رواية جميلة وساحرة مستوحاة من قصة حقيقية كما يقول الكاتب يوسف البنخليل، تنطلق بنا في رحلة تجوب وديان الجزيرة العربية وتغوص في بحار البحرين، تبدأ القصة بخبر وفاة مريم ، امرأة بحرينية عجوز تغمض عينيها منهية آخر فصول قصتها الطويلة الشاهدة على تاريخ الخليج ، متمثلة في قصة زوجها عطية ، فما هي قصة عطية يا ترى.
عطية طفل صغير ولد في عشرات القرن الماضي في قرية بيشة في عسير غرب المملكة العربية السعودية حاليا، وكانت واحة غناء بطبيعة جبلية ، وفي يوم من الأيام كان عطية وصديقه عبدالرحمن يلعبان في احدى التلال الخضراء ويلاحقون ابو العريس ، فجأة اذ ظهرت لهما عصابة من قطاع الطرق ، لتسرق الطفلين وترحل بهما في جوف الصحراء.
يسقط الطفلين في يد الشيخ ابن مبارك قائد المجموعة، ينتبه الأطفال إلى عادات هذا التنظيم، رجال قساة ولكن لهم بعض المبادئ، إذا جاء الليل تأهبوا بأسلحتهم واغاروا على أناس آمنين هنا أو هناك، وجاؤوا محملين بالغنائم والأموال، ولا يتكلمون عما قاموا به في الغارة، ولما وصلوا إلى نبع ماء وجدوا شيخا يعيش لوحده مع نسائه، فعاملهم بلطف وضيفهم، وتسائل البعض من الاتباع عن إمكانية الاغارة على هذا الرجل ، فنهرهم قائدهم ابن مبارك ، الذي وإن كان يقودهم نحو اللصوصية والقتل لكنه يضع قدرا من الالتزام بأخلاق المروءة العربية، وحين لا يكون هناك دولة تبسط الأمن في صحراء شاسعة، تكون القبائل دولا متحركة تشكل جيوشها الخاصة وتبحث عن موارد مالية في أرض شحيحة الزروع والثمار.
ينتهي المطاف بالقافلة في سوق الأحساء، يباع عطية على تاجر بحريني اسمه الشيخ جاسم ، ولفتني ذلك المشهد حيث خرج ابن مبارك ورجاله وحانت من عطية دمعة وألم لأنهم سيتركوه ، أولئك اللصوص الذين سرقوه ومعهم صديقه عبدالرحمن ، أراد أن يغادر معهم لأن الانسان دائما يفضل الواقع السيء على المجهول ، ولكن من الأفضل أنهم غادروا وتركوه مع الشيخ جاسم الذي تحدث له منذ البداية أنه لن يعامله إلا معاملة الأب لابنه .
يأخذ الشيخ جاسم ولده المتبنى عطية إلى البحرين، ينصدم عطية بمشهد البحر، يعبر بسفينة ليصل إلى البحرين، ويحطان في بيت الشيخ جاسم في الحد، يصبح لعطية عائلة جديدة، ابوه الجديد جاسم وأمه بيبي واصبح لديه اخ في نفس عمره اسمه جابر واختين ايضا، وكانت كل أوضاعهم على ما يرام، فالشيخ جاسم نوخذة (ربان سفينة) له من الأملاك والحظوة الكثير.
جاء موسم الغوص ودخل عطية مع اخوه جابر مع أبيهم الشيخ جاسم إلى البحر، يقدم الكاتب مشهدا توثيقيا للحياة هناك ، السفن والناس وغيرها ، كانت تلك السنة التي دخل فيها عطية البحر هي أسوء سنة غوص في تاريخ البحرين ، فبينما كان البحارة نائمين في مراكبهم ، إذ هب الهواء شيئا ما ، ثم أخذ بالتصاعد وتحولت الرياح إلى عاصفة هوجاء ، في وقت قصير وقياسي أصبحت السفن التي ترسو في الشواطئ وتلك التي تطفو في أعماق الخليج ، أصبحت هشيما تذروه الرياح ، تقلبت السفن وتكسرت على رؤوس قاطنيها، ومات خلق كثير من أهل البحرين ، وفي القصة فقد الشيخ جاسم ولده الوحيد جابر ولم يبق له إلا عطية ولده المجازي.
وكانت تلك أول الأوراق سقوطا من شجرة اسرة الشيخ جاسم، ومرت سنين عجاف بالبحرين غزا الطاعون فيها كل مكان، وكل يوم كان الموت يلتهم الناس في أحياء الحد، ولم يكونوا آنذاك يدركون أهمية العزل الصحي، فكانوا يدفنون الموتى من الطاعون ثم يصابون بالعدوى، وهكذا فتك الطاعون ببنات الشيخ وزوجته والخادمة حتى لم يبق معه سوى عطية.
