القائمة الطويلة لجائزة البوكر 2019 ( 1/16 ) - رواية مي - واسيني الأعرج
International Prize for Arabic Fiction
هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها لواسيني هذا النوع من الأعمال , عمل يوازي حقائق واقعية على الأرض وليس من نسج خياله التام , و يلاحظ من الصفحات الاولى صعوبة واسيني في السباحة في هذا المجال الادبي الجديد عليه خاصة في تقديمه الروائي للعمل و يمكن على الفور تبين التكرار والتخبط في الصفحات 16-17-18 و هو امر لم يعهده في اعماله السابقة التي لم تكن مقيدة بحقائق , ويمكن أيضاً لمن قرأ عزازيل ليوسف زيدان , ان يلاحظ التشابه الشديد في أول 50 صفحة من العملين هذا من جهة , و القارىء يستشف من العمل أن وا��يني قرأ مي زيادة كثيراً قبل ان يشرع في العمل , الا انه و بالرغم من تعمقه في شخصية مي زيادة لم يستطع اتقان اسلوبها الفريد في الكتابة الذي يعرفه كل من قرأ أعمال مي , و يتبدى هذا من اول فقرة نقلها عنها , اي مقدمة المخطوط الذي يبني روايته عليه وكان هذا ضعف العمل الرئيسي , إذ أن مي زيادة لا تتواجد بنصوص العمل مطلقاً بإستثناء بعض السطور التي ظهرت بعد الصفحة 330 , وبالعودة إلى العمل ذاته , فهذا العمل يقص على لسان مي عبر مخطوط الاحداث التي تعاقبت على هذه الأنثى منذ بداية إضطرابها عاطفياً و حتى وفاتها في القاهرة , وهذا القص منسوج نسج أدبي جيد جداً استطاع واسيني فيه ان يوظف قدرته الباهرة في تقمص شخصيات الإناث و سرد الأحداث التي يريدها على لسانهن , فتشعر في فقرات كثيرة أنك أحد الحضور في مواقف مي اليومية في المشفى , ويمكن القول أن هذا العمل يغني الفضول تماما و يجيب على أسئلة كثيرة بحقائق ملموسة حول ما حدث لمي زيادة منذ وفاة والدها ثم وفاة جبران ( الذي استثمرها العمل كثيراً ) , فطلبها العون من إبن عمها , فإيداعها المصحة و الحجر على اموالها من قبل عائلتها , ثم معركتها القضائية لإثبات أهليتها حتى ركونها الأخير في القاهرة و تلك الحقائق والاحداث الكثيرة والمرسومة بتتابع بكل عناية من واسيني كانت ميزة العمل الرئيسية , فالعمل متماسك و متقن تماماً فيما يخص تلك الاحداث . أما إن أردنا التحدث عن العمل من ناحية الإقناع , فللأسف العمل ليس مقنعاً على الاطلاق , انطلاقا مما ذكرت في بداية الحديث عن خلو العمل من مي زيادة ( باستثناء اقتباسات محاضراتها الحرفية ) انتهاءا بالمواقف التي اقحمت والتي لم تكن منطقية من مثل مثلاً , محاورتها الباهتة مع طبيب المشفى حين أودعت فيه , الفرقعة الاعلامية التي اختارها واسيني بالحديث عن العقاد في اكثر من مناسبة و موقف , تحميل قامات مصر الأدبية مسؤولية الاذعان في إذلال مي زيادة , تهميش التقرير الطبي الخاص بها بعد خروجها من المشفى , و اهمال او غض البصر عن نوباتها التي حدثت في مصر لاحقاً بعد خروجها من المشفى أي أن العمل لم يجب حقيقية عن ماذا حدث حقاُ لمي . الخلاصة ان هذا العمل الذي يتحدث عن مرحلة زمنية غامضة لشخصية فريدة في الأدب العربي , شخصية ربما عاشت قبل آوانها , يستحق تواجده في القائمة الطويلة لجائزة البوكر ولكن حتماً لا يستحق الجائزة أو حتى المرور لقائمتها القصيرة من وجهة نظري , تقيمي للعمل 3/5 .
مقتطفات من رواية مي للكاتب واسيني الأعرج
-----
كأن الجنون جاء ليرضي أعماق جماعة مريضة , لا ترى في المرأة إلا أداة متعة لا اعتبار لها وجوديا , كل ما كان يبدو صداقة في الخارج , كان يخفي عقدا ذكورية لم تمحها للأسف , لا الحداثة ولا الفكر التقليدي .
-----
أفظع عقوبة , هي أن يسرق من الانسان حقه في الوجود .
-----
مولع بالروائح مثل حيوان متوحش , يعيش في غاباته الاستوائية , تعودت على قراءة اي عطر هارب , اتفحص وريقات المخطوطة الثلاث , احاول ان استنشق ليس فقط رائحة الورق الأصفر , ولا رائحة السنوات التي مضت , ولكن رائحة الليالي التي سرقت من مي كل شيء جميل , ومنحتها خوفا ثقيلا كان عليها تحمله .
