عشناها هناك في أرض ليست ككل أرض، وتحت سماء ليست كأيِّ سماء.. عشناها هناك حياة ليست كالحياة.. عشناها هناك حيث لا شيء كأيِّ شيء.. فلا البشر ولا القدر ولا الموت كانوا كأيِّ بشر أو قدر أو موت.. عشناها هناك حين ضاعت البدايات واختفت النهايات، وتفرّق الواحد، وتشتت المراد، وتهافتت الأسئلة، وانعدمت الإجابات. عشناها هناك حيث صحَّ غير الصحيح، وصار الدم ماءاً، وبكى الرجال، ومات الناس من الجوع، رغم أنهم قالوا في الأمثال عكس ذلك. عشناها هناك قمة السعادة وقمة الحزن، قمة الأمل وقمة اليأس، قمة اليقين وقمة الشك، قمة القوة، وقمة الضعف، قمة الجهاد، وقمة العبث. عشناها حيث كان كل أمر خيراً وشراً، وكل قرار صائباً ومخطئاً، وكل كلام دعاءً وكفراً، وكل رأي حلالاً وحراماً. لا أعرف الآن، أتراه ربنا يرحمنا أم يعذِّبنا؟ أتراه يُدْخلُنا جنةً أم ناراً؟ رغم كل ذلك عشناها وتعودنا، لكن عليكم أن تعلموا أننا إذا كنا تعودنا فأبدأ لا يعني أن الأمر عادي، وإذا كنتم لم تروا فأبداً لا يعني أن الأمر لم يحدث، وإذا كنتم لم تضغطوا الزناد فأبداً لا يعني أنكم لم تقتلونا.