يقرر جاسم أن يذهب إلى المفجر (المفير) شمال قطر بصحبة عطية، هناك حيث يسكن أقربائه وتوجد له بعض الأملاك، ثم لم يلبث طويلا حتى عاد إلى البحرين ، حينها أصبح عطية شابا قويا ، وقرر أن يستقل عن ابيه وأن ينضم للعمل في (اليبل)، يقصد به جبل الدخان في وسط البحرين حيث موقع آبار النفط، عندما يذهب عطية إلى مقابلة التوظيف يسألونه عن اسمه، وكانت هذه أول مرة ينتبه فيها إلى إسمه ، فهو ليس ابن جاسم، بل ابن بخيت بن ناصر في قرية بيشة.
في ذلك اليوم عند عودته من العمل ، رأى فتاة تتجول مع أمها في أحياء الحد وأعجب بها ، وبقى يحلم أن يتزوجها وهو في عمله الذي كان يتطلب منه المعيشة والنوم في مكان العمل كل أسبوع ما عدا عطلة نهاية الأسبوع، وفي عمله في شركة النفط بابكو حصلت الحرب العالمية الثانية ، وشهد فيها كيف تمت محاولة قصف القواعد النفطية في البحرين، ومرت الأيام و استمر في التواصل مع ابيه جاسم الذي اخذت صحته تضعف شيئا فشيئا، حتى فارق الحياة موصيا بإعطاء ثلاثة ارباع أمواله لعطية ، وبعد ذلك الحزن يتزوج عطية بمن رآها ذلك اليوم ، اسمها مريم ، فتاة من الحد عاش أهلها على البحر والتآلف، وكانت له نعم الزوجة.
بعد ذلك ستحدث حادثتان عظيمتان ، أولهما حين ايقظت مريم زوجها حين شمت رائحة حريق، فاستيقظ عطية مسرعا يبحث ولم يجد في البيت حريقا ، وتسامع عطية الصراخ في الخارج فذهب ينظر فرأى الناس في هول عظيم على ما جرى على جزيرة أم الشجر ، وهذه الجزيرة الصغيرة كانت قرب الحد ، مفصولة عما سواها بالبحر من جميع الجهات ، تنمو فيها الأشجار الجميلة وتعيش فيها بعض العوائل، انها تحترق الآن مخلفة الأضرار والآلام الكثيرة، ومن يومها لم يسكن أحد هذه الجزيرة حتى تم ردم البحر واصبحت جزئا من مدينة الحد.
والحادثة الثانية التي حكاها الكاتب هي حين ذهبت مريم إلى سوق المنامة لتتسوق حاجياتها، وشاهدت في المنامة من تطور ما كان عجيبا ولافتا، اذ لم تكن الحد آنذاك سوى قرية ريفية بسيطة، كما كان في ذلك السوق ثقافات وأعراق ومذاهب متعددة، وفي ذلك اليوم حدثت حادثة الهدة كما اسماها الكاتب ، ولا اعرف متى حدثت ولماذا حدثت ، ولكن من الواضح من كلام الكاتب أنه يقصد ان شجارا طائفيا حصل وسالت فيه الدماء.
وفي بيشة ضرب مثل جرت به الركبان وقالوا "عطية بيرجع" كناية عن التفاؤل والأمل ، فماذا سيجري لاحقا لعطية، هل سيهاجر من البحرين؟ هل سيذهب ليبحث عن أهله في بيشة؟ وكيف ستنتهي القصة يا ترى
من الواضح أن الرواية كتبت من أجل التاريخ أكثر من القصة ذاتها، والكتابة يغلب عليها الأسلوب الصحفي بعض الأحيان ، ولكن مع ذلك فقد أعجبتني الرواية ففيها جهد تاريخي كبير وكانت ممتعة لي وكذلك فقد كان فيها أسلوب أدبي جيد وكانت أغلب أحداثها مؤثرة.
توجد ثمة هواجس موجودة في هذه القصة، هاجس الانقراض حاضر في القصة، الأحبة كلهم رحلوا والأطلال غاب رسمها مخلفة حسرة في القلوب، فأين اهل بيشة من أم وأب وأسرة، وأين عائلة جاسم قد دارت عليهم رحى الأيام ، وأين قرية المفير التي اندرست، وأين أم الشجر، وأين الأطلال الدارسات في الحد، حيث الذكريات القديمة، وأين عطية و أين مريم.
هاجس آخر يضعه الكاتب في مقطع قصير جدا وهو هاجس التعايش في الوطن بين السنة والشيعة، ويعبر بأسلوب لطيف ومعبر عن تخوفات السنة من الشيعة من وجهة نظره، في أن يأخذ الآخرون من الشيعة نصيبا أكبر من نصيبنا، في الكراهية المختزنة من وجهة نظره، في الإحساس بالخطر وعدم الأمان، في بعض الذكريات السلبية عن بعضنا البعض ، وهذه الأفكار مهم أن تطرح بشكل هادئ كما طرحت في هذه الرواية، وسبحان الله كيف أن الروايات أيا كان كاتبها تطرح اصعب القضايا بشكل لطيف ويمكن تفهمه ويمكن الإحساس بشعور ابطال القصة ، وهذا أفضل من المقالات الرنانة التي تكون في الغالب مباشرة وهجومية وفي النهاية لا تورث إلا مزيدا من الكراهية من الجهتين.
