رغبت في إظهار جمال تراث فني هو، في نظري غير قابل للتشويه، لفرادته وتميز فضائه»، هذا إضافة إلى محاولته «إظهار ما أراه أساسيًّا، وهو ارتباط الفن الإسلامي بالمجتمعات الإسلامية، العربية وغير العربية، حيث ساهم مسار هذه المجتمعات الاجتماعي والثقافي، في نظري، في إبراز أهم سمات الفن الإسلامي، أعني التوحيد». على أن هذين الإظهارين تبلورت معطياتهما ملياً، على مدى عشرة فصول، جمع آخرها خلاصة الكتاب، الذي اثبثق مضمونه من رحم الفكرة التالية، التي شكلت قاعدة نهوض مقوماته الجامعة: «الفن الإسلامي باعتباره فناً للمسلمين، حيث لم يجد فنانوه في أي لحظة من لحظات تاريخهم الاجتماعي حاجة إلى اللجوء إلى سواه، للتعبير عن معنى آخر غير معنى الوجود الإلهي، لا في الموضوعات ولا في الأشكال ولا في المعاني، لذا فإنه «يتنفس ويحيا بشرايينه الاجتماعية، لا بل بإمكاننا القول إن الاجتماعي في هذا الفن، لشدة أصالته وبلاغة تمثيليته، تحول إلى نزعة مجتمعية شاملة». وفق المؤلف في الصفحتين (69 - 75).
وفي خلاصتها، تشهد الدراسة للفن الإسلامي بأنه: صنف خاص من الفنون، في مجاله وموضوعاته ومعناه، يدين بوجوده، جوهراً، للدين الإسلامي، فلولاه لما أبصر النور بكل بساطة. وهو فنّ يتحرك في مجال الفنون الدينية، غير أن حركته، في هذا المجال، تختلف عن حركة سواه، لأنّه فن جوهراني يوحي برسالة روحانية خاصة، لا ينكشف مضمونها الحقيقي إلا لمشاهد جوهراني أيضاً، يشارك هذا الفن نظرته الفريدة إلى العالم والكون. وموضوعات الفن الإسلامي كلها، في العمارة والأرابسك والخط، مستوحاة من الدين الذي هو مرشد للنظر إلى أمور الحياة كما إلى أمور الكون، لذلك تنطلق نظرة الفنان المسلم وموضوعاته من فوق، من السماوات والكون الأبعد والمجرد، لا من تحت، من الأرضيات والطبيعيات.
والفن الإسلامي، يجمع رمزياً بين فضاءَين، لا يلتقيان عند سواه، كما يلتقيان في كنفه، وهما الفضاء الإيماني والفضاء الاجتماعي، لاعباً دور الرديف، الفاعل والحي، بالنّسبة الى الدين، ما يكسِبه حضوراً متعدد الأبعاد، في الحياة الاجتماعية، مشكلاً تواصلاً معرفياً عميقاً ومستداماً، يؤدي إلى إنشاء دائرة بصرية واحدة يتحرك فيها الإسلام والفن والناس. هي - وكما يسميها المؤلف - «دائرة الإسلام البصري والفكري والاجتماعي»، حيث لا مكان سوى لوحدانية الله والكون والمجتمع. لذلك نجد غياباً لمفهوم محدد للفنان في الفن الإسلامي.
كذلك فليس هناك جمهور محدد للفن الإسلامي، فالناس كلهم، من دون استثناء هم بمثابة جمهور هذا الفن، الذي هو فن لكل زمان، فالانسجام التّام والسكون البنيوي في علاقة العناصر الثلاثة (الدين والمجتمع والفنان) في الفن الإسلامي، أبقياه خارج ما يعرَف بـ «تاريخ الفن»، إذ لا وجود لحقبات تاريخية دالة للفن الإسلامي ولا الأساليب أو الأنماط بالمعنى التاريخي للكلمة.
