منذ البدء يقترحُ الشاعر زكي الصدير في "عودة غاليليو" ما يشبه المانيفستو الشعري، الذي يتأسس على الانفلات من إيقاع الرتابة، والخروجِ عن المألوف بحدس المتمرِّد، بعيداً عن كليشيه المفاهيم المُضادَّة والصور المعكوسة. المعارضة في هذا الكتاب، تأتي من ملمحٍ شعري يظهرُ جليّاً في اقترافِ الحياة، قبل الكلمات. تلك التفاصيل، التي لا تتوقَّف عند حدِّ سردها، أو عدِّها في قوائم موائد الكون، إنَّما تلعبُ دوراً أهمّ من مجرَّد وجودها، لعلَّه حضورها ككائناتٍ يتعاملُ معها الشاعر بدِقَّة مجرِّبٍ يختبرُ وهم الخلاص. يصرِّح الشاعر في قصيدة "حفلة الموتى": أُمَنِّي نفسي بالخلاص الخلاصِ الذي يلفُّ جِلْدَ الكون ينتظرُ الطوفان يُعلِّق أحاجيه في العتمة. تكشفُ قصيدةُ زكي الصدير عن نفسِها في صفحةٍ متفرِّدة، حولها بياض مُريب. صورةٌ لبابٍ ماثلٍ في الفراغ، لا يمكنُ تجاوزهُ دون مفتاحٍ في اليد، هكذا نقرأ ما تريدُ قوله الكلمات، ما ترسمه لنا من طرقٍ وإن تشعَّبت، وما تمنحنا من دهشةٍ تمتزجُ فيها الأشياء بالاحتمالات، صانعةً عالمها في عالمٍ آخر. في قصيدة "قلب زهري مفتوح" كتب الصدير: هربتْ للتّوّ من عملِها، لتُقابلَ غريباً في مَقهى فتاةٌ عذبةٌ ترتدي تنّورةً سوداءَ وقميصاً أبيض الجديلةُ التي في يدي كانتْ لها الفنجانُ في يدِها كان لي لم تتعرَّفْ علينا هو بقميصٍ زهري وأنا بقلبٍ مفتوح.
لا يتردَّد زكي في زعزعةِ ما تطمئنُّ إليه اللُّغة، منطلقاً من حدسه الشعري الأول بالعالم، كما لو أنَّه يعيدُ تشكيله المرَّة تلو المرَّة، وقد دمَّره بيديه دون ندم. ليبدو من قصيدةٍ إلى أخرى وكأنَّه يتقمَّص أدواراً يدَّعي أنها تنجيهِ من ظلمِ الأسقف الواطئة، والنوافذ المغلقة، والتاريخ المتراكم عند كلِّ العتبات. يعتذرُ عن سيرة الدَّم واللَّيلِ المالح المليء بالقتلة، يسرد هواجسه في العتمة، يتجوَّل بحقيبةٍ فارغة ويكتب وصيته لغريبةٍ عابرة في البيت، وحين أدرك أنَّ الطمأنينة أخت الموت، راح يلعبُ للمتعة ولإحصاء الاحتمالات... خائفٌ... حتَّى في القولِ «إنَّكَ خائفٌ» خائفٌ لا تجرؤُ أن تشيرَ إلى الشمس ولا أن تهمسَ لأحدِهِم «إنَّ الأرضَ تدور»
لا شكَّ أنَّنا نستحضرُ غاليليو العائد في هذه القصيدة حتّى قبل اكتمالِها، لنترُك الأرض تدور ونذهبَ بخطى غير خائفة إلى عالم الشاعر السعودي زكي الصدير في مجموعته الشعرية "عودة غاليليو" التي صدرت ضمن مجموعة "براءات" التي تصدرها الدار وتنتصر فيها للشعر، والقصة القصيرة، والنصوص، احتفاءً بهذه الأجناس الأدبية.
