هذا الكتاب هو سجل لقصة السلام بين مصر وإسرائيل في كامب ديفيد يرويها وليم .ب . كواندت مستشار الرئيس كارتر، سجل قد يبدو مملًا في بعض أجزاءه بسبب طول العملية التفاوضية والتحضيرية حتى قبل الوصول إلى كامب ديفيد.
في بداية الكتاب يذكر لنا كواندت كيف يتم صناعة القرار السياسي الأمريكي، وحجم وتأثير اللوبي الصهيوني في هذه الصناعة، ولاشك أنه تأثير كبير، حتى أنّ ذلك اللوبي المؤّيد لمناحم بيجن كان يُشكّل حملًا ثقيلًا على كارتر، من جهة أخرى يُلقي كواندت الضوء على نقطة مهمة، وهي أنّ أي رئيس يأتي للولايات المتحدة يحتاج لمزيد من الوقت حتى يفهم السياسة في الشرق الأوسط، ويظل في البداية رهين مستشاريه، وإلى أن يبدأ في الفهم العميق، يكون قد قطع شوطًا كبيرًا من فترة ولايته الأولى ثم يولّي ظهره للشرق الأوسط مركّزًا على الانتخابات لولايته الثانية، وبرأي كواندت هذه من عيوب النظام الرئاسي الأمريكي .
كتاب كواندت يجعلك تقف على الشاطئ الآخر، وهو الشاطىء الأمريكي لرؤية كيف كان يتم صنع السلام بعيون أمريكية. يجزم كواندت أنّ كارتر كان لديه نيّة صادقة في تسوية مسألة الصراع العربي الإسرائيلي، وفي نهاية الكتاب يعترف كواندت أنّ فهم كارتر للصراع المصري- الإسرائيلي، كان أفضل من فهمه للصراع العربي _الإسرائيلي .
في بداية ولايته بدأ كارتر في التحرّك نحو فهم المعضلة العربية، وقام بعدة مقابلات مع رؤساء الدول العربية، التقى السادات في البيت الأبيض، وكانت هذه المقابلة بالنسبة لكارتر مثمرة جدًا، وتركت انطباعًا حسنًا عنده بأنّ السادات يريد السلام، ويُلقي إلينا كواندت بملاحظة وهي أنّ السادات كان يضع أمام كارتر بشكل مباشر ما يمكن له أن يتنازل عنه، من أجل أن ينتزع بالمقابل تنازلات من الجانب الإسرائيلي.
كانت نقطة البداية التي انطلق منها كارتر والسادات هي مؤتمر جنيف الذي يُشارك في رعايته الاتحاد السوفيتي مع الأمريكان، لكن الأمر لم يبدو سهلًا، فمن جانب وصل إلى رئاسة الوزراء في إسرائيل رجل متشدد وهو " مناحم بيجن" الذي يتمسّك بعدم التفريط في الأراضي المحتلّة أو التراجع عن بناء المستوطنات، ومن جانب آخر اشترط العرب للوصول إلى مؤتمر جنيف تخلّي إسرائيل عن الأراضي المحتلّة " مبدأ الأرض مقابل السلام"، لكن بيجن كان يرفض الوصول إلى جنيف بناء على اشتراطات مسبَقة .
وفي نفس الوقت كان وضع منظمة التحرير الفلسطينية وإمكانية حضورها إلى جنيف من الأمور المقلقة للجانب الإسرائيلي الذي كان ينظر إليها بوصفها منظمة إرهابية. كانت الأمور حقيقة معقّدة، وكان الجانب السوري برعاية الأسد يتلاسن مع نظام السادات، وكان السادات كما يقول كواندت يحتقر الأسد، ووعدت السعودية في حال التوصل إلى تسوية بعدم تكرار أزمة النفط، وبات الطريق أمام السادات وكارتر وكأنه قد سُدّ.
لكن كواندت يقول أنّ السادات كان يتعمّد إثارة الخلاف العربي من أجل الوصول إلى تشوية منفرِدَة مع إسرائيل. ينقل لنا كواندت رسالة بخط كارتر إلى السادات يذكّره فيها بتعهداته له في البيت الأبيض بتحقيق السلام، وأرسل السادات رسالة لكاتر بأنه سيفاجأه بخطوة إيجابية .
لم يكن السادات فعليًا متحمسًا لمؤتمر جنيف، ووصل إلى قناعة تفاوضية بالوصول مباشرة إلى الإسرائيليين، وبالفعل قابل رجل السادات " التهامي" نظيره الإسرائيلي "ديان" في المغرب ودارت بينهما مناقشات حول السلام، ثم أعلن السادات في مجلس الشعب استعداده للذهاب إلى الكنيست، وهي الخطوة التي أعجبت الأمريكان، وبشكل يبدو مؤسفًا يوضح كواندت أنّ الوضع الداخلي في مصر لم يكن يقلق السادات، وإنما كان يشغله رد الفعل العربي. وهكذا يبدو المصريين وكأنهم رهن رغبات الحاكم.
