…لم تولد الماركسية تاريخياً كرد فعل ضد الدين، وإنما ولدتها تربة اجتماعية معطاة اقتصادياً، تربة مجتمع الاستغلال في أكثر صورها بشاعة: المجتمع الرأسمالي، أي إنها جاءت من المجتمع والتاريخ لتقود من جديد وتفعل في هذا المجتمع والتاريخ كي تصنع تاريخاً جديداً ومجتمعاً جديداً، لم تأت من السماء، لذلك فهي لا تلتفت إليها إلا بقدر ما تلجم الإنسان عن الثورة.
ليست معركة الماركسية دينية، معركة بين المؤمنين والملحدين، لكنها معركة طبقية بين من يملك ومن لا يملك، معركة بين البروليتاريا والرأسمالية، لا بين الأنا والإله أو الفيلسوف ورجل الدين.
عندما تقرأ الكتاب لا تبدي رأياً سريعاً ولا تنزعج كثيراً، فقط اقرأ بعقلك واستحضر ذهنك وتركيزك فهذا الكتاب سيدق أماكن الجهل في عقلك كثيراً…
وكما يصف العنوان الماركسية والدين، يقول الكاتب لم تأتي الكاركسية كرد فعل ضد الدين بل اتت ضريبة البؤس الاجتماعي الذي خيم على العالم في فترة من الفترات حين ازدادت فجوة الطبقية بين الناس، ولأن الدين (وهنا نعني الدين المسيحي فقط كدين تحدث عنه الكاتب والماركسية أيضاً بحكم انها الديانه المنتشرة في اوربا القرن ١٨-١٩ في اوروبا) كان احد اسباب الطبقية واستغلال والاضطهاد، فكك الكاتب بماركسيته تلك الشرائع وفضح مبشريها، لينير الطريق للطبقات الدنيا والفقيرة لتثور لأجل العدل والمساواة والخبز!
كتاب مهم لدكتور الفلسفة الفلسطيني الماركسي فيصل دراج، بعنوان "الماركسية والدين"، الصادر عنه في سنة ١٩٧٨.
الكتاب يتناول موضوعا شائكا ضمن اطار الوعي الجمعي في منطقة الشرق الأدنى، والتي يتزايد، إثر عوامل عدة، يطول شرحها، ومنها سياسات التجهيل والتبعية للإمبريالية الغربية والاستلاب الثقافي والهوياتي، وغياب الفكرة/الهوية الجامعة التي أدت الى بروز الهويات الفرعية، واتساع الفجوة الثقافية والمعرفية - في المتوسط - مع شعوب الدول المتقدمة أو تلك الآخذة في التقدم، وغيرها، بروز التيارات الدينية الرجعية وأيديولوجياتها العقيمة أو المشوهة، على الساحة والتي طالما تعاطت مع المخالفين من المفكرين والمثقفين التقدميين وغيرهم، بثقافة الإرهاب والترهيب، لا ثقافة التحليل العلمي والمعرفي، أضف على ذلك طغيان سردية البروباغندا الغربية الامبريالية في شيطنة الماركسية والتي لاطالما تلاقت مع مصالح البرجوازيات الرجعية الكولينالية الحاكمة والتيارات الدينية الرجعية، والأولى أغدقت (ولازالت) الأموال وجيشت الأبواق الرجعية لشيطنة الماركسية بوصمها تارة بمروج الالحاد وأخرى بالزندقة والكفر، الأمر الذي أدى الى تكريس هذه الصورة السلبية -عن جهل- في نفوس العوام والجهلة كما أدى إغداق الأموال على دول ومنابر البروباغندا الغربية الى نشر (واعادة نشر) هراءها على اوسع نطاق الأمر الذي أدى الى تكريس دعايتها المغرضة وجهلها المستفحل كحقائق ثابته في وعي المتلقين من البسطاء، الذين "يكرهون ما يجهلون".