. .
اقتباسات جميلة من الرواية
"هكذا هو حال الصراع الذي لم يتوقف في مجتمع يتجرع الحداثة، وقد يكون تجرعا قاسيا لأنه أجبر عليه" كأنه كان يلمح إلى سلبيات موجودة في هذا التطور السريع التي شهدته البحرين مع الاستعمار البريطاني واكتشاف النفط، عبارة تستحق التأمل
"هكذا هو ألم الوطن عندما تفارقه، وتنتقل إلى بلد آخر، وتظن أنك في وطنك، ثم تكتشف أن الوطن ليس في بيشة أو الحد أو المفيرأو جدة ، بل الوطن في داخلك تحمله معك أينما ذهبت، عاش عطية غريبا عن وطنه، كون له وطنا ثم رحل عن وطنه، وطنه مريم .."
“بحر أخضر ولؤلؤ أحمر” للكاتب يوسف البنخليل رواية ملهمة تستعرض فصولًا من تاريخ الخليج العربي في بدايات القرن العشرين. بأسلوب أدبي مشوّق، يأخذنا الكاتب في رحلة عبر ثلاث دول خليجية: البحرين، السعودية، وقطر، لنسبر أعماق قضايا الهوية، الانتماء، وحب الوطن.
تجمع الرواية بين حبكة تاريخية وأحداث إنسانية مؤثرة، حيث يكشف البنخليل عن التحديات التي واجهتها المجتمعات الخليجية في تلك الحقبة، مسلطًا الضوء على التشابه بين الثقافات الخليجية ودورها في تشكيل هوية المنطقة.
“بحر أخضر ولؤلؤ أحمر” ليست مجرد رواية، بل شهادة أدبية فريدة تعكس روح الماضي وتحاكي تطلعات المستقبل. تُشيد هذه الرواية بعبقرية السرد وقدرة الكاتب على تحويل وقائع تاريخية إلى عمل أدبي يلامس القلوب.
من الروايات التي تسير معها برفق في محطات مختلفة من التاريخ البحريني، فتعرف ما يردده اجدداك من امثال ولماذا تضرب، تكون حيناً بين اروقة الحد القديمة وتارة أخرة بين النواخذة لتعرف ماهي "سنة الطبعة"، ثم تتقدم بك الاحداث مع تقدم السنوات في الرواية لتشهد على بداية العمران في البحرين مع اكتشاف البترول ورحلة الشباب البحريني إلى "اليبل"حيث توفير لقمة العيش. واظنها ستوفر علي الكثير من الوقت في قراءة التاريخ حيث أن الكاتب بذل جهدا كبيرا في تحويل الاحداث التاريخية الى رواية سلسة وجميلة في أول عمل روائي له
رواية من أدب الرحلات، تتحدث عن سيرة (عطية)، الصبي المختطف من مدينة بيشة السعودية، رواية واقعية صاغها الكاتب في ثوب رواية، وكأن الرواية شاشة يشاهد منها القارئ فيلمًا سينمائيًا مؤثرًا، يسرد فيه الكاتب تاريخ منطقة الخليج سنة الطبعة وسنة البطاقة وغيرها من أحداث تاريخية وكأننا انتقلنا عبر آلة الزمن في رحلة شائقة، نتطلع لمطالعة كتاب آخر للمؤلف.
This entire review has been hidden because of spoilers.
اجمل مافي الرواية هي ذكرها الأحداث التاريخية الي صارت في البحرين
الرواية مستوحاة عن قصة حقيقة و عن شخص اسمه عطية..
تعتمد بشكل كبير على الاسلوب السردي، ماكان في واجد تعمق في القصة واضح ان الكاتب هو كاتب سياسي لانة العمل كان بحاجة لأن يمتلىء بالمشاعر ، القصة فيها احداث مثيرة و جميلة و لكن كانت جافة و الكاتب كان يسردها بسرعة..
يوسف بالبنخليل شخصية معروفة و كاتب معروف..ولكن الكتاب كتحربة الروائية كانت تحتاج انه يضع الكاتب "جزء من نفسه فيها".
ما جذبني لهذه الرواية هي كونها منبثقة من قصة حقيقية. ما حدث لعطية حقيقة.
أعلم بأنها أيضًا أول رواية يكتبها الكاتب.. كانت خير بداية.
نقاط القوة في الرواية كما ذكرت هي كونها قصة حقيقية وهذا بحد ذاته يكفي لأن يقرأها الناس ويتعلمون منها ما يتعلمون. قصة تستحق الكتابة.
ما وجدته ضعيفًا يكمن في طريقة الرواية.. بعض الأحداث كانت تروى على شكل معلومات وليست على شكل مانجده في الروايات على لسان الأبطال. أتفكر إلى الآن.. هل ستكون أمتع لو حُدِّثت على لسان شخصية من الشخصيات؟ أم أن الكاتب لجأ لهذا الأسلوب لأنه مناسب لكتابة مثل هذه القصة؟