-----
انا لم اكن مجنونة , كنت فقط مصابة بآلام الفقدان التي لا دواء لها سوى الانصات لها بهدوء ومحاولة لمسها كما نلمس الضوء من اجل أحتضانها
-----
هويتي ممزقة لكنها حية , كل ليلة ألملمها , وأرقعها , فيأتي صباحا من يفرفطها بكلمة واحدة , بحركة , بنظرة , ويسحب كل خيوطها ويحولها الى كومة في فوضى بلا شكل ولا هوية
-----
ماذا أساوي كإمرأة أمام ذكورة متخلفة , حتى ولو كان مستواي عالياً ؟ كنت اظن ان هذا لن يحدث إلا للأخريات , وها انا ذي اواجه نفس الكابوس , لا فرق بيني وبين أي إمرأة عادية
------
ليس سهلا أن تفقد من تحب , لكن أن تفقد أباً , شكل عالمك و حياتك و اقدس اسرارك , فكارثة , ان تفقد اباك معناه ان تخسر اول رجل احببته في حياتك بلا اسئلة ولا حساب , وانت على يقين انه رجلك الاسطوري الأوحد و الابدي , عندما يخونك الجميع والاقدار الصعبة , تتكىء عليه , او تنام على صدره
------
في الشرق أزدواجية كبيرة هي رهينة ثقافة فيها الكثير من النفاق والخوف من كل ما خو جديد , هو حداثي ومنفتح على الحياة ولكن في الوقت نفسه يحافظ على رجل الدين الخفي , يتحكم في كل حياته , يلاقي ما لا يلاقى , لان لكل واحد مسلكه .
------
نخطىء اذ نظن ان من منتحتهم الاقدار لنا طواعية , هدية ابدية وانها لن تأخذهم منا أبدا , للحياة مزاجها المجنون الذي لا أحد يعرف سره
------
هناك لحظات في الانسان تصنعها الصدف الغريبة هي من يرمي بالانسان نحو مكان مضاء , او نحو ظلمة داكنة
------
الحياة في النهاية ليست ما يظنه الآخرون فينا , حتى ولو كانوا صادقين , لكن ما نصنعه بها نحن
------
في الحياة لحظات غريبة و إشارات لا ندرك معانيها الا بعد زمن , وربما حتى بعد فوات الأوان
------
لا ادري ما الذي يدفع الناس إلى إهانة المرأة بسيل من التهم القاسية كلما خرجت من دائرة العادي ؟ كيف لمراهقة ان تفهم عالما بكل هذا التعقيد ؟
-------
منذ البداية ادركت ان صراعي سيكون كبيرا مع رجال شاخوا قبل ان يكتبوا , ولدوا مخربي الادمغة في غمار حداثة اكبر منهم , لانهم رفضوا كسر كل معوقاتهم الداخلية , كلهم بلا استثناء , صناع الحداثة , كلما تعلق الامر بإمرأة مزقت الشرنقة مقابل ثمن غال دفعته من اعصابها وراحتها , اخرجوا سكاكينهم , ازمة الحداثة العربية إمرأة , هزيمة الخروج من التخلف إمرأة أيضاً
--------
اسوأ ما ينتاب الانسان هو انهاء علاقته بحياة هي في حركة دائمة , الحياة ليست لنا , ولكنها لشيء يتخطانا , للخير والحب .
---------
مازلت هنا كما لم تتخيلني أبداً , افتش عن بقاياي التالفة , في كلي واجزائي وجزئياتي , لابد ان يكون هناك شيء يتخفى تحت اجنحة الغيار , لابد لهذا الظلم ان يتوقف ويمنحني فرصة ان اختار حياتي وموتي , ولا يفرض علي ناموسه
---------
الحب الأول لا ينسى , يستمر فينا حتى يحرقنا ويحولنا الى رماد , لا احد يستطيع لملمته , حب الحيرة الذي يحولنا الى عبيد حقيقيين , لا نحن قادرون على التخلص منه , ولا هو قادر على ان يتركنا نمضي في سبيلنا
----------
من أين يأتون بكل هذه الازدواجية القاتلة لهم ولغيرهم ؟ لقد تربى المثقف في شرقنا الجريح على كل وسائل النفاق التي تضمن إستمراره , استطاع ان يوائم بين تقاليد الرعب الآتية من جوف الزمن الأسود , وقشور الدين الثقيلة بشكليات مرهقة و حداثة ولدت معطوبة من الأساس
----------
أجمل ما يقوم به المظلوم هو أن يعذب قاتله بنجاحاته فقط
----------
محنتي ليست خاصة , ليست ترفاً بائساً , هي محنة المثقف العربي في اوهامه المرضية , الذي استقر على ازدواجية مقيتة , سترافقه الى قبره بعد ان قبل بها واستكان لها , يصرخ كما المؤذن على ساحل مهجور , او أجراس كنيسة ثقيلة , في الحب , في السياسة , في الاجتماع , وكلما تعلق الامر بموقف حقيقي وبسيط لا يكلف الا صدقه حينما يقف امام المرايا القلقة , انسحب واصبح غير معني بكل ما قاله وحكاه , ويمسح كل آلامه في الآخرين
----------
حيث تكون العاطفة متيقظة , مرهفة , فهناك النزاع الأليم والاستشهاد العظيم , واذا رافقتها الأنفة وشرف السكوت على الحروق والكروب , فهناك مأساة الصلب تتجدد مع الأيام
----------