ثمّة جانب إيجابي واحد للرحيل. الانسلاخ قد يكون مجدياً، رغم الندوب المعشّشة في الروح. ففي الرحيل نصبح آخرين. نرتدي جلد من كنّا نحلم أن نكونه، أو من يوفّر علينا الأسئلة الموجعة عمّن كنّاه هناك. شهيناز وصلت إلى بلد اللجوء. تاهت في شوارعه الباردة وعانقتها. أحبّت غزلان أعياده وأضواء بهجته. ونسجت علاقة حميمة مبنيّة على كذبة مع راوية. راوية لا تألف الشوارع. تسكن جسدها بصمت وخفر، كما تسكن أرضاً بكراً. بين الفتاتين عوالم شاسعة، كثيرٌ من المسكوت عنه، سنواتٌ من الخبرة الحياتية، وخمسة سنتمتراتٍ فقط بين سريرين في غرفةٍ واحدة خُصّصت لاستقبالهما. لكنّهما تتّفقان على حبّ التبولة. وهذا يكفي في صقيع الغربة. وفي الرحيل، نظلّ نحن أيضاً. نبحث عن الجلّاد رغم الحياة الجديدة التي مُنحَت لنا. فقد اعتدنا ألّا نذوق طعم العيش سوى بالألم. شيءٌ في داخلنا يحتاج إلى الحفر الموجع لنتنفس. هي العادة؟ هو مرض موروث من البلاد التي عشنا فيها مكَمّمي الأفواه في أمان وظلّ المارد الجبّار؟ أم هو الحبّ بكلّ بساطة؟ ربّما هو كلّ هذا، والرهان هو إعادة تدويره تحت سماءٍ جديدة...
كاتبة وطبيبة أسنان سورية, مواليد دمشق عام 1978. حازت عام 2010 المركز الثاني في مسابقة وزارة الثقافة السورية للقصّة القصيرة. جاء عملها الروائي الأول "مرّة" (2014) ثمرة مشاركتها في محترف الروائية نجوى بركات "كيف تكتب رواية".
Update: تقييم 4.5 -------------------------------------- 2.5 النجمة الأولى لبعض الاقتباسات التي أعجبتني كثيرا. النجمة الثانية لواقعية الأحداث. نصف نجمة للأسلوب السردي السلس. ما لم يعجبني في الرواية هو الرتابة في بعض الأحيان كما استخدام لغة أشبه بالعامية أحيانا. المواضيع المطروحة في الرواية هي الحرب السورية, اللجوء إلى الدول الغربية, الحب الأول, الكبت الجنسي, المال, الدعارة, العنف, المازوشية والساديّة, البطش العسكري, الهجرة, والغربة. تبدأ القصة بغزال زينة العيد وتنتهي بوشم غزال. بالإجمال أعجبتني الرواية واستطعت تخيّل الشخصيات كما لو كانت من لحم ودم. سأقرأ مجددا للكاتبة. ملاحظة: لا يعبّر الغلاف عن جو الرواية القاتم. أما العنوان فهو موفّق جدا.
في روايتها الجديدة «أعياد الشتاء»، ترسم الروائية السورية نغم حيدر صورة مختلفة شديدة الواقعية والمأساوية لفتاتين من سوريا اضطرتهما الظروف للجوء إلى بلدٍ أوروبية، تسعيان إلى مواصلة حياتهما فيها بعد الحرب والثورة التي قامت في بلادهما وباعدت بينهما وبين أحلامهما وآمالهما فيها، فذهبتا إلى ذلك المكان الذي تعيدان فيه اكتشاف ذاتيهما وحياتهما مرة أخرى.
شاهيناز وراوية، تجمع بينهما غرفة واحدة وتفرقهما الأحلام والطموحات وطبيعة شخصية كل واحدةٍ منهما، فبينما عاشت الأولى حياة السهر والمتعة واقتناص لحظات اللذة بين يدي الراغبين، عاشت الثانية في قلق وترقب، تخشى من كل ما يحيط بها وكل ما يمكن أن يشكل خطرًا عليها حتى أصبحت تراقب النهار والناس بأعين متحفزة، وتعودان كل يوم لكي تحكي كل واحدة منهما للأخرى ما وجدته.
