هل انتهت فعلا حكاية شهرزاد بانتهاء ألف ليلة وليلة؟ هل سكتت شهرزاد نهائيّا عن الكلام المباح؟ هذا النصّ ليس إلاّ استئنافا للرّحلة ذاتها، دفعا بها إلى مداها التّاريخيّ المحتوم. كان رهان شهرزاد هو رهان درء الموت، وتأمين الحياة، وكان صوتها القصصيّ هو بدايات التّموقع في جغرافيّة الوجود المهدّد بسلطة الذكورة المهيمنة. الصوت حياة، ومن لا صوت له لا حياة له. «بغداد وقد انتصف اللّيل فيها» نصّ يرشح بفتنة الإمتاع الّتي نسجت من عوالم المؤلّفة الرّاوية الواقعيّة لوحات يؤثّثها المتخيّل الرّوائي بما هو أسلوب في تحيين الذّكريات ومشهدتها، يشفّ عنها كما لو أنّها تحدث الآن وهنا.
طاقة خرافية تأسرك بها الكاتبة ، و تأخذك إلى بغداد ، إلى جامعة بغداد و العراق و المبيت الداخلي و إلى صباح و نهى و نوال و فارس و جبرا إبراهيم جبرا و عبد الرحمن منيف و ماهر فيصل و جمال و أحمد و منية جلال .. إبّان حكم صدام حسين و فوبيا المخابرات العراقية و الحرب بين إيران و العراق .. سيرتها الذاتية عبارة عن وثيقة تاريخية اجتماعية ثقافية .. لا تستطيع أن تترك الرواية أبدا ، أسلوبها الشيّق يدفعك إلى التهامها بشغف و الاطلاع على حقائق غافلين عنها و لازلنا نجهلها ..
حياة الرّايس تبعث فيك الحياة و حبّ الغوص في الكلمات بعد هذه الرواية ، تجمع بين فنون عديدة و مهارات متعدّدة ❤️ رواية في غاية الإمتاع تؤنس وحشتك ❤️
(هل نحب المدن لأنها وطن… أم لأنها مرآة لما تبقى منّا؟).. ..................
ثمة كتب لا نقرؤها بعيوننا فقط، بل بشيء يشبه الإصغاء الداخلي… كأن بين السطور همسًا نادرًا لا يُسمع إلا في ساعات يتخفّف فيها القلب من صخبه.
"بغداد وقد انتصف الليل فيها" من تلك القراءات التي تشبه عبورًا هادئًا في ذاكرة مدينةٍ موجوعة، لكنها ما زالت تعرف كيف تُنبت المعنى وسط الخراب...
تكتب حياة الريس بروحٍ تجمع بين الشجن والدهشة؛ لغة تلتقط التفاصيل كما لو أنها تُنقذها من الغرق في النسيان... هذه ليست حكايات عن بغداد فقط، بل عن الإنسان حين يقف في منتصف ليله الخاص: بين ما كان، وما كان يجب أن يكون. وبينهما تلك اللحظة المعلّقة التي لا يملك فيها سوى التأمل… ومقاومة الانطفاء.
كتاب يحمل من الرقة ما يكفي ليُضيء عتمة بغداد، ومن الصدق ما يجعل الوجع قابلاً للفهم لا للشكوى...