عندما ذهب السادات إلى الكنيست وألقى خطابه، كان موقف بيجن كما هو، نفس الموقف المتشدد، لكن زيارة السادات كسرت الوساطة الأمريكية من جانب، وفتحت الطريق للمفاوضات المباشرة، ومما يجب ملاحظته هنا أنّه لم يكن يرغب فعليًا في تنحية الجانب الأمريكي، بل العكس هو الصحيح، فالسادات كان يستهدف من السلام الأمريكان قبل الإسرائيليين، وإنما أراد السادات دفع عملية التفاوض للأمام، وتقوية موقف كارتر في الداخل الأمريكي.
وبعد زيارة السادات للكنيست جاء بيجن ووايزمان إلى الإسماعيلية للتفاوض مع السادات الذي لم يشعر بالراحة مع بيجن على عكس وايزمان، هنا يقدّم كواندت ملاحظة مهمة وهي أنّ مستشارين السادات كانوا أكثر تشددًا منه، وأنّ الإسرائيليين حاولوا التحدّث إلى السادات بعيدًا عن مستشاريه، لكن تفاوض الإسماعيلية لم يحرز تقدمًا، فلم يقبل بيجن بالعودة إلى حدود ١٩٦٧ أو التخلّي عن الضفة الغربية التي يُطلق عليها بيجن يهودا والسامرة، وكان السادات يريد أن ينتزع الاستقلال الذاتي للفلسطينيين حتى لا يُقال أنه باعهم .
لكن يبدو- وهذه ملاحظة كواندت- أنّ السادات كان أكثر تساهلًا في القضية الفلسطينية بالمقارنة بالتزامه المتشدد في الحصول على سيناء كاملة بدون أي تواجد إسرائيلي. وهنا بات طوق النجاة الأخير في دعوة كارتر للسادات وبيجن إلى كامب ديفيد.
وخلال ١٣ يوم في كامب ديفيد بدت المفاوضات شاقة ومرهقة، لكن هنا ملاحظة مهمة يقدّمها لنا كواندت، وهي أنّ السادات كان واقعًا تحت ضغط شديد أكثر من بيجن، فمن ناحية فإن الأرض المصرية لا تزال مُحتلَّة من الجانب الإسرائيلي، ومن جانب آخر كان السادات قد راهن كثيرًا على تلك اللحظة وخسر كثيرًا من رصيده العربي حتى يحقق ذلك السلام، وبالتالي كان تحقيق السلام بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت، ولم يكن بيجن في الجانب الآخر يعاني من كل ذلك.
كان ييجن وفق كواندت مفاوضًا بارعًا جدًا، ولا يُعطي تنازلات بسهولة، في الوقت الذي فاض الكيل بالسادات حتى أنه قرر ترك كامب ديفيد والعودة إلى القاهرة، مما جعل كارتر يقوم بتهديد السادات، محذرًا أنّ ذلك من شأنه أن يقطع العلاقات بين مصر و الولايات المتحدة، وفوق ذلك يقطع صداقته به. ورضخ السادات، وبدأ المفاوضات من جديد. ولكن بالنهاية يرى كواندت أن بيجن ربح أرض إسرائيل كلها بينما فرّط فقط في سيناء، وذلك في مقابل التطبيع والتمثيل الدبلوماسي، بل وتحييد القوة العسكرية المصرية، ولذلك يرى أنّ جزءًا من اعتداء إسرائيل على لبنان راجع إلى تحييد القوة القتالية المصرية، وبالتالي لم يكن على الإسرائيليين أن تؤمّنوا جبهتين وتشتيت قواتهم فيهما.
إنه ما من شئ يمكن لنا أنّ نتعلّمه من متابعة السجل الطويل والممل أحيانًا من المفاوضات التي ذكرها كواندت= أكثر من أننا في مصر رهينة لرغبات النظام، الذي يقوم بتحديد الأعداء، والذي يتنازل لهم ويتفاوض معهم وفق رغبته وهواه دون رقيب، ويبدو من المآسي أنّ بيجن بعد أن وافق مبدئيًا على إرجاع سيناء للمصريين رهن ذلك بموافقة الكنيست، لم يكن بيجن سلطة مطلقة ممثّلة في شخصه يقرر بهواه مستقبل بلاده، بينما كان السادات يقامر ويغامر بتاريخ بلاده و بمصائر الفلسطينيين وبدماء الألآف التي روت هذه الأراضي التي تم التفريط فيها، أو التلاعب بالسيادة الوطنية التي وهموا الناس أنّ التضحية من أجلها هي أسمى مراتب التضحية.