أسِفت شاهيناز، لقد أصبحت مستبعدةً من كل شيءٍ بعدما كانت متوَّجةً على عرش الأسرّة الناعمة وكنبات الشبق المجنونة، بعدما كافحت بكلّها وتحمّلت روائح الرجال المحرومين ومناظر الكروش المشعرة فوق جسدها الناعم، أوساخ السهيرة وألسنتهم القذرة بعد العشاء الدسم، وكثيرًا ما أصيبت بحساسية وفيروساتِ وخرجات مؤلمة … أصبح عليها الآن أن تدفئ نفسها من جديد، وتبحث منذ البداية كمبتدئة بعدما كانت هي من يجري البحث عنها. لقد سخرت منها الأقدار أكثر مما يجب، على شاهيناز الآن أن تعتاد هذه المساحات الشاسعة من الشتاء.
مع شاهيناز وراوية تظهر في الخلفية شخصيات رجالٍ آخرين، يحمل كل واحدٍ منهم تاريخه بين يديه، ويثير حضورهم العديد من ذكريات الماضي الأليمة التي لا مفر منها، يحضر الضابط السوري المتغطرس «قتيبة» في حكايات شاهيناز كواحد من نماذج السلطة القمعية وما تمارسه على الناس هناك من قمع واستغلال للنفوذ والقوة من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية، كما يحضر فهد الحبيب الغريب الذي تحبه شاهيناز وتسعى للخلاص من سيطرته في الوقت نفسه، و«عرفان» الذي يبدو لراوية كحلمٍ رومانسي جميل وسط ما تعانيه من اغترابٍ ووحدة.
تبدو الشخصيات مسكونة بآلام نفسية لا خلاص منها، تقودها إلى تصرفاتٍ وأفعالٍ تبدو غير منطقية، ولكنها من جهةٍ أخرى تعكس تلك الصورة الواقعية المأساوية للحياة التي تعيشها النساء في المنفى، وما تلاقينه هناك من همٍ وضياعٍ وقسوة.
ستجد دومًا شيئًا يشبهها ويعيد إليها ذكرى الأيام الجميلة، لم تكن تتوقع أن لديها هذا المخزون المروّع من الذكريات، ولم تتعرف حقًا إلى قيمة البهجة التي عاشتها أو إلى مكانتها الرفيعة إلا حين سافرت هنا. هي متأكدة أن الجميع افتقدها، سألوا عنها في المخافر والمشافي والمقابر، حتى الفتيات اللواتي نلن نصيبهن منها بكين عليها فوق مغاسل الحمامات .. حتى أضواء الصالة المبهرة في سقف المنصّة ستتعطل مراتٍ عدة في غيابها من كثرة ما ستدور بحثًا عنها.
استطاعت الروائية أن تخلص نفسها من آلام الحرب في سوريا ومآسيها، وأن تركز أكثر على الآثار السلبية النفسية الكبيرة التي أصبحت تتحكم في شخصياتها وقراراتهم وتصرفاتهم في بلد اللجوء، وأن تستثير لدى القارئ علاقته الخاصة بموطنه وبلاده التي تبقى «وإن جارت عليه عزيزة»، وبقي أيضًا أن المكان الذي جمع بين شخصيات الرواية يمكن اعتباره مكانًا انتقاليًا أو معبرًا مثاليًا بين الماضي وما كان فيه من صراعات ومآسٍ، والمستقبل وكل ما يمثله من وعود استقرار وحياة هادئة يحلمون بها. على إضاءات https://www.ida2at.com/winter-feasts-...