لغة حياة الريس تكتب عن المدن كما نكتب عن أحبّتنا: بخوفٍ من الفقد، وامتنانٍ لكونهم مرّوا في حياتنا.... قراءة تلامس الروح برفق، وتترك في القلب سؤالًا لا يغلق بسهولة: (هل نحب المدن لأنها وطن… أم لأنها مرآة لما تبقى منّا؟)
"بغداد وقد انتصف الليل فيها" هو أول عمل أقرؤه للكاتبة التونسية حياة الرايس وهو تقريبا العمل السابع الذي تصدره إذا لم نحتسب سلسلة "حكايات فاطمة" للأطفال، وهو يندرج في إطار الرواية السيرذاتية ان صح التعبير فبِه تسرد المؤلفة الراوية قصص مذكراتها الجامعية في بغداد. ترددتُ كثيرا قبل أن أكتب مراجعة حول هذا العمل الذي يأسرك لدرجة تجعلك عاجزا عن تقييمه، لغته فصيحة سليمة تتخللها بعض الدارجة التونسية وأحيانا المشرقية العذبة التي يتطلبها النص، أسلوبه جميل عفوي بعيد عن السطحية والتكلف أما قصته فتدفعك الكاتبة لتكون أنت كقارئ جزءا منها فتجد نفسك فجأة تجول معها بشوارع بغداد وتسكن معها بالحي الجامعي الواقع بمنطقة الوزيرية وتعيش معها تفاصيل الحياة الجامعية في ثمانينيات وتسعينات القرن الماضي أيام حكم حزب البعث العراقي وحرب الخليج الأولى. باختصار هو عمل مُبهر جدير بالقراءة
سيرة ذاتية لطالبة تونسية درست الفلسفة في جامعة بغداد في أواخر السبعينات. أعجبني الكتاب بما فيه من ذكرى مهمة لعراق شامخ يستقطب الطلبة و المثقفين من خيرة أبناء البلدان العربية. أنصح الجميع بقراءته.
تستهل الكاتبة روايتها والتي تعد رواية سيرة ذاتية لها، بكلمات جذابة ترسم الدفء في جنبات قلب القراء: "لا أستطيع أن أدون جملة في أي نص إلا إذا شعرت أن روحي استقرت بها واتخذتها مسكنًا.. لأطمئن أن القاريء يمكن أن يطيب مقامه بها. النص لا يستطيع أن يتخلص من روح صاحبه أبدًا".
ثم تهدي روايتها لأرواح تدين لهم بالكثير، لوالدها الذي خالف تقاليد القبيلة وتركها لتسافر لتستكمل تعليمها في الخارج وغيره..
ولدت بطلة روايتنا في تونس وظلت فيها حتى انتهت من الدراسة الثانوية ثم ذهبت إلى بغداد كي تدرس بجامعتها كأول تونسية تدرس بقسم الفلسفة، وكي تصنع مصيرها بيدها كما تقول .. وصلت حياة الرّايس "بغداد" في سبتمبر عام ١٩٧٧ "وقد انتصف الليل فيها" قادمةً من تونس .. وفي الرواية تضع لنا الكاتبة جملة: "بغداد وقد انتصف الليل فيها" وهي كلمة مذيع الراديو ، تضعها قبل كل فقرة من الفقرات التي كتبتها طوال الفصل الأول من روايتها .. وكأن الموعد والحدث يطغيان على مشاعر الشابة التي كانت تعتبرها لحظة فارقة في حياتها تتأرجح فيها بين تونس وبغداد .. كما أنها تصف لنا بغداد بعد منتصف الليل بصورة جميلة شاعرية عاشقة..
تقول الكتاب بمشاعر فياضة تصف بهجة الشابة التي وصلت بغداد للتو: "بغداد وقد انتصف الليل فيها" "كالعلامة التي تسبق ضوء المسافات، تفتح باللغة منارة وطريقا..أفترش حروفها حريرا وثيرا ورنة مموسقة في رخاء الليل.. وأستلقي رافلة، في أرض المتنبي والتوحيدي والجاحظ ببيانه وتبيينه فتتبدد غربتي. من قال أنني أهاجر من بلد إلى بلد؟ لست أقيم سوى في اللغة وأسكن بين الحرف والمفردة وأتوسد الجملة وأتبسط وسع الفواصل والنقط".
تصف الكاتبة العلاقات الأسرية التونسية بصورة دافئة جميلة، كما تصف العادات والتقاليد والطقوس الدينية والولاء وحد التقديس للأولياء، والأكلات والأسواق والأماكن وتنقل الكاتبة من المدينة الإسلامية القديمة والمدينة الحديثة، والحياة عامة في تونس في تلك الفترة.. جعلتني الكاتبة من جمال وصفها لباب البحر أبحث عن صوره ومقالات عنه في جوجل ..
