حكاية أطفال ثنائية اللغة (عربي وتركي)، تروي احتجاج الدمى وقيامهم بثورة، تقودها اللعبة توتي من أجل صديقتها سالي التي أرسلت الرسالة التالية إلى صاحبتها نادية:
العزيزة نادية.. مرحباً.. أنا سالي لعبتك..لقد قررت أن أترك المنزل، وأذهب بعيداً مع توتي ولولو، لأنني حزينة ومستاءة منك كثيراً. في الحقيقة أنا أريد أن يكون عندي ملابس كثيرة، وأريد أن تتعلّم صديقتي الخياطة.. سمعتك تقولين لوالدتك إنك لا تريدين التعلم. أنا حزينة وبائسة. وداعاً. لعبتك الستاء منك سالي
تنتصر الثورة ودياً، وهي نهاية كما كثير من الأحداث التفصيلية، سردت بكل حكمة وحبّ وعدم المعاداة أو الحقد بين الطرفين رغم العراك، فكل كلمة هنا محسوبة.
لا أظنّ ألوان الأزرق التي أحبّ هي من التي لفتت نظري بشكل أساسي حين كنت أتفقد المشاركين الآخرين في معرض الكتاب في اسطنبول آذار 2018، فقد كان كلّ شيء جذاباً، التشكيلة، العناوين، الرسوم، الإخراج، كله كان متقناً يعيد البهجة للكتاب العربي، والصدق والإخلاص وعدم النظرة التجارية لنشر الكتاب. بل ما أجملها من تسمية اختاروها، دار أزرق، والتي وقعت على أذني مماثلة ومنافسة أو بشكل ما تتمم -إذ قرأتها البحر والسماء-، تسمية الأرض الواسعة، دار النشر التي أعمل عليها.
لاحظت سريعاً أن الكاتبة واحدة لجميع الإصدارات وكذلك الرسامة، فأدرت وجهي فضولاً في القائمين الشباب على الجناح سائلاً عن الكاتبة والرسامة، والذي عرفت لاحقاً أنه ليس عملاً شبابياً كما اعتقدة للوهلة الأولى، إنما العمل الجميل هذا هو مشروع عائلي، الكاتبة هي الوالدة عبير النحاس، والرسامتان ابنتاها آية وراما الدقاق، وإدارة العمل لأخيهم معاذ الدقاق.
حاولتُ بعدها اختيار أحد الكتب من أجل الاطلاع أكثر فاخترتُ أحد العناوين الحساسة عندي، حيث أردت معرفة الفلسفة الموضوعة في قصتها، اخترتُ هذا الكتاب، ثورةُ الدمى، 112 ورقة سميكة قياس A4 تجليد فني ملون بملمس مخملي ولون أزرق سماوي، ثنائي اللغة عربي وتركي، كتابة عبير النحاس ورسوم راما الدقاق، بسعر 40 ليرة تركية.
في الحقيقة لا أذكر تماماً هل كان هذا في اليوم الأول أم الثاني ولكن كأنني أتذكر أن ذلك في اليوم الأول وسألت عن سعر الكتاب ولم أشتره لعدم حملي نقوداُ أو ربما لترددي في الشراء بسبب السعر،، أظنني في اليوم التالي توجّهت طالباً الكتاب بإهداء من الكاتبة والرسامة، فحصلتُ عليه بإهداء الكاتبة فقط مع وعد بإهداء الرسامة لاحقاً.
عودةً إلى القصة، فإنها تحكي قصة ثورة مثالية بألفاظٍ مختارة وتعابير بسيطة وغير زائدة، لا متعصبة غلى الثورة ولا مسيئة إليها، مليئة بابتسامة أبطالها خصوصاً العقل الأوعى راما. هذه الثورة التي تقوم بها، في الحقيقة تبدأها بدون قصد، البطلة الدمية توتي دفاعاً عن إخوتها الدمى الأخرى وحقوقهنّ بملابس جديدة واهتمامٍ من صاحباتهنّ، توتي تلك البطلة التي وصلتها حقوقها وعلاقتها بخير مايرام مع صاحبتها، والتي تدعمها في موقفها مع أصدقائها الدمة وتساعدهن، فتوتي تلك تُصبح مفتعلة للمشكلات من وجهة نظر أصحاب الدمى، وهي المحرّضة، رغم أنها في الحقيقة تضحي بنفسها من أجل الآخرين، وتهتمّ بالآخرين لأبعد مدى.
بالمناسبة، على أصحاب القصة أن يتجهزوا لمثل هذه الاتهامات من أهالٍ لأطفال قرأوا القصة، فهي ستكون من علّمتهم افتعال المشكلات والثورة! لن يلاحظوا كيف يتكرّر في القصة أن الطرفان يحبّان بعضهما وأن المشكلة أصغر من القطيعة، بل قد يتمّ التضحية بها في حال لم يتمّ الاتفاق، فتلك الدمية سالي، تدحرجت دمعة صغير عى خدها الجميل وهي تقول لتوتي :((لا أستطيع يا توتي، أنا أحبّ نادية وهي تحبني. أنا متأكدة من أنها حزينةٌ اليوم لأنني بعيدة عنها. إنها فقط لا تحبّ الخياطة)) ص36 وفي موضع آخر: ((لا ياراما..لا أريد أن أعود..أريد أن تحاول نادية تعلّم الخياطة، أنا متأكدة أنها تحبني، لكنني أريد منها أن تفعل شيئاً م أجلي)) ص37
بالنسبة لي، الحمد لله أن الثورة في القصة تنتهي بسرعة، قبل أن تفقد براءتها وتتنامى الأحقاد التي تُنسي أصل الاحتجاج والأولويات والمبادئ والمحبّة التي كانت موجودة، لتتحول أخيراً إلى حرب وجود!
ففي الصفحة 56 توقّفتُ وسجّلتُ تحفظاً بسبب حساسيتي اتجاه قضية الحقوق وأنني سأعود لاحقاً بعد أن أتبين نهاية القصة، فهنا أهم النقط التي وجدت أن القصة لا تتعدّى أو تتعصّب للثورة، ((سأكتبُ لهنَّ، وأخبرهنَّ أّ لهنَّ حقوقاً عند صاحباتهنّ، وأنهنَّ عليهنَّ أن يطالبن بها، وأنذ العناية بهنّ وتعلّم الخياطة لأجلهنّ حقٌّ من هذه الحقوق، وأنّ الدمى يحتجن إلى قوانين تحدّد نوع علاقتهنّ بالبشر))
وعلى طول القصة تساءلت، هل هي منبثقة من تفاصيل حقيقية بشكلٍ ما؟ وتساءلتُ هنا تحديداً هل تحتوي القصة حالة لو أحبّت سالي (الدمية المحتجّة الأولى) التراجع والعودة ما سيكون ردّ فعل توتي؟ وهل ستنجرّ في لعبة الثورة أو الصحافة أو.......؟
سامحوني إن عقّدت التفكير بهذه الحكاية وهي مجرّد قصة أطفال بسيطة كما قد يقول البعض. إلا أنني لا أوافق ولا أستهين بقيمة هذه القصة ومفرداتها، فكم جميلٌ فلسفياً، كوجوب ذكر، النقطة التي جاءت في الصفحة 58 ((أخبرتها سالي أيضاً بأنها ما تزال حزينة على فراق نادية، لكنّها ستصمد، وستنتظر ما يحصل بعد أن تبدأ توتي بتنفيذ خطتها))
على نفس المنوال كان من الجميل أيضاً تقصّد ذكر دعم راما (الإنسانة) لدميتها توتي، رغم الضيق والحرج الذي حدث في غرغتها، ولاحقاً في عدة مواضع ((تناولت راما الجريدة، وقرأت المقال، فضحكت طويلاً، لأنها لم تتوقع أن لعبتها ستكون من يبدأ ثورةً لدمى الحيّ. ثمّ قرأت المقال بشغفٍ ومتعةٍ مرةً أخرى، وقرّرت أن تترك لتوتي حريتها لأنها كانت بالفعل معجبة بأسلوبها وشجاعتها..)) ص61
كان طريفاً ووقعياً جداً أن تصرّ الدمى على الثورة دون أن يدروا تماماً من أجل ماذا؟ بتمثّل هذا في الحوار الذي دار ص 66-67 ((راما: يردن أن تعود الدمى معهنّ إلى بيوتهنّ. توتي: سأسأل الدمى ليُجبنكِ، ولن أجيب وحدي بشيء. تستدير نحو الدمى: ياصديقاتي هاقد أتت صاحباتكنّ، فماذا نفعل؟ سالي: قولي لهنّ إننا لن نعود إليهنّ إلا بشروطنا. نظرت توتي إلى راما وهي ترفع حاجبيها، وتبتسم، فسألتها راما بابتسامة: هل أقول لهنّ هذا؟!. توتي: بالتأكيد ياعزيزتي. راما: وما هي شرطكنَّ؟! توتي: ما شروطنا ياصديقاتي؟ سالي: لا أعرف. أنتِ كتبتِ المقالة، فاكتبي الشروط))
ليكون واضحا لاحقاً قاعدة موقف الدمى الثائرة التي تمثّلت بحوار بين توتي ودمية صغيرة حائفة ص76((قالت دمية صغيرة: أنا خائفة يا توتي..لا أحبّ أن يضربني أحد. اقتربت منها توتي، وقالت لها بحنان: لا تخافي يا صغيرتي. لديّ خطة وسننتصر. نحن لم نطلب سوى حقنا في المعاملة الحسنة, وارتداء الملابس الجميلة. نحن دمى ويجب أن نكون أنيقات))
أيضاً تقصّد ذكر نقطة فلسفية لها دلالات مهمة، من تواضع وحبّ الخير وعدم المعاداة والحقد رغم العرك، في الصفحة 108 ((خفضت توتي رأسها خجلاً، وقالت: أعتذر لأنني بلّلتُ ملابسكنَّ. ابتسمت نادية: كانت معركة لطيفة، لكنني أعترف أنّكنّ انتصرتنّ علينا، وكنتنّ أقوياء بفضل اتحادكنَّ))
وتنتصر الثور في الصفحات الأربعة الأخيرة والتي أنقلها دون تحديد للنقط الفلسفية في السرد، فالغاية هنا الإشارة والتأكد على مدىى ما يمكن للعمل القصصي الخاص بالأطفال أن يكون متكاملاً مليئاً بالحكمة والأصالة والمبادئ ((فتحت راما وتوتي الباب بلهفة للفتيات الخائفات فدخلن مسرعاتٍ، وأغلقن الباب بقوة، وقامت نادية بوضع خزانة الأحذية خلفه وهي تقول: الوحوش..إنها الوحوش..كانت ستأكلنا جميعاً..شكراً راما..شكراً يا توتي..لقد أنقذتمونا. قالت راما بابتسامة: مرحباً يا صديقاتي..سأعدّ لكنّ الشاي الساخن الآن. ابتسمت نادية: شكراً ياراما..تعم، هذا وقته نحتاجه لنشعر بالدفء، فملابسنا التي نرتديها مبللة.خفضت توتي رأسها خجلاً، وقالت: أعتذر لأنني بلّلتُ ملابسكنَّ. ابتسمت نادية: كانت معركة لطيفة، لكنني أعترف أنّكنّ انتصرتنّ علينا، وكنتنّ أقوياء بفضل اتحادكنَّ. قالت راما وهي تدخل غرفتها: الآن سآتي لكنّ بملابس جافة من خزانتي. أجابت نادية: ونحن سنقوم بتنظيف وترتيب منزلك، وسننتهي منه قبل الصباح، وسنصلح النوافذ من أموال حصالاتنا. ابتسمت راما وهي توزّع عليهنّ الملابس: وسنأكل الطعان نعاً. قالت نادية: وسنتعلّم الخياطة معك ياراما. صرخت الدمى لفرحة: شكراً..شكراً.. في الصباح كان المنزل نظيفاً ومرتباً، وكان كل شيء لامعاً وفي مكانه، وقد قامت الفتيات بتنظيف النوافذ وإعادة زجاجها من مدخراتهنّ، ونظّفن الجدران الخارجية أيضاً. غادرت نادية وصديقاتها المكان صباحاً دون أن يطلب من الدمى الذهاب معهنّ، وتعجّبت راما وتوتي، وبكت سالي شوقاً لصديقتها، وبعد ساعتين رنّ جرس الهاتف فرفعت راما السماعة:من معي؟. :أنا نادية ياراما..وأريدك أن تأتي مع الدمى إلى بيتي. : نعم، نعم يا نادية..سنأتي حالاً. خرجت راما وتوتي والدمى جميعاً إلى منزل نادية سيراً على الأقدام، وعندما وصلنً طرقت راما الباب، ففتحت نادية وهي تبتسم: أهلاً بكنّ..تنتظركن مفاجأة. ابتسمن جميعاً وهنّ يدخلن إلى الغرفة الجانبية في المنزل، وعندما فتحت نادية باب الغرفة وجدن العديد من ماكينات الخياطة مرتبة في الغرفة، ووجدن الفتيات جالسات أمامها في استعداد لبدء درس الخياطة الأول من المعلّمة راما. انتهت حكيتنا.. انتصرت ثورة الدمى))
رغم كل الإتقان عدى عن الإبداع أصلاً الذي احتواه الكتاب، وحيث أنني أقدّر وأعرف ما بُذل من جهود وسرعة اضطرارية في العمل من أجل لحاق معرض الكتاب، إلا أنّه كان غريباً رؤية خطأ أَعدّه مطبعياً، تمثّل بذكر راما بدل توتي في موضعين ص17 و ص56 وذكر صيغة المتكلم بدل المخاطب في ص44 وص53، هذا مما انتبهت له، ويزيده غرابة أنه سليم في الترجمة التركية!
شكراً للكاتبة عبير النحاس وللرسامة راما الدقاق ولجميع من قام على هكذا كتاب وأرجو التوفيق والاستمرار لدار أزرق....