الكتب مفاجآت؛ شيء عشوائي محض، والشعور الأمثل هو ذاك الذي يصاحب اكتشاف كتاب جميل. الوقوع على رواية جميلة هي واحدة من أجمل المتع التي لا زالت تُسعدني، لا سيما ذاك الكتاب الذي أدخله دون توقعات، ورغبة في ألّا يكون مزعج في سوءه على الأقل، تلك الكتب التي كنت قد اخترتها عشوائيًا أو لموضوعها أو لحديث صديق عنها.
رواية لا تكلّف نفسها عناء الكثير، لا استعراضات، أو مقولات جاهزة، إنما حياتين متوازيتين عاديتين للاجئتين في واحدة من البلاد الباردة التي أجهزت على الدفء في نار بلادهنٍ فحسب، وأبقت على لسعات الألم الحارقة للذاكرة.
التجربة كانت جميلة، وصعبة لواقعيتها ولصلتي الكبيرة بها في كثير من الأوجه. أحببت جدًا التنقلات الرشيقة التي داومت عليها الكاتبة بين مشهد وآخر.
نغم حيدر.. غزال يعدو في الساحة صدرت حديثًا رواية "أعياد الشتاء" للكاتبة السورية نغم حيدر (1986)، وهي روايتها الثانية بعد باكورتها "مُرّة" التي صدرت سنة 2014.
.لا تبتعد نغم حيدر في "أعياد الشتاء" عن الواقع السوري ومآلاته، إذ تحضر الحرب ويحضر معها اللجوء بعد حضورها كشخصية رئيسية في روايتها "مُرّة"، تعود نغم حيدر لتجعل المرأة كشخصية رئيسية في روايتها هذه التي جاءت في 144 صفحة، حيث اختارت من غرفة ضيّقة في أحد مخيمات اللجوء فضاءً سرديًا لها، لتنهض الرواية على حكاية امرأتين تلتقيان في هذه الغرفة وتتشاركانها لاحقًا. يُغيّر هذا اللقاء من حياة هاتين المرأتين شهيناز وراوية، وخط سيرهنّ، إذ تنفتح الحكاية هنا على حكايات أخرى موازيّة، ذلك أنّ نغم حيدر لا تبدو منشغلة في أن تروي حكاية هاتين المرأتين وحسب، بل وتبدي إلمامًا أيضًا في رصد تفاصيل العيش في مخيمات اللجوء، حيث يصير الإنسان إزاء بيئة وحياة جديدة لم يألفها سابقًا.
هكذا، سنتعرّف إلى "شهيناز" و"راوية" عن كثب. سنعرف أنّ الأخيرة قد اتّخذت من السرير العلوي في الغرفة مكانًا لنسج خيالاتها وعيشها، بينما فضّلت الأولى السرير السفلي لأسباب تتكشّف أثناء سرد الرواية، حيث نكتشف أيضًا هوس شهيناز بمطاردة الغزلان المضيئة والمُعلّقة في الشوارع، والمثبّتة إلى جوار نوافذ المنازل وتلك التي طُبعت على الأكياس البلاستيكية أيضًا. وعلى الجانب الآخر، تبدو هذه المرأة مهووسة بالبشر أيضًا، إذ تُراقب بدقّة أدّق تفاصيل المرأة؛ وجوههم وقبعاتهم ومظلّاتهم وحركة أقدامهم، ليتحوّل فضولها هذا إلى بحر تتداعى وتغرق فيه.
برأيي إن الكتابة عند نغم حيدر ليست دعوة لقضاء وقت من الترفيه والتسلية، أفترضُ أنها تعتبر القراءة كما الكتابة عملاً جاداً يتطلب جهداً من طرفي هذه المعادلة، ولكي يعبر القارئ الضفة الأولى من كتابها إلى ضفته الثانية، عليه أن ينتبه ويركز في التفاصيل التي زرعتها الكاتبة وسط الماء الجاري، التفاصيل التي تساعده في العبور والفوز بالقصة.
اقتباسات من الرواية: (كلمةٌ واحدة كافية لابتداءِ قِصةٍ وإنهائها).