ثم تنتقل إلى بغداد فنجدها تجيد فن التفاصيل الصغيرة في وصف الأماكن حيث بيت المغتربات مثلا الذي يغلق أبوابه عليهن في تمام السابعة مساء، والجامعة، وزي فتيات المدن العراقية المغتربات، والأعراق والديانات المتعددة، وحزب البعث، وتعقد مقارنات بين المشاعر الكلامية الدافئة الموجود في كلمات بنات بلاد الشام وبين الجفاء العاطفي في الكلام لدى أهل المغرب العربي.. كما تتحدث بصورة تجلب البسمة على وجه قارئها حينما تتحدث عن تعدد الألسنة واللهجات العربية التي كانت تجعل الحوار بينها وبين زميلاتها مضحكًا رغم التزامها بلغة عربية بسيطة كي تتمكن من التحدث إليهن.. وتقول الكاتبة عن هذا الأمر : "وليس صدفة أن تظهر شهر زاد في الشرق، وأن يكون هذا الشرق القديم مهد كل الأنبياء. حيث تجاوزت الكلمة السحر والسلطة وبلغت المقدس: وفي البدء كانت كلمة".
تتنقل الكاتبة بين الأزمنة في انسيابية وهدوء يشعر القاريء باليسر في التنقل معها من زمن إلى آخر..
ومن أجمل الفصول التي قرأتها فصولها عن الأساتذة الذين درسوها وتدين لهم بالولاء، كما عقدت تحدي بين حزب البعث والعاطفة مع زميلها فارس البعثي ونجحت في هذا التحدي حينما قرأ لها أشعار الشابي وخاصة القصيدة التي أحببتها منذ عقود: "عذبة أنت كالطفولة كالأحلام" كما أعجبني كثيرًا حديثها عن مجلة ألف باء التي تبنتها صحفية صغيرة وعن لقاءاتها الصحافية بكبار الأدباء في تونس وفي العراق مثل جبرا إبراهيم جبرا ود. عبد الرحمن المنيف، وضحكت كثيرًا على التباس الفهم الخاص باسمها حياة الرايس وحياة الرئيس صدام.. وكذلك أحببت وصفها لمشاعر الولاء الفياضة التي تعيدها للعراق في سنتها الجامعية الأخيرة، رغم مآسي الحرب العراقية الإيرانية وفي طريقها إلى العراق من الأردن، احتفى بها العراقيون في الحافلة، ووضعت رأسها على ركبتي امرأة عراقية كبيرة في الست وقالت: "أحسست حينها أن "عشتار" الأم الكبرى، هي التي تتكلم.. وأنني أغفو على نهر دجلة.. تحتضنني بلاد الرافدين.. بروحي تلك الأرض..ما أعظم الذكرى".
تقول الكاتبة : ""أمي بية" التي دلقت ورائي إبريق ماء وهي تشيعني بدعواتها وإيمانها القوي بنجاحي وقدرتي على المغامرة" فترى هل هي عادة عن سفر الأهل كي يعودوا سالمين؟ أم ماذا؟ كنت أتمنى لو أدرجت الكاتبة في الهامش وصفًا لهذا الأمر ..
وفي النهاية التي جاءت بادئة لرواية ثانية واستكمالًا لسيرة ذاتية شيقة استمتعت بها، وأتمنى لو كانت كتبتها الأديبة المبدعة حياة الرايس، خاصة أنها ستكون عن باريس.. شكرًا للأديبة مع خالص تمنياتي بمزيد من الإبداع.. #نو_ها
البؤرة الفكرية Static core : كثيرة هي الأفكار والقضايا والموضوعات التي طرحتها الكاتبة في هذا العمل, وكأنّها أتت بالعديد من الخيوط وقامت بربطها من طرف واحد بعقدة واحدة أسمتها (سيرة حياة )وأرخت الطرف الآخر حرًّا طليقًا, لنقوم بإحصاء خيوط القضايا الفكرية, فنقول: (سيرة بغداد), ( سيرة تونس), لتدخلنا في سفر في الفضاء العمراني والسكاني لمدينتين حضاريتين, إحداهما في الشرق والثانية في الغرب, أي سفر في (أدب الديموغرافية) التي أقرتها الذرائعية نوعًا من أنواع أدب الرحلات المعاصرة , يتسّرب خيط (التاريخ) مفتولًا بقوة, مصحوبًا بأصوات تأتي عبر أزمان عديدة متفاوتة بالقدم, أحدثها ما عبق في