يتطرق دراج في كتابه، بدءا بمقدمته الواعدة وصولا الى آخر، إلى تأويله لمقاربة ماركس وانجلز ولينين -مقاربة الماركسية كفلسفة وعلم - لمسألة الدين وموقفها التاريخي منه، وهنا تجدر الإشارة إلى أن المؤلف قد قسم مقاربات ماركس للدين الى قسمين، الأول مقاربته في مرحلة شبابه، مرحلة تأثره بفلسفات هيغل وفويرباخ وهي ذاتها مرحلة كتاباته الفلسفية، ومرحلته الثانية ذات المقاربة العلمية والتي أخضع فيها مفهوم الدين وتطوره إلى مفاهيم المادية التاريخية وأدوات تحليلها الاجتماعي، والتي تفسر التاريخ الانساني -الاجتماعي- من منظور الصراعات الطبقية، حيث تبلور مفهومه الأشمل والأكثر علمية وعملية للدين في مرحلته الثانية تحديدا، ولا يفوتنا أن نقول، بأن ماركس هو ابن بيئته وأن تحليلاته وملاحظاته مبنية بشكل رئيسي كبير على تحليله لتاريخ وحاضر دول أوروبا الغربية في القرن التاسع عشر.
كما تجدر الاشارة الى أن الكاتب قد استعان بأدبيات وأفكار كل من فريدريك أنجلز وفلاديمير لينين في ايضاح بعض جوانب الفكر الماركسي أو في التدليل على أرجحية مقاربته واستنتاجاته.
أختلف مع المؤلف في نتائج تحليله النظري (الذي ربطه بالماركسية) القائل بتلاشي الدين اذا ما تلاشت الطبقات، وهي برأيي نظرية يجافيها الصواب، لأنه وان صح أن الصيغة المتعلقة "بالفئة الناجية" أو/و تلك التي أوجدت لتكريس هيمنة الأقليات الاقطاعية أو البرجوازيات الكولينيالية على عموم الشعوب، قد تتلاشى وتفقد قدرتها على التحريض الاجتماعي، ترسيخ التبعية واخصاء العقل، فالدين بمفهومه الربوبي، الفلسفي أو الأخلاقي، الأكثر أصالة وارتباطا بالفرد وفطرته سيبقى بشكل أو بآخر وهو - بهذه الصيغة - لا يتعارض مع الأهداف الشيوعية النظرية في تحقيق العدالة الاجتماعية ولا مع الانحياز للطبقة الكادحة في صراعها الطبقي أو تحقيق الرخاء والسلام، وهنا تجدر الاشارة نموذج الدين في حالة حركات التحرر في أمريكا اللاتينية أو في مواجهة الاحتلال الصهيوني، الدين (كمؤسسة وأفراد) كان رافعة للثورة والثوريين في مواجهتهم للامبرياليات الاستعمارية وترسيخ الوعي وان بشكل جزئي ولكن وازن في ظروف تلك الصراعات، كما تجدر الاشارة في المقابل الى الدين (كمؤسسة وأفراد) في دول "البترودولار والرجعيات العسكرية" والذي عمل ولا يزال على خدمة أهداف الإمبريالية الغربية وتكريس سلطة عملائها المحليين، كما كان الحال في دعوات "الجهاد" وتحشيد كوادر الارهاب العالمي في افغانستان في ثمانينيات القرن الماضي، أو في القرن الحالي في سوريا وليبيا والعراق وغيرها من الدول التي ترغب الامبريالية في تقويضها وتفكيكها، أو أولئك الذين يبررون ويشرعنون سياسات العمالة (كالتطبيع مع العدو الصهيوني والارتهان للأمريكي ) والنهب الممنهج (احتكار السلطة للموارد، نهب المال العام والفساد، التمييز العرقي والطائفي وغيرها) الذي تمارسه الانظمة الحاكمة في حق الشعوب، عبر تشويه الوعي ونقل المسألة من معالجة البؤس الدنيوي الى الترقب السلبي والاتكالي للفرج الأخروي.