(فلنفترض جدلاً أنه بإمكاننا نزعُ هذه النافذةِ المزروعةِ في الحائط ونقلها إلى حائطٍ آخر. إن إطلالتها الآن على الغابةِ الكثيفة ذاتِ الأشجارِ المُعرّاة بجانب السكن، جميلة. لكنها رُبما إن أطلّت على المدخلِ الغربيّ منه فإنها ستكشفُ سكّة القطارِ السريع الذي يمرّ، والطريق المُعَبّدة بالإسفلت والتي تروح وتجيء الدرجات الهوائية عليها. حتّى السماءُ ستختلف. غطاءُ المدينة من الغيومِ المُكدّسةِ المتّصلة سيأخذُ شكلاً آخر. ثمّ أننا إن انتزعناها مرّةً أُخرى ووضعناها بجانب بابِ الغرفة فستطلّ على بهوِ السكن. ما إن يُشرِّعها المرءُ حتّى يصادف الناس المتجولين بين غُرفهم والأولادَ الذين وجدوا في البهو فسحةً لجنونهم. فلنثبِّتها في السقفِ إذاً ونرى ماذا سيحصل. سيكون مطراً آخر بالتأكيد. طبقاتُ الصقيع التي ستحطُّ عليها ستجعل المنظر مُبهماً. وهذا جميل. أيمّا نقلنا النافذة سنرى شيئاً جديداً).
(لا يمكن للعالم أن يتقلّص إلى الحدودِ التي وضعتها جيهان. نعم. إذ أن راوية وفي اللحظة التي وطئت فيها قدمُها القارب المطاطي وجلست فيه منكمشة على نفسها، أيقنت أن الضفّة الأُخرى تستحق. اليابسةُ التي وُعدت أن تصل إليها سوف تنتشلُ فتوّتها الغريقة).
تتابع نغم حيدر في روايتها الثانية كشف أبعادٍ جديدة من شخصية المرأة في العالم العربي وهذه المرة بطرحٍ مشوق وجميل لتجربة فتاتّين سوريّتين للجوء في ألمانيا، وعلى الرغم من ارتباط كل ما يحدث للسوريين بالأحداث السياسية وتجاذباتها استطاعت الكاتبة التركيز على البعد الاجتماعي والانساني للقضية. كما أنها طرحت حياة اللجوء في ألمانيا من عيون فتاتين تعيشان حريةً مشتهاة، بما تحمله هذه الحياة من لحظات خوف وتردد بل وحنين للقيد القديم. اللغة في هذه الرواية كانت جميلةً كما في الرواية الأولى بانتظار جديد نغم حيدر، وبعدٍ جديدٍ للمرأة العالقة بين الحرية والانتماء.
فكرة الرواية جميلة جدًّا إذ تتحدّث عن وضع اللاجئات السوريّات في الغربة وكمّ الأسى الذي يعتمل حياتهنّ. بين بذاءة السلطة وسلاطة الحرب ومجون اللذّة تدير الكاتبة دفّات العمل. بداية الكتاب أفضل بكثير من نهايته. أصبح في نصف الجزء الثاني يميل إلى الإسهاب والتطنيب والحشو المدمّر للمتعة وهذه (بلوة) يعاني منها الكتّاب العرب. فما بالك إذا كان الكتاب بمجمله 136 صفحة فقط! الرواية ممكن ببساطة أن تكون في 50 صفحة وربّما أقل. كما ذكرتُ، فقدتُ متعتي بالكتاب تقريبًا بعد صفحة 60. أصبحت المشاهد بين راوية وجيهان مكرّرة، ومعاناة شهيناز مكرّرة أيضّا. صور رتيبة عن غرفة تجمع فتاتين لم أجد فيها أيّة نكهة أو رائحة أو لون... سرد بطيء ومملّ جدًّا. أقحمت الكاتبة مشاهد الجنس إقحامًا مزعجًا لا يمتَ للعمل بأيّه صلة وكان هذا الموضوع بالنسبة إليّ الحدّ الفاصل بيني وبين الاندماج بالحدث. السبب الذي جعلني أمنح الرواية 5 بدلًا من 2 أو 1 هو الموضوع المهمّ الذي طُرح وشخصيّة جيهان التي أعجبتني كثيرًا، ولم أفهم السبب الذي لم تتحدّث به الكاتبة عنها أكثر... ربّما لأنّها كانت مشغولة بالحديث عن سوتيانات شخصيّة راوية وكمّ مرة لحس عرفان شفتها؟ وكم مرّة مارست شهيناز الجنس مع قتيبة؟ أيضًا، من الأمور الإيجابيّة في الرواية، قدرة الكاتبة في بعض الأحيان على وصف المشهديّة بتقنيّة جيّدة.