وهذا الفن هو فن عام وكلي، وذلك بفضل «هابيتوس الجمال الإسلامي» (أي جوهر الهوية المعرفية لجماعية الوعي المنتِجة للفن الديني). فلقد شارك الفن الإسلامي عبر الموضوعات التي اختارها والأشكال التي عمّمها والمعنى الذي واظب على إعطائه لأعماله طوال عشرة قرون ونيّف، شرقاً وغرباً، في تكريس ونشر الهابيتوس الإسلامي في صيغ جمالية مبتكرة وفريدة. لأنه فن: «أوجد استعدادات بصرية، تطابقت مع معرفة دينية، بحيث يمكننا أن نقول اليوم، إن فناني هذا الفن قاموا بمهمتين، لكل منهما صعوباتها الضمنية: حيث تمكنوا من ناحية، من استيعاب جوهر الإسلام، وتمكنوا من جهة ثانية، من ابتكار رؤية جمالية تندغم في الرؤية الاجتماعية العامّة.
فردريك معتوق (1949م) هو عالم اجتماع وباحث وكاتب وأكاديمي لبناني، له العديد من المؤلفات والكتابات باللغتين العربية والفرنسية، وحاز في العام 2017 «جائزة الإبداع لأهم كتاب». كما جرى تكريمه في غير مناسبة.
ولد معتوق في بلدة سرعل (زغرتا) 1949، نال الباكالوريا اللبنانية في الفلسفة في العام 1969، وحاز إجازة وماجستير في الآداب الفرنسية من جامعة ليون في فرنسا في العام 1973، ثم أكمل دراسته العليا وحصل على دكتوراه حلقة ثالثة في العلوم الاجتماعية من جامعة تور (فرنسا) في العام 1976، كما نال في العام 1979 دكتوراه دولة في العلوم الاجتماعية من الجامعة نفسها بتقدير مشرّف جداً.
الكتاب يتحدث عن الفن الإسلامي في المجتمع بوصفه جزء منه ومعبرا عنه حيث الفن جمعي وليس فرداني، فالزخرفات وقطع الآرابيسك والمساجد لا تحمل توقيع الفنان عليها كما هو في الفنون الأوروبية، فهوية الفنان تذوب في الجمعية التي توحد هذا المجتمع في المسجد والسوق والبيمارستان وكل شؤون الحياة. والمجتمع هو من حفظ هذه الأعمال عن طريق الأوقاف فالمساجد عاشت حتى أيامنا على عكس قصور الأثرياء التي أصبحت أثرا بعد عين بسبب الأوقاف فكل مسجد له أملاك موقوفة لصيانته ورعايته فحفظها بدأ جمعيا واستمر جميعا، وهو معبر عن هذه الجماعة التي تتمثل الدين في حياتها فالفنان هو وسيط بين المجتمع والدين فهو يتعلم الخط ليكتب كلمة الله ويصمم الأرابيسك ليتأمل في خلق الله لذلك لا يعتبر عمله إبداعيا ولا فرديا. كما يفرق المؤلف بين الأدب العربي والفن الإسلامي والأدب سابق للفن وهو من شقين شعر ونثر وفيه يعبر الشاعر عن "أنا" وعن موضوعات حياتية أرضية بينما الفنان يعبر عن "نحن" وعن تأملات جوهرانية، ومن ذلك تعددت أنواع الشعر وطرقه باختلاف الأمكنة والأزمنة وكان الفن الإسلامي هو هو في الشرق كما في الغرب ومن بداياته في مسجد قبة الصخرة والجامع الأموي إلى القرون المتأخرة في سمرقند والأندلس مع تغيرات شكلية تبعا للمكان لكن طل واحدا في جوهره. ويخلص المؤلف إلى أن الفن الإسلامي يتماهى فيه الدين والكجتمع والفنان ليعبر عن مجتمع واحد مرتبط برباط الدين.
طريقة الكاتب في استقراء الفنون/المجتمع مدهشة، أسلوب الكاتب ولغته تستحق الاحترام أيضًا: ميله للتبسيط والتدرج جعلت كتابه سهل التناول، يبدو لي أن الكاتب قد نجح في الجمع بين المنهجية والمرجعيات الثقافية المتعددة (تراثية/حديثة) دون ان يشوش تلقي القارئ العادي، استمتعت بالقراءة لولا تكرار بعض الأفكار الرئيسة في كل موضع..