صدر (الطفلة حياة) من أنفاس الأحياء القديمة في تونس العاصمة وما حولها, تونس التي كانت حديثة العهد بالحرية من الاحتلال الفرنسي, تحاول إعادة غرس جذورها العربية والإسلامية في تربتها التي ترك فيها الاستعمار لغته وثقافته المنفتحة على حداثة تحارب كل موروث. وأقدم تلك الأصوات ما خّطه حمورابي في شريعته, في عراق سلّم كتابَ تاريخه ليستكمل فيه المنتصر الجديد تحبير ما يخصّه من صفحات حاضر فترة السبعينيات من القرن المنصرم, ليتوتذر خيط (السياسة) مشدودًا بسيادة حزب البعث العراقي المنشطر عن حزب البعث المؤسَّس في سورية, والصراع الدامي بين أعضاء الشطرين, وصراع الأيديولوجيات الحزبية الأخرى, بتكافؤٍ يكاد يكون منعدمًا أمام هيمنة الحزب الحاكم, و(الحرب)الإيرانية العراقية التي جرّ نظام صدّام حسين البلاد إليها. وهناك خيط (ثقافي) يبدو زاهيًا وسط قتامة الخيوط الأخرى, لمحناه في الحديث عن البعثات الدراسية بين بعض البلدان العربية, حين فتحت بغداد جامعاتها للعديد من الطلاب العرب من جنسيات مختلفة, حتى السوريين, لكن حصرًا السوريون المنشقون أو المعادون لحزب البعث الحاكم في سورية, في العام 1977 كانت فرصة مواتية ل(الشابة حياة) التونسية لتحقيق حلمها بالسفر خارج تونس,إلى باريس, ولتكن بغداد أول محطات الرحلة,حيث ستنال فيها شهادة البكالوريوس في الفلسفة. إضافة إلى إطلاعنا على شخصيات وأدمغة كانت نابغة علميًّا وأدبيًّا, كالفيلسوف مدني صالح, والأديبين جبرا إبراهيم جبرا, وعبد الرحمن منيف, وهنا نحت بنا الكاتبة باتجاه ملامح (السيرة الغيرية), حيث أفردت لهم عدّة فصول, أيضًا تناولت الكاتبة ثقافات حياتية (مجتمعية), وآراء (فكرية عقائدية) متباينة بين العلمانية والقومية والدينية..., عبر شخصيات من مجتمعات عربية متعدّدة, من لبنان وفلسطين وسورية والكويت والعراق وتونس... ولعل من أهمّ القضايا المطروحة هي قضية الإصرار على (المؤازرة والعيش المشترك), والحرص على لمّ العوامل التي تجمع العرب في إطار (القومية العربية), وهي قضية (إنسانية وجدانية) بالدرجة الأولى, و(أخلاقية عربية )بالدرجة الثانية, تجلّت بأبرز معانيها بعودة حياة التونسية إلى بغداد رغم اشتداد أوار الحرب العراقية الإيرانية التي خلعت قلوب العراقيين أنفسهم خوفًا وهلعًا, والتي كادت أن تحطّم مصير الكاتبة ومستقبلها الدراسي, لكنها ما عادت لأجل هذا المستقبل, وإنما عادت بدافع الشعور القومي العربي بالمؤازرة لأخوانها في وطن عاشت فيه وسطهم, وذاقت عندهم كرم الضيافة, وحلو الحياة, فكيف لا تشاطرهم مرّها؟ إلّا أنّ أبهى الخيوط وأكثرها توهجًا وبريقًا على الإطلاق, كان خيط اللغة, (اللغة العربية الفصحى) التي مازالت تجمع الشرق والغرب على كل اختلافات بينهما, واللهجات التي رصّعت سمائها, بعد أن عصفت بالوطن العربي رياح الخلافات والفرقة, وتراخى عضدُ الوحدة, بقيتْ فقط اللغة العربية الفصحى, العضد القوي المفتول, والجبل الراسخ الذي تكسّرت على سفحه كل لغات الاستعمار ومعاول التخريب, وما زاده معول الحداثة إلّا صلابة وأنفة. التجربة الإبداعية للكاتبة: نقديًّا, استوقفني أن الكاتبة كتبت عملها الأدبي السردي هذا بطريقة الدلالات المتوازية: فهي تذكر دلالة ما, وتترك للناقد والمتلقي البحث عن مدلولاتها الغائبة, ثم عن المفهوم المضمر في ذهن الكاتبة, فمثلًا عندما ذكرت (مدني صالح ), وذكرها له معناه زجّ في خصوصيّاته, ف(مدني صالح) بنية دلالية, كانت غائبة بالنسبة للمتلقي, وحضرت بمجرد الإشارة إليها, فوجب على الناقد والمتلقي استحضارها, من هو مدني صالح؟ وما هي صفاته وما هي أعماله, وفي أي حقل اشتهر؟, والوقوف على المدلولات الغائبة يتطلب من الناقد العودة إلى المخزون المعرفي عن (مدني صالح) باستراتيجية الاسترجاع الذرائعية التي تعمل على البحث عن المفاصل الساقطة سهوًا, فيكون الناتج إبداعًا لا يستطيع الكاتب أن يرتبه في مفاصله, بطريقة نقدية إبداعية, لتجبر الناقد الفطن على إحضار المدلولات للدلالة الشاخصة بالإغناء الموازي, بالاعتماد على المخزون المعرفي الداخلي الكائن في العالم الداخلي,أو بالبحث عبر المراجع المعلوماتية, إن كان مجهولًا في إدارك المتلقي. فالكاتبة تكتب وتلقي دلالات في دروب الكتابة, ترفقها ببعض المدلولات, وتترك للمتلقي مهمة البحث عن مفاهيمها, ثم الاجتهاد لتأطير المدلولات في مفهومها, الكاتبة كانت محترفة, وقد تعمّدت استخدام هذه التقنية السردية النقدية ( الدلالات المتوازية ), فكانت استراتيجية الاسترجاع النقدية إضافة قيّمة إلى رصيدها الأدبي في هذه الدراسة النقدية.
رواية بغداد وقد انتصف الليل فيها للأديبة التونسية حياة الرّايس عمل أدبي فريد يمزج بين السّيرة الذاتية والرّواية الواقعية في نَسقٍ سرديٍّ مشحون بالعاطفة والحنين والتأمل. تنطلق الكاتبة بأصولها الشّعبانيّة. تلك المدينة الصغيرة التي تغفو بين عبق التاريخ ونبض الحياة التقليدية، فتصوّر تفاصيلها اليومية بدفءٍ وصدقٍ يجعل القارئ كأنه يسير بين أزقتها ويسمع أصوات أهلها ونسائمها العتيقة. ومن هناك، تشقّ البطلة طريقها نحو العاصمة تونس، لتبدأ مرحلة جديدة من الوعي والاحتكاك بعالم أوسع، عالم يحمل في طيّاته التحوّل والانفتاح والصراع بين القيم القديمة وروح العصر. غير أن الرحلة لا تتوقّف عند هذا الحدّ، إذ تمتدّ إلى بغداد، مدينة الحلم العربي والثقافة والوجدان، فتغدو الرواية مرآة لزمنٍ عربيٍّ كان مفعماً بالأمل رغم ما يعتريه من عواصف الحروب والخيبات. في بغداد، تتجلّى الكتابة في أبهى صورها؛ تسرد الرّايس أدقّ التفاصيل بين شوارع المدينة وأزقتها وجامعاتها، تصف قاعات الدرس والعلاقات الإنسانية بين الزملاء والأساتذة، وتبوح بعشقها العميق لهذه المدينة التي منحتها أكثر مما أخذت منها. ومن خلال هذا العشق، تُبرز الكاتبة صورة المرأة العربية المثقفة، التي تبحث عن ذاتها وسط مجتمعاتٍ تُحاول حصرها في أدوارٍ ضيّقة، فتدافع عن كيانها بجرأةٍ ووعي، مؤكّدة أن المرأة ليست أقلّ شأناً من الرجل، بل شريكة في الفكر والحلم والإبداع. الرواية أو السيرة، كيفما صُنّفت، تتجاوز البوح الشخصي لتغدو شهادة على زمنٍ ومكانٍ وهوية، تجمع بين دفء الانتماء ومرارة الاغتراب. أما النهاية، فهي مفتوحة، تُبقي الباب مشرّعاً لجزءٍ ثانٍ من السيرة، كأنّ الكاتبة تقول إن الرحلة لم تكتمل بعد، وإن في الليل الذي انتصف ما زال بقية من حكاية لم تُروَ. إنها رواية الذاكرة والأنوثة والحنين، كتبتها حياة الرّايس بقلمٍ صادقٍ ونَفَسٍ شعريٍّ رفيع، فكانت بمثابة جسرٍ بين الذات والذاكرة، بين تونس وبغداد، بين الحلم والواقع.