هي رواية عن ذلك الماضي السوري الذي لا يريد أن يمضي في زمن البدايات الجديدة. هي رواية عن شاهيناز، التي أدمنت الألم، وراوية التي كانت المفعول به في حياة تصعب روايتها. هي رواية عن بدايات السوريين أو السوريات في مهجرهم، والتي لا تبشر بربيع قريب ولا يبدو أن غزلانها يمكن أن تحظى بشيء آخر غير الشتاء. يحسب للكاتبة، رغم عثراتها غير القليلة، تصالحها مع وجع الكتابة ورغبتها القاطعة باكتشاف معاني الكلمات. صوت سوري جديد يبحث عن نضجه الذي لا يبدو بعيداً.
- الرواية تتحدث عن لجوء فتاتين سوريتين إلى إحدى الدول الأوروبية بسبب الأحداث الحاصلة في سوريا منذ عام 2011.. تتحدث عن "شيهناز" الفتاة التي تعمل في الدعارة، وعن "رواية" الفتاة التي هجرت سوريا بعد اغتيال والدها، الفتاة التي تبحث عن الحب والحنان والإشباع الجسدي. . - رواية سيئة جدًا، كثرة المصطلحات الإباحية، كثرة وصف المشاهد الجنسية المقززة، ربما هدف الرواية الحديث عن معاناة اللاجئين، وأخذت المؤلفة أمثلة لفتاتين؛ ولكن تحولت من معاناة لاجئين يبحثون عن الحياة إلى معاناة عاهرة لا تعلم أين تجد نفسها. . - المؤلفة كان بإمكانها أن تقدم أفضل من ما قدمت، تملك كمية كبيرة من المصطلحات وطريقة جيدة في السرد. . - هناك إيجابيات بين السطور، مثل وصف حال بعض المسؤولين والضباط في بلداننا، آثار الحرب على الفرد، سوء اللجوء إلى موطن غير موطنك، كذلك المؤلفة توفقت في اختيار الغلاف والعنوان الجذابين. . - لا انكر ربما هذه القصص موجودة، ولكن كانت تستحق طريقة سرد أفضل، واستخدام مصطلحات أرقى. . - أول رواية اقرأها هذا العام، وأول كتاب على العموم، وأول رواية اقرأها للمؤلفة، لذلك أراها أسوء بداية على العموم. . - الرواية سيئة جدا، ولا انصح بها. . #إقتباس . - هُناك دومًا ذاك النقص، تلك النقطة السوداء القاتمة في أكثرِ المشاهد اكتمالًا، الكل إذًا أصبح النقص يحكه، ينخز صدره، ليست هي فقط المغتاظة منه.
قرأتها منذ مدة لكن شيئاً ما دفعني لتقليب صفحاتها اليوم من جديد فأعدت قراءتها، كنت أعرف الأحداث لكن الأسلوب السلس للراوية جرفني في تيارها. رواية رشيقة، تحملك إلى موقع الحدث وكأنك تسير في الشوارع وتستنشق العطر والروائح والأهم أن مشاعر الشخصيات تتسرب إلى داخلك فلا تعود على الورق بل تمشي ماثلة أمامك تقص عليك حكايتها.