قراءة/ عودة غاليليو /شعر/اصدار دار المتوسط 2018 عدد الصفحات /86 ____
تجربة شعراء القطيف "انتاجا" تعتُبر قليلة جداً نسبةً لسكانها , ولكَ أن تذهب لمكتبة كأطياف "الدار اليتيمة كناشر بهذا المدينة شرق السعودية" لتبحث عن كتب الشعر "حسناً الجيد منه" لايكفي مطلقاً عنونة كتاب ب "الشعر" ليكُن" صالحاً للهضم الأدبي. فمحمد الماجد "كتابان" مثلاً ومؤخرا أفسح "شفيق العبادي" المجايل للماجد عن نتاجِه الأول؟ ولنزيح "ديوان العوامي" الأديب والمترجم والشاعر جانباً الفائز بجائزة معرض كتاب الرياض قبل عدة سنين.. اذن هناك "حياءاً" كبيراً بإنتاج هذا الجنس الأدبي عطفاعلى كمية الأمسيات التي تميل للدينية أغلبها والمناسباتية بعنوان "أمسية شعرية". هذه المقدمة لن تزيح أحداً من الشعراء لم تُذكر أسماءهم وهي توصيفاً لاأكثر. تجربة الصدير تعدُّ جيدةٌ جدا بالنسبة لنتاج الآخرين فزكي منذ "جنيات شومان" وصولا ل عودة غاليليو -محلّ الحديث- مرورا ب "حانة و "شهوة الملائكة" تجاوزة محنة "الحياء الإنتاجي" فكان له بصمة كذلك بالحضور بالأمسيات والنبرة الصوتية التي أشبّهها " بشجن أحمد مطر", تجربة الإنتاج والإصدار الأدبي هي محلّ النضوج الذي تباين فيها زكي فكان بجنيات شومان "يستعمل الأسطورة الدينية" للحضور الشعري الذي تشابكَ فيهِ المسرحيّ مع الأغنية ونزعةُ الصوت , وكان ب "حانة" ذاتيا محمّلاً شجن الوطن "الذات" وكان بشهوة الملائكة " لذيذ اللغة التي تباينت بين الجسد والخلاص". توقّف "الصدير" عن الإنتاج لعدّة سنوات رجع بها ب "عودة غاليليو"\ اصدار المتوسط\ 2018 - الدار التي أمست محلّ أنظار الشعراء لتبنّيها الشعر- بالنثر الذي تقريبا كان نصف عمله الأخير "شهوة الملائكة" , فتباينَت القصائد تاركةً الموضوع فقاربَ مواضيعَ عدّة بهذا العمل , وبرأيي "لو تبنّى عنواناً آخر ك "وحدي دون قصد" /ص69 القصيدة الأجمل بهذا العمل "بظني" كانَ أجدى , فغاليليو الذي حضَر بقصيدة يتيمة لايبرّر العنوان ولا الغلاف ’ وتمرّد الشاعر على الحالة الاجتماعية الشائكة لايبرّر عودة غاليليو كعنوان مجددا بظني" . فأغلب قصائد العمل "الذي قرأته أربع مرات والخامسة سريعة" كان ذاتية بلغة خالية من الحشو ورقيقة بلا زركشات فيقول مثلا تحت عنوان "القهوة الصدفة" ص11 :
أغالبُ القهوةَ أنتظرُ انتهاءَها في جسدِ الفنجان
وتحت عنوان "حتمية" ص17 : "أن تكُن افتراضياً هذا يعني أنّك مرتهنٌ لحافةِ الكون"
فيواصلُ "الصدير" تنظير الشاعر ورؤيته الشعرية عبر إعادة تعريفِ المفرادات : ص42 : " العدمُ المطلق الذي استطاع الفرار من قبضة الوجود"..
فيكتب تحتَ بيان ص9 : "في كلّ مرّةٍ أتهجّى فيها اسمي النابتَ من قبيلةٍ منسيةٍ في شرقِ الجزيرة.." . كذلك بأجمل قصائد العمل يكتبُ الصدير تحت عنوان "وحدي دون قصد" ص69 :
صدفةً جئتُ بسحنةٍ سمراء بلكنةٍ شرقية بملوحة البحر على جلدي
وأخيراً العمل يراكم تجربة الشاعر وملحوظتي التركيز على الموضوع الذي نجح فيه ب"جنيات شومان" أجدى عند القارئ وللشاعر القدرة بالركضِ فيه.
"يقينك بالعطش كان أكبر من شكّنا في الماء لست وحيدًا لكننا لسنا معك"
"لم تكن المسافة عائقًا كان ينقصني شعور قلق بأنني ضائع أن تكون آمنًا؛ أن تكون ميتًا الطمأنينة أخت الموت العالم مجرد فرصة ضئيلة للفرح لعبة طارئة لإحصاء الاحتمالات ولأنه لا يمكن أن يكون اللاعب إلا طائشًا أو مجنونًا، هكذا، للمتعة فقط: نلعب."