"بغداد و قد انتصف اللّيل فيها" لحياة الرّايس من قال إنّ السفر عبر الزّمن مستحيل؟ هذا الكتاب سافر بي عبر الزّمن ليحطّ بي في فترة السّبعينات من القرن الماضي. لمّا بدأت في قراءة الصّفحات الأولى انسجمت مع المكوّنات القصصيّة حتّى شعرت لوهلة بأننّي بطلة هذه الرّواية."حياة" تلك الفتاة المختلفة الغريبة عن عالمها. عايشت الغربة منذ طفولتها، لم تجد متعتها في ألعاب العرائس. عايشت الغربة مع بنات جنسها فلم تكن تائقة للزّواج و لا "للزّفة". كان عالمها يتشكّل بين رفوف الكتب و بين صفحات الدّواوين و عبق روائحها العتيقة. عبّرت بين طيّات الكتاب عن تجربة متميّزة خاضت غمارها في بغداد إثر دراستها الفلسفة. تلك الأحاسيس التي مررّتها لنا في أسلوب شيّق و سلس و لغة متراوحة بين الفصحى و العامّية التّونسيّة و العراقيّة و اللّبنانيّة و حضور الجنسيات العربية من الشّرق و المغرب جعلت من الرّواية فسيفساء من الحضارات حيث الدّعوة للانفتاح على عوالم جديدة مختلفة عن عوالمنا. رواية عميقة رغم بساطة لغتها:تسكننا المؤلّفة بواطن و أغوار ذكرياتها فتغدو الرّواية فيلما مشوّقا، تغرف بطلته من الواقع لتنسج عالما تخييليّا جديدا. فاطمة. والي
هذهِ الرّواية تحفة فنّية ، جمعت فيها الكاتبة بين عذوبة السّرد و جمال الأسلوب ، و كثافة المعلومات التّاريخيّة والاجتماعيّة عن العراق الحبيب .. أحببتها ")
"بغداد وقد انتصف الليل فيها" تتخللني الإشارة، حاسمة، بما لا يدع خطا للرجعة. يشق صوت المذيع الرسم قلب الليل الى شطرين وينشطر قلبي معه. في لحظة فاصلة تنقل حياتي بجملة واحدة من زمن الى زمن ومن بلد الى بلد. هل كان المذيع يؤرخ للحظة فارقة في حياتي؟"
جلبني غلاف الرواية وأنا أختار قراءتي الموالية من ارفف المكتبة العمومية. كنت أظن اني اتعرف الى روائية لم يسبق لي ان قرات لها سابقا وإذ اجدني في رحلة تأخذني من مدينة دار شعبان الفهري الى بغداد بلاد هارون الرشيد وبيت الحكمة وشهرزاد الف ليلة وليلة. هي سيرة ذاتية مؤثثة بتخيل روائي تأخذنا الى فترة السبعينات وتعرفنا على فتاة تونسية حالمة، سمح لها والدها رغم طبعه المحافظ بالسفر الى العراق لمواصلة تعليمها الجامعي. تعج الرواية بالشخصيات والاماكن فننطلق من مدينة دار شعبان الفهري لنتجول في انهج وشوارع تونس ثم نعيش مع الكاتبة أول فترات سكنها الجامعي حيث نتعرف الى "خلية نحل"، لوحة تشكيلية تجمعها اللغة العربية رغم اختلاف اللهجات. ثم متخذة من ذكرياتها مرجعا، تسرد لنا الروائية قصص وحكايات بين الدراسة والحب والسياسة لتصل بنا الى سرد للقاءاتها بعمالقة الادب مثل الكبير عبد الرحمان المