كتب المثقفون الفلسطينيون، وفي عقود مختلفة، عن الصهيونية وعن الفلسطيني المقيّد الذي يواجهها. وكان هناك، دائماً، صورة فلسطين التي تنتمي إلى زمن وتقاتل زمناً آخر، وصورة الصهيونية التي تتحصّن بالأساطير التوراتية وبآخر المدافع الاستعمارية. ولعل الفرق الفاجع بين زمنين تاريخيين، فزمن فلسطين هو زمن "الرجل العثماني المريض" المتجدّد، هو الذي فرض على المثقف الفلسطيني قراءة مرتبكة، ترى إلى "التقدم الصهيوني" وتبشر بالانتصار، وتحضّ الفلسطينيين عل الكفاح وهي مسكونة باليأس. وربما كانت هذه القراءة ترى، أحياناً، ما تريد أن ترى، وتغفل أحياناً، عمّا يجب عليها أن تراه. وفي هذه الحدود، فإن الذاكرة الثقافية الوطنية الفلسطينية، وقوامه الصُلبْ الصراع الفلسطيني الصهيوني، هي جملة القراءات الخاطئة والصائبة التي أنجزها المثقفون الفلسطينيون، ومجموع الجهود الفكرية التي حاولت الصواب وأخطأته أو اقتربت من الخطأ ولم تستقر فيه. كل هذا لا يهوّن من شأن هذه الذاكرة ولا يخفض من قيمتها، ذلك أنها كانت، ولا تزال، موروثاً وطنياً وضرورة وطنية: فهي موروث يضيء جهوداً نبيلة ومتعاقبة اشتقت أسئلة الثقافة من أسئلة الوطن، وهي ضرورة لا غنى عنها، تمدّ الفلسطيني بالعزم والثقة وبمعرفة يحتاجها، تصوّبها وتحاورها معرفة لاحقة. وفي هذا الحوار، وأزمنته ضيقة وحزينة، تنبني الذاكرة الفلسطينية ذاكرة مقاومة ومقاتلة، أو ذاكرة، فرض عليها سياق ظالم، تكون مقاومة ومقاتلة، أو أن لا تكون..
من اقوى الكتب في نقد ثقافة الهزيمة وقراءة موضوعية للظروف الذاتية للمثقف الفلسطيني, ضمن الصراع مع الاستعمار او كما يسميه صراع بين زمنين زمن الابيض المتوحش والمسلح بالعلم والاسلحة الحديثة, وزمن الفلسطيني الذي خرج للتو من السيطرة العثمانية التي هزمت امام الاستعمار الغربي.