غير ان الدين -في صياغاته المختلفة عند الأمم- بحكم التراكم التراثي وهيمنته على فئة ليست بقليلة، يمكن وبسهولة توظيفه (كونه مهيأ للتوظيف بحكم سطوته على وعي العوام ومفاهيمه المشوهة التي حرصت المؤسسات الدينية الرجعية والقائمين عليها من الانتهازيين الرجعيين، على ادامته) من قبل البرجوازية الإمبريالية أو من عملائها المحليين من البرجوازيات الكولينيالية في تأجيج الثوات المضادة، ونشر الفرقة المرتبطة بانتشار الطائفية والانتهازية وتقديس السلطة والتي تؤدي في المحصلة الى نتائج كارثية لا نزال نعاني آثارها.
الكتاب غني بالمعلومات القيمة، خصوصا ما يتعلق بالمنهجية الماركسية (نهج ماركس)، ومقاربتها للدين من منظورها الفلسفي، الاجتماعي، الاقتصادي والمادي التاريخي. الكتاب يحتاج الى عقل واعي يتناول الموضوع ببعديه، العلمي والمعرفي (وحتى الأيديولوجي) ليخرج بمفاهيم وادوات يستطيع عبرها تحليل واقعه وموقعه التاريخي من هذا الواقع.
نهاية، يجب أن نذكر هنا بأن ماركس كان معنيا بالاقتصاد الاجتماعي والاشتباك الفكري والميداني مع البرجوازية في صراعها الطبقي مع عموم الشعب الذي تتكون أكثريته من الطبقة العاملة (البروليتاريا)، عبر تفنيد أيديولوجيتها الرأسمالية، أما اعتناءه بالدين كأيديولجيا أو/و أداة سياسية-اجتماعية يأتي فيما يتعلق بدور الدين والمؤسسة الدينية في الصراع الطبقي وتكريس هيمنة الطبقة المستغلة، ومسألة تحريف الوعي الشعبي بهدف استدامة وتجديد منظومات الاستغلال الإقطاعي ومن ثم البرجوازي الرأسمالي فيما بعد.
ونختم هنا بمقولة ماركس الفلسفية (الجدلية): "الدين زفرة الإنسان المسحوق، روح عالم لا قلب له، كما أنه روح الظروف الاجتماعية التي طرد منها الروح. إنه أفيون الشعب." *كارل ماركس - كارل ماركس. نقد فلسفة الحقوق عند هيغل
اقتباسات:
"ليست المادية التاريخية مشتقاً لنظريات الإلحاد المختلفة وإنما هي علم التاريخ، الذي يسبر أعماق الحركة التاريخية بالاعتماد على قوانين علمية. فالمادية التاريخية علم التاريخ الذي يشكل أسس علم الثورة، علم يدرس مسار الماضي كمعركة طبقية ليحدد شكل ومضمون معركة الحاضر، معركة الطبقة العاملة وكل المضطهدين على سطح الأرض والمكافحين من أجل مجتمع بلا طبقات، مجتمع مملكة الحرية." ص٩
"إننا لا نبحث عن دلالة النظرية الماركسية في إلحادها، بل في تحليلها لماهية النظام الطبقي وتناقضاته، وفي بحثها العلمي الجذور عن حرية الإنسان، وفي كونها فلسفة طبقة ضد أخرى، فلسفة الطبقة العاملة التي ستحطم كل اضطهاد وعسف الطبقة الرأسمالية." ص٩
"لم تأت الماركسية كتحد للإله وتمرد على السماء، فعالمها لا يكمن في السماء، بل هنا على الأرض، في هذا العام الذي حكمه، ومنذ زمن سحيق، صراع بين المستغلين (بفتح - الغين) والمستغلين (بكسر الغين)." ص٩-١٠
"فالماركسية بثوريتها تعمل على تحرير الإنسان، تحرير وعيه الزائف الذي يتلازم ويتواكب مع تحريره اقتصادياً، فتحرر الإنسان اقتصادياً هو الشرط الأول لتحرير وعيه، ونضال الإنسان خلال معركته الطبقية من أجل تحرره الاقتصادي تولد الشروط الضرورية لتحرير وعيه." ص١٠
"فالماركسية ثورة علمية تفرز وتعطي مباشرة ثورة أخرى سياسية، فهي تحرير للمعرفة من قيود اللاهوت والميتافيزيقا وتحرير للإنسان من قيود الوعي الزائف والاستغلال، أي إنها ممارسة علمية جديدة تترابط بممارسة سياسة جديدة أيضاً." ص١٠
"لم تولد الماركسية تاريخياً كرد فعل ضد الدين، وإنما ولدتها تربة اجتماعية معطاة اقتصادياً، تربة مجتمع الاستغلال في أكثر صورها بشاعة المجتمع الرأسمالي، أي إنها جاءت من المجتمع والتاريخ لتقود من جديد وتفعل في هذا المجتمع والتاريخ، كي تصنع تاريخاً جديداً ومجتمعاً جديداً، لم تأت من السماء، لذلك فهي لا تلتفت إليها إلا بقدر ما تلجم الإنسان عن الثورة." ص١٠
"لیست معركة الماركسية دينية معركة بين المؤمنين والملحدين، لكنها معركة طبقية بين من يملك ومن لا يملك معركة بين البروليتاريا والرأسمالية، لا بين الأنا والإله أو الفيلسوف ورجل الدين." ص١٠-١١
"لا تبحث الماركسية عن أصول الدين في السماء بل في الأرض، في الشرط الاجتماعي الذي أنتجه، ولا تفتح نارها على الدين إلا بقدر ما هو أداة تضليل وتعتيم تخدم الطبقة المسيطرة، أي إنها تقمع الإنسان وتبرر استغلاله. معنى ذلك أن موقف الماركسية من الدين يهدف إلى إلغاء القمع وتحرير الإنسان واستئصال الاستغلال." ص١١
"إن طبقية الماركسية هي التي تحدد ممارسات الحزب الشيوعي، حزب الطبقة العاملة، لذلك فإن هذا الأخير لا يتجه إلى البشر تبعاً لموقفهم من الإله أو الدين، بل تبعاً لموقعهم الطبقي، فهو يدافع عن كل المضطهدين في المجتمع، سيان عنده إن كانوا ملحدين أو مؤمنين. فالمعركة الطبقية لا تدور بين مؤمنين وملاحدة، بل بين أغنياء وفقراء بين مستغلين ومستغلين، أي إنها معركة اقتصادية في جوهرها. فالماركسية فلسفة الطبقة العاملة، لا الطبقة» الملحدة، وموقفها من الإنسان في مجتمع محدد محكوم بموقعه الطبقي." ص١١-١٢
"لا يبدأ ماركس بنقد الوعي الديني، إذ إن هذا النقد لا معنى له إن لم يترافق مع ممارسة ثورية مضاءة بنظرية علمية، ممارسة الطبقة العاملة الواعية لذاتها كطليعة لقوى الثورة الاجتماعية." ص١٢
"فنقض الماركسية للدين موقف طبقي، لا يطمح إلى إزالة الدين، بل إلى تحطيم المجتمع الطبقي، وبناء مجتمع بلا طبقات: المجتمع الشيوعي. إن نضال الطبقة العاملة من أجل تغيير الشروط الاجتماعية يؤدي إلى تغيير وعيها، فالوعي في جوهره ليس إلا انعكاساً لشروطه الاجتماعية." ص١٢
"فقد قدم الفكر الديني العالم ككيان غامض لا يمكن فهمه، ولا يجب فهمه، كي يبرر ضرورة استمرارية الحكم الإقطاعي، ولهذا فقد أرجعت الأيديولوجيا الإقطاعية العلم إلى مصاف الفكر اللاهوتي القديم الذي لا يشرح العالم بل يشرح كيف أن هذا العالم محكوم في مساره بقوة وحيدة هي قوة العناية الإلهية، وبذلك قسمت العالم إلى عالمين أحدهما خاضع للآخر، فالعالم المادي يخضع للعالم الروحي، والإنسان للطبيعة، وروجت بهذا فلسفة القبول، تلقي وقبول العالم كما هو، كعالمين أحدهما يخضع للآخر." ص١٦
"تأكدت الشخصية الإنسانية أكثر بمجيء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية البرجوازية، فالنظام البرجوازي في صراعه ضد الكنيسة والإقطاع أعاد للإنسان إنسانيته وللعقل قيمته. وهو قد فعل ذلك بحكم الضرورة التاريخية كنقيض للمجتمع الإقطاعي." ص١٧
"لكنها - فلسفة عصر النهضة - لم تنجح في تحليل الصيرورة التاريخية بشكل موضوعي، فكل تحليلها تم عبر مقولة الذات، مقولة الفرد كإنسان «حر» في النظام الرأسمالي، حرية البيع والشراء." ص١٩
"لا يشكل مفهوم ماركس للدين وحدة ثابتة جامدة، فهو قد واكب وزامل التغييرات التي حكمت تطور فكر ماركس. وعلى هذا يمكن أن نميز ثلاث لحظات في رؤيا ماركس للدين اللحظة الفلسفية، اللحظة الأنتربولوجية، أما اللحظة الثالثة فترتبط بمفهوم ماركس العلمي للعالم، أي بالمادية التاريخية والمادية الديالكتيكية." ص٢٠
"وعندما نقد ماركس الشاب الدين فإنه استند بدوره إلى أسس فيورباخ النظرية، ولا شك أن تأثير فيورباخ في ماركس كان كاسحاً في فترة ١٨٤٢ - ١٨٤٤" ص٣٣
"لقد خرجت كتابات ماركس الشاب من معطف فيورباخ، وإذا كان هذا الأخير قد قصر اهتمامه على مشكلة الاغتراب الديني، فإن ماركس الشاب أخذ مقولة الاغتراب هذه وحاول رصدها في جميع مجالات المجتمع المدني والسياسي." ص٣٣-٣٤
"وبشكل عام، فإن كتابات فيورباخ، شكلت نهاية الفلسفة الهيغلية ومهدت لفلسفة جديدة، إنها نقطة تحول، ممر، وجسر يصل بين فلسفتين الفلسفة الكلاسيكية الألمانية، والفلسفة الماركسية التي بدأ ماركس في بنائها بعد أن تجاوز الجسر الفيورباخي الذي مشى عليه خلال سنتين من حياته النظرية، أي عندما كان في مرحلته الأنتربولوجية : فلسفة الإنسان." ص٣٤
"تولد السماوات من الأرض، ويشكل شقاء الأرض وبؤسها
تربة ذلك الكيان السماوي، فالدين يحمل على الرغم من أساسه الوهمي احتجاجاً ضد البؤس، لكن هذا الاحتجاج الذي ولده البؤس بائس بدوره لأنه في جوهره استطالة وتأبيد لهذا البؤس" ص٣٧
"فالبؤس الديني تعبير عن البؤس واحتجاج ضده." ص٣٧
"الدين هو زفرة المخلوق المعذب، وروح عالم بلا قلب، كما أنه فكر عالم يفتقر إلى الفكر، إنه أفيون الشعوب." ص٣٧ *ماركس
"يتجلى الدين في هذا الشرط كأيديولوجيا تشرح وتبرر الواقع الموجود. ولا يقتصر دور هذه الأيديولوجيا على مستوى الشعور (الهروب في الخيالي) لكونها تفرز معها مباشرة آثاراً مادية، فالوعي الديني يتلازم مباشرة مع قبول الواقع البائس والاضطهاد، أي إنه يدجن الإنسان ويلقي به في قدرية مهلكة." ص٣٧
"إن جملة ماركس الشهيرة "الدين أفيون الشعوب" قد أسالت مداداً غزيراً نظراً إلى قربها من الأحجية. وما قصده ماركس بعبارته الشهيرة تلك ليس الهجوم على الدين من حيث هو دين، بل الهجوم على الشروط الاجتماعية البائسة التي تنتج الدين بشكل يومي. ففكر ماركس ليس أطروحة موجهة ضد الكهنوت والمؤسسات الدينية بل صرخة لاجتثاث البؤس وتغيير العالم." ص٣٧-٣٨
"يركز ماركس في تحليله على دور ووظيفة الدين من حيث هو معوض ومهدئ على مستوى الشعور، ونزوع عاجز نحو سعادة مفقودة يجب تملكها إلغاء الدين من حيث هو سعادة زائفة للشعب، مطالبة بسعادته الحقيقية. فالسعادة يجب أن تعاش لا أن تتخيل، لكن الإنسان لا يتخلى عن سعادته الواهمة إلا عندما يدخل في سعادة حقيقية.. أي عندما يغير واقعه." ص٣٨-٣٩
"حددت الأيديولوجيا الألمانية بداية الماركسية العلمية بداية تخلي ماركس عن وعيه السابق. لذلك حملت معها منذ البدء. ومنذ الصفحة الأولى، نقد فيورباخ ونقد مفهومه المثالي للدين." ص٤٠
"ويقدم لنا ماركس من خلال هذه الأطروحات المفاهيم التالية: ۱ - الدين انعكاس للواقع الأرضي بتناقضاته الاجتماعية. ۲ - ليس الإنسان «جوهراً» أبدياً بل كائناً محدداً اجتماعياً. - ٣- ليس هناك جوهر ديني لدى الإنسان أي ليس هناك شعور ديني ملازم للإنسان منذ ولادته."ص٤٠
"بقي فيورباخ قائماً وواقفاً في الحقل الديني بالرغم من كل هجومه على الدين، فأسبغ مفهومه هذا حتى على العلاقات الاجتماعية كالحب والصداقة والشفقة... ففي رأيه أن هذه العلاقات لا تبلغ كل قيمتها إلا بعد تقديسها باسم «دين». وباختصار فإن فيورباخ لم يهدف إلى هدم الدين بل إلى تغيير شكله وإحلال دين جديد مكان المسيحية، دين مادي من تحت ومثالي من فوق. لذلك فإن نقد الماركسية لفيورباخ يعني نقد كل مفهوم إنتروبولوجي للدين والإنسان، أي فهم الدين انطلاقاً من الشروط الاجتماعية المسيطرة، وهو ما فعله ماركس وإنجلز ابتداء من عام ١٨٤٥." ص٤٤
"بدأ ماركس بعد عام ١٨٤٥ بداية مرحلته العلمية، التي شرع في صوغها بعد أن أخذ ينأى عن ضباب الفلسفة الألمانية، وهنا اكتسب مفهوم الدين أساسه النظري المادي، أي أصبح يفهم ويحلل من خلال نظرية ماركس في الأيديولوجيا التي صاغها بشكل متسق في كتابه مساهمة في "نقد الاقتصاد السياسي"."ص٤٥
"يقول ماركس: "في الإنتاج الاجتماعي لوجودهم، يدخل البشر في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، علاقات إنتاج تتطابق مع درجة تطور محددة لقواهم المنتجة المادية. وتشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي الأساس المشخص الذي يقوم عليه البنيان الفوقي الحقوقي والسياسي الذي توافقه أشكال وعي اجتماعي محددة"." ص٤٥ *كارل ماركس (نقد الاقتصاد السياسي)
"يحدد نمط إنتاج الحياة المادية عملية تطور الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية بشكل عام." ص٤٦ *كارل ماركس
"هذا يعني أن «إصلاح» الواقع وتغييره لا يستتبعه بشكل متواقت تغير مواز في ميدان الشعور والتصورات. وعلى الرغم من ارتباط البنى الفوقية بالبنى السفلية فإنها تظل متسمة باستقلال ذاتي نسبي في تطورها ونموها. فالوعي يعكس الواقع لكنه ما يلبث أن يعود فيؤثر فيه. لذلك فإن الماركسية ترفض اعتبار الاقتصاد أساساً ومفتاحاً وحيداً لشرح الظواهر." ص٤٧
"إن العامل المحدد في التاريخ، على المستوى الأخير، هو الإنتاج وإعادة إنتاج الحياة الواقعية ... إن من يشوه هذا الافتراض بجعل العامل الاقتصادي المحدد الوحيد، إنما يحوله إلى جملة فارغة، غامضة، لا معنى لها." ص٤٨ *فريدريك أنجلز