للنجوم أعمار محددة، تحترق في نهايتها متحولة إلى ذرات غبار متفرقة طافية في الفضاء. أصغر ذرة غبار بينها طارت من يدي، عندما كنت أهمّ بوضعها في أولى خانات التقييم.
في صقيع بلد اللجوء تقيم بطلتا رواية "نغم حيدر" الأخيرة "أعياد الشتاء". غرفة ضيقة بالكاد تتسع لهما، لكنها تجمع متناقضات قد يعجز أي مكان عن استيعابها.
"شهيناز" و"راوية" صبيتان من سورية، وجدتا نفسيهما في غرفة واحدة بعد أن رحلتا عن بلدهما. وكان لا بدّ لعلاقة أن تنشأ بينهما... ونشأت على كذبة، لأن الحقيقة لا تقال دوماً.
خمس درجات تفصل بين سريريهما، لكن "فرق التوقيت بينهما كقارتين. الليل والنهار بينهما متفاوت. تستيقظ إحداهما لتنام الأخرى". لكن فرق التوقيت هذا ليس الاختلاف الوحيد، بل، ربما، هو الاختلاف الأسهل.
"شهيناز" فتاة جميلة، تخرج كل ليلة إلى الشوارع، تحب الغزلان المضيئة التي وُضعت احتفالاً بأعياد الشتاء. وترى أنها تشبهها. لديها صديق هو من كان يشغّلها، وهو من أنقذها في تلك الليلة التي كادت تموت فيها.
كل شيء يذكّرها بـ"قتيبة"، الضابط الذي كانت تتفنن في إمتاعه. الذي اخترعت التمثيليات وتقمصت الأدوار لإرضائه. الذي اكتشفت معه رغباتها السرية والعميقة. وعرفت مكامن اللذة في جسده فحلقت معه بعيداً.
ترسم "نغم حيدر" ببراعة شديدة شخصية الضابط "قتيبة"، تعود إلى طفولته وتخبرنا عن نشأته، عن زواجه وعن أطفاله. ورغم أنه رجلٌ قاسٍ وهو مسؤول عن اعتقالات وتحقيقات وتعذيبات، فإنها لا تشيطنه، بل تُظهر جانبه الإنساني وبخاصة في ما يخص علاقته بأطفاله، وهذا مما يحسب للرواية، إذ إن كثيراً من الروايات (السورية تحديداً التي تناولت السنوات الأخيرة) تحاول إظهار الجانب السيئ فحسب في الشخصيات التي تملك منها موقفاً مسبقاً، متناسين أن على الروائي أن يعبّر عن شخصياته بصدق حتى لو كان موقفه معاكساً لموقفها.
الجانب اللافت الآخر في "أعياد الشتاء" هو جرأة الكاتبة في الحديث عن جنسٍ، لا يمكن وصفه بالعادي، فهي تحكي عن "جنسٍ ساديّ"، واصفةً إياه دون مواربات، عارضةً أحاسيس الطرفين الشريكين في العملية الجنسية، ولعل من أبرز المشاهد براعةً في الرواية هو المشهد الذي تكون فيه "شهيناز" مستلقية لتضع وشماً على جسدها، وفيما الإبرة تخز جلدها وتؤلمه، تتذكر بالتفصيل آخر ليلة مع قتيبة. كل وخزة تحمل إليها صورة، وكل صوت يُرجع إليها صدى لما حدث.
"ضربها. رفع السوط بسرعة في الهواء ثم حطّ به على ظهرها. مرات عديدة وهو صامت. كأنه وضع ثقل يديه وعضلات جسمه جميعها في كل صفعة. (...) لم تستطع رفع رأسها لتراه. بقي خدها مستنداً إلى السرير. والآن فيما تدرز هذه الحسناء ظهرها، يمكنها أن تتوقع عمق انغراز الإبرة، ولون الحبر، ومساحة النقط. رغم الخدر هي قادرة على تخيّل الرسم وهو يُنقش. لكنها، في لحظة اتهام قتيبة لها صعقت تماماً. كما لو أن ذلك السؤال لغمٌ داست عليه فجأة".
