار الحقيقة المفيبة لصاحبه يوسف عبدالهادي الحبوش) ( مستخلصة من: ميراث الذاكرة مقاربات نقدية في تاريخ ليبيا تأليف حسن ابوبكر المغربي)
1. الإخفاق المنهجي والعلمي: - ضعف التوثيق: عدم الالتزام بأساليب التوثيق العلمي، من حيث الإشارة إلى المصادر بدقة، وذكر أرقام الصفحات، واعتماد طريقة موحدة. - التعامل غير الأمين مع الاقتباسات: تحوير النصوص المقتبسة، والحذف والإضافة والتغيير في المضامين دون الإشارة إلى ذلك، مما يشوه المعنى الأصلي. - الاعتماد على الروايات الشفهية غير الموثقة: بناء استنتاجات على روايات شفهية ضعيفة أو مبالغ فيها دون تمحيص أو نقد.
2. التحيز المفرط للحركة السنوسية: - تضخيم دور السنوسية: إرجاع كل البطولات وجميع أعمال الجهاد إلى الحركة السنوسية وحسب، مع إغفال تام أو تقليص لدور القبائل الليبية والزعامات المحلية المستقلة مثل قبيلة المغاربة وقائدهم صالح الأطبوش. - تلميع صورة قادة السنوسية: تقديم صورة مثالية ومجردة من الأخطاء لشخصيات مثل إدريس السنوسي ومحمد الرضا، بينما يتجاهل المواقف المتناقضة أو المسيئة الواردة في المصادر الموثوقة (مثل تعاون بعضهم مع الإيطاليين أو استسلامهم). - تأويل التاريخ لخدمة رواية واحدة: تفسير الأحداث بشكل انتقائي لتتناسب مع رواية تُمجد السنوسية، حتى لو تعارض ذلك مع الحقائق التاريخية الثابتة.
3. تشويه صورة عمر المختار وتجيير نضاله: - نسبته بشكل حصري للسنوسية: محاولة تقديم عمر المختار على أنه مجرد "أداة" أو "نائب" مخلص للسنوسية، بينما تؤكد المراجع الأخرى على استقلاليته وكونه كان يقاتل من أجل الدين والوطن وليس تبعية عمياء لأحد. - تجاهل مواقفه المشرفة المستقلة: مثل رفضه لاتفاقيات السلام المذلة مع الإيطاليين، وإصراره على مواصلة الجهاد حتى بعد انسحاب أو تعاون بعض قادة السنوسية. - التركيز على الإدريسية: تحويل الكتاب من سرد سيرة عمر المختار إلى سرد لسيرة الأمير إدريس السنوسي وأحداث الحركة السنوسية، مما يخالف عنوان الكتاب ومقصده المعلن.
4. إشكالات تاريخية وجوهرية: - سوء استخدام الوثائق: إدراج وثائق غير ذات صلة بسياق الأحداث (مثل وثائق عن سرقة أغنام) أثناء الحديث عن استراتيجيات الجهاد الكبرى. - المبالغة في الأرقام والأحداث: مثل المبالغة في عدد الجنود في بعض المعارك دون الاستناد إلى مصدر موثوق. - نقل معلومات غير مدققة: كرواية أكل اللحوم البشرية أثناء المجاعة، وهي رواية تفتقر لأي سند في المصادر الموثوقة أو الموروث الشعبي. - هجوم غير مبرر على مؤرخين ومترجمين آخرين: مثل الهجوم على المترجم محمد عبد الكريم الوافي دون تقديم أدلة كافية على الادعاءات الموجهة ضده.
الخلاصة:
المراجعة تخلص إلى أن كتاب "عمر المختار الحقيقة المغبية" فشل في تقديم إضافة علمية أو رؤية متوازنة. فهو عمل منحاز أيديولوجيًا، يفتقر إلى الموضوعية والصرامة الأكاديمية، ويحاول إعادة كتابة التاريخ وفقًا لرواية واحدة تُمجد الحركة السنوسية على حساب الحقائق التاريخية والدور البطولي لعناصر ليبية أخرى، وعلى حساب الحقيقة المجردة لنضال عمر المختار الذي كان في جوهره دفاعًا عن الوطن والدين وليس تبعية لتنظيم بعينه.