بين يديَّ ديوان (ما عاد في العمر ما يكفي لقسوتهم) للشاعر السعودي المعاصر عبدالله السفياني.
الديوان خفيف الوزن، نظيف الظاهر، جيد الباطن، يشتمل أكثره على معشرات، ولا توجد قصيدة طويلة، وربما هذه هي رغبة المؤلف.
الديوان يشتمل على الشعر العمودي والتفعيلة، وقد أجاد فيهما لو أنه تجنب التكرار في بعض الصور والمعاني.
طريقة كتابة القصائد عجيب غريب فبعض الأسطر لا يحمل إلا كلمة واحدة ولا أدري هل هذا تجديد أم ماذا؟ لا سيما إذا كانت القصيدة عمودية، وقد نبَّه على هذا قبل سنين طويلة الناقد بدوي طبانة حينما حذَر من استنزاف الحبر والورق على قصيدة تحتملها صفحة واحدة؛ ولكنها كُتبت في أكثر من هذا بداعي التمطيط.
وتفكيك البيت الواحد على عدة أسطر موضة قد انتهجها كثيرٌ من الشعراء المعاصرين فما الدافع يا ترى؟
كثرة تسويد الصفحات وملأ الفراغ الناتج عن قلة المادة المكتوبة؟
الله ورسوله أعلم!!
الإبداع يأتي شذرا في هذا الديوان، يجيء كومضات على بيداء الورق كقوله:
تعبت أسأل في آثارهم لغتي
تعثر المبتدا واستوحش الخبرُ
وقوله:
ما عاد في العمر ما يكفي لقسوتهم
تقاذفوا القلب أحبابي وأعدائي
وصدر البيت هو عنوان الديوان وهو عنوان غير موفق؛ لأنه عنوان طويل يقتل الكتاب من الناحية التسويقية، وحبذا لو اختصره إلى (ما عاد في العمر) ليتشوَّق القارئ إلى معرفة ما الذي لم يعد متبقيا في هذا العمر، ليبحث في الديوان ويجد التكملة (ما عاد في العمر ما يكفي لقسوتهم)، وسيكون لحظتها التأثير أبلغ وأنفذ.
وهذا البيت من قصيدة أتت في أوّل الكتاب، وكان الأولى أن تكون القصيدة في المنتصف أو الربع الأخير كي يتشوق القارئ إلى هذه القصيدة وإلى هذا الشطر الذي تم عنونة الكتاب به.
ونضرب مثال بعالم الصحافة كما قال ديفيد ميكيس:
يمتلك الصحفيون سر مهنة عظيمة جدا يسمونه قطعة البندق(nut graf) يقصد به الفقرة أو المقطع الكتابي.
تحتوي كل مقالة في جريدة، أو قصة في مجلة على حبة بندق، لا تكون في الأول مطلقاً.
يحبون الصحفيون أن يخبئوا حبة البندق ليجعلوا الأمور أكثر تشويقاً للقارئ، وليحافظوا على انتباهه)
فليت شاعرنا أخفى حبة بندقه حتى الأخير.
الديوان من القطع المتوسط يقع في 93 صفحة من إصدارات دار تشكيل الصادر عام 1439هـ.
أفضل الشعر القديم على الحديث ولكنّي بين فترة وأخرى أحاول قراءة بعض الدواوين الحديثة.
وقد أعجبتني بعض النصوص في هذا الديوان مثل:
وَحيدٌ.. واسمهُ أيضاً وحيدُ وفي عينيهِ: أشواكٌ وبيدُ ينامُ على احتمالاتِ التلاقي ويصحو لا يُصافحهُ البريدُ يفرُّ من العيونِ إذا تلاقتْ ففي عينيهِ أسئلةٌ تميدُ
نصوص سريعة القراءة، اعجبني عدد من النصوص ككنايات على جدار الكلام!، قنطرة الضياع، بحة الماء!، لون النشئة الأولى وحيرة. لكن طريقة تنسيق النص والسرد سببت لي بعضا من التشتت.