"فكل طبقة على الرغم من تحددها بمكانها في الانتاج مضطرة خلال نضالها من أجل السلطة أن تعدل وتعيد صوغ أفكارها من أجل بقائها واستمرار وجودها، بحيث لا يصبح فكرها انعكاساً مباشراً لموقعها الإنتاجي. ٢ - يوجد بين البنيان السفلي، والبنيانات الفوقية التي تتأثر بكل أشكال الصراع الطبقي أوليات ذات تركيب منطقي - زمني. يوجد منطقياً وزمنياً : بنيان سفلي اجتماعي - بنيانات فوقية - بنیان مادي للبنيان الفوقي." ص٤٨-٤٩
"معنى ذلك أن البنيان الفوقي لا يتحدد بالبنيان السفلي بشكل سكوني وميكانيكي، بل يتحول وتغتني دلالته من خلال الصراع الطبقي: أي يصبح للبنيان الفوقي بنيان مادي خاص به على الرغم من ارتباطه بالبنيان السفلي، وبذلك يرفض غرامشي النموذج المبتذل والآلي الذي يرى في كل الظواهر الاجتماعية صورة سلبية، صورة مرآة للبنيان الاقتصادي المسيطر." ص٤٩
"تحتفظ ميادين الوعي الاجتماعي بخصوصيتها، فهي لا تعکس حاضرها فقط بأفكاره وأيديولوجيته، بل تعكس أيضاً بعض مركبات الأيديولوجيات السالفة المرتبطة بالماضي والمترسبة في قاع الشعور والتي تعمل في الحاضر وتؤثر فيه على الرغم من انتمائها إلى الماضي، فالماضي الأيديولوجي لا يموت بسهولة، وكثيراً ما يحاول أن يتسيد على الحاضر. لذلك تتابع التقاليد والأيديولوجيا الغيبية وجودها - لفترات محدودة - حتى في المجتمع الاشتراكي وكذلك في أوساط الطبقة العاملة حتى في أكثر البلدان الرأسمالية تطوراً." ص٤٩-٥٠
"يقول ماركس: "تجثم تقاليد جميع الأجيال ثقيلة على دماغ الأحياء"، ويقول أيضاً في رأس المال "يمسك الميت بالحي"." ص٥٠
"إن المفهوم المادي للتاريخ لا يرى في الدين والتصورات الميتافيزيقية كياناً مستقلاً ذا حياة خاصة، لكنه انعكاس بدرجات متفاوتة للبنيان الاقتصادي للمجتمع، فالدين والفكر هما إنتاج اجتماعي يختلف شكله مع تطور الصراع الطبقي ونمط الإنتاج، ولا تشرح المادية التاريخية الشروط المادية للمجتمع من خلال الوعي الديني، بل تشرح الوعي الديني بالشروط المادية، فالمفهوم المادي للتاريخ يرى الحركة الاجتماعية تاريخياً، كسلسلة خاضعة لجملة قوانين ليست مستقلة فقط عن إرادة البشر ووعيهم، بل هي محددة لهذه الإرادة وهذا الوعي، فالوعي لا يلعب إلا دوراً ثانوياً في مسار التاريخ ولا يمكنه أن يلعب دوراً فعالاً إلا في شروط تاريخية محددة عدم تطابق علاقات الإنتاج مع القوى المنتجة لذلك، فإن نقد الدين الذي عمر كتابات ماركس الأولى، أخذ بالتراجع تماماً مع بزوغ نظرية ماركس العلمية التي تتمحور في دراستها على الفترات الاجتماعية المحددة اقتصادياً وليس على دراسة الوعي ومشكلية الإنسان." ص٥١
"ويمكن أن نعرف الأيديولوجيا بأنها انعكاس الحركة الظاهرية للعلاقات القائمة في وعي ذوات الإنتاج المنتجون بشكل عام) وصياغة مذهبية لهذا الانعكاس بواسطة منظري الطبقة السائدة فالأيديولوجيا إذن صورة مقلوبة أو مضللة للواقع، وتلعب دوراً مبرراً للعلاقات القائمة، وتكون بذلك تعبيراً عن مصالح الطبقة المسيطرة في ميدان خاص كالاقتصاد والسياسة) أو في ميدان عام (الدين، الأخلاق الفلسفة، الفن،...). فالأيديولوجيا بشكل عام هي انعكاس الواقع المعيش في الوعي من خلال منظور الطبقة المسيطرة ومصالحها." ص٥٢-٥٣
"وتشكل الأيديولوجيا سواء من حيث نمطها الأول أو الثاني نظام تصورات اجتماعياً محايثاً لكل المجتمعات يهدف إلى تشكيل الإنسان وتغييره بحيث يكون قادراً على «خدمة» المجتمع الذي يعيش فيه، أي إنها تعد الفرد ليعكس القيم والمعايير المسيطرة ويساهم في حفظها وبقائها ليست الأيديولوجيا نظام تصورات ساكناً وأبدياً، فهي تتغير موضوعياً وتغير ذاتها بشكل واع أيضاً عندما تتغير علاقات الإنتاج القائمة وعندما تبدأ رياح الصراع الطبقي تعصف بأركان النظام القائم. عند ذلك تبدأ الأيديولوجيا المسيطرة بفقدان كونيتها كتعبير عن رؤيا المجتمع بأسره." ص٥٣
"ترغب الطبقة المسيطرة في إعطاء وجودها طابعاً أبدياً، فتقدم من أجل ذلك أيديولوجيتها كنظام أفكار وسلوك لا طبقي، صالح لكل المجتمع، أي تحاول أن تجعل من مفهومها للعالم «إسمنتاً» يمسك بأحكام كل البناء الاجتماعي معتمدة في ذلك على مثقفيها وترسانتها الإعلامية. وهذا يعني بالضرورة أن هذه الأيديولوجيا لا تقدم صورة الواقع كما هو، بل صورة مشوهة ومضللة له، صورة مشوهة للصورة الحقيقية." ص٥٣
"فهناك إذن لحظتان في ميدان الأيديولوجيا: الأيديولوجيا كانعكاس موضوعي للواقع، أي انعكاس محدد بدرجة تطور القوى المنتجة والوعي المرتبط به الإنسان البدائي لا يمكنه أن يفهم العالم من خلال العلم بل بواسطة الأسطورة). والأيديولوجيا كنظام أو معتقد صاغته الطبقة المسيطرة." ص٥٤
"نصل من ذلك كله إلى نتيجتين : أ - الأيديولوجيا ضرورة مطلقة لكل كلية اجتماعية، وتشكل بذلك لحظة لا غنى عنها في كل نمط من أنماط الإنتاج بسبب دورها التاريخي الوظيفي في كل مجتمع، وهي بذلك جزء عضوي من كل مجتمع. وكل مجتمع يفرز أيديولوجيا كحزمة مقولات ضرورية التنظيم وتأطير نمط حياته، وكجواب عن تاريخيته ومتطلباتها. (...). ب - كل أيديولوجيا هي وعي زائف يرتبط بوضع اجتماعي محدد لا يسمح بوعي صحيح. ويحدد هذا الوضع الاجتماعي مفهوم الفرد للعالم وممارساته اليومية. وتبدو الأيديولوجيا ظاهرياً كمعرفة منظمة للعالم، مع أنها في الحقيقة تضليل يرتدي ثوب المعرفة." ص٥٥-٥٦
"بذلك يقبل الفرد المستغل مكانه في المجتمع كمكان طبيعي، ويرى في الدولة كياناً عقلانياً طبيعياً يقف فوق الطبقات ولا يعكس علاقات طبقية محددة، ولذلك فهو يخضع لقوانين الدولة ومتطلباتها وللواقع الاجتماعي وخصائصه كظواهر سليمة صحيحة، لا ثغرات ولا نواقص فيها ، أي ينسى التناقض الاجتماعي الذي يحكم طبيعة الدولة وشكلها." ص٥٦
الكتاب جيِّدٌ في نواحٍ ولم أستحسنه في نواحٍ أخرى، منها شرحه لفكرة ماركس إزاء الدين التي تتناقض بين الحين والحين. "الدين أفيون الشعوب" تحمل ما تحمل من معنى جوهري مقصده أن الدينَ جوهرٌ في كل شيء، لكن ما أتى على ذكره مؤلف هذا الكتاب هو تأويلٌ مغلوط كما أحسبُ لفكرة ماركس، إذ يذهب إلى دعوى فصل الدين عن شؤون الإنسان، وليست هذه دعوى ماركس حقًّا إن شرَّحنا مذهبه.