أما "رواية"، الشخصية الثانية الرئيسية في الرواية، فلا تحب أحداً ولا يحبها أحد. بل إنها لا تحب جسدها، بمقاس صدرٍ لا يغري أحد.
لا تألف "راوية" الشوارع، وربما تخشاها أيضاً. في بلادها تركت أباً مفقوداً. ولكنها لا تنفك تشعر أنها "هي المفقودة منذ زمن. هي من تبحث عن نفسها ولا أحد آخر".
تكلم أمها "جيهان" باستمرار، وترسل لها النقود، وتلك تنفقها في البحث عن زوجها. كل ذنبه أنه في يوم من أيام المظاهرات "شق الباب" ليخبئ الشبان الهاربين. ثم أتوا واقتادوه إلى مكان مجهول، وهي لا تعرف عنه شيئاً. لكنهم أرسلوا يوماً يخبرونها أنه طلب "بيجاما". وهي تعلّقت بهذا الأمل. وصارت تزور المكاتب وتدفع الأموال كي تعرف أين هو.
رغم أن الابنة أخبرتها مراراً "الأب الذي رحل، قد رحل. وعليها أن تعلم أن البيجامات لن تصل إلى أصحابها، وأن المفقودين، أبداً لا يطلبون بيجامات".
في البلد القصي البعيد البارد، تفكر الفتاة لماذا تفعل أمها ما تفعله؟ لماذا لا تفقد الأمل؟ ثم يوماً ما، حين تعيش قصة إعجاب مع شاب في "الكامب" تدرك: "لا بدّ من أن جيهان تحبه كي تبحث عنه بهذا الشغف".
"شهيناز" و"راوية" لكلٍّ منهما حكايتها، وثمة علاقة حميمية ربطتهما، علاقة مبنية على كذبة، فلا الأولى أخبرت الثانية بحكايتها الحقيقية، ولا الأخرى فعلت. واحدةٌ أخفت قصتها، والثانية اخترعت واحدة مختلفة. ولا مشكلة في ذلك، طالما أنهما الآن في بلد جديد، لا أحد يعرفهما فيه، يمكنهما أن يصبحا إنسانتين جديدتين، بماضٍ متخيّلٍ أقل إيلاماً.
خاصة أن علاقتهما ستنتهي بانتهاء إجراءات الحصول على الإقامة، وعندئذ ستفترقان، وتفترق مسارات حياتيهما كما كانت مفترقة أصلاً. قد تتفقان على لقاء تجددان به حلمهما في حياة أخرى متخيّلة مختلفة عن حقيقة حياتيهما.
"متى نلتقي؟ يمكننا هذا دوماً. بعد شهر. أو شهرين. أو العديد من الأيام. وربما في ليلة احتفال آخر. نعم.. أراك. في إحدى أعياد الشتاء. في إحدى أعياد الشتاء".
في نهاية الرواية، قد نسأل أنفسنا: لماذا جمعت "نغم حيدر" هاتين الشخصيتين؟ أتكون مصادفة التقائهما في غرفة واحدة هي السبب فحسب؟ لكننا، سندرك ما لم تدركه واحدةٌ منهما.
اختلافهما الذي شعراه يخفي تحته شيئاً أكبر. كلتاهما كانت تقف في الجهة المعاكسة للأخرى، لا بما أعلناه، بل بما أخفياه تحديداً. "راوية" اختفى أبوها في مكان قد يكون من تحبه "شهيناز" وتتوق إليه مسؤولاً عنه.
مع ذلك، كلتاهما تحبان التبولة، وتأكلان��ا بمرح في تلك الغرفة الضيقة، بعيداً عن البلاد العنيفة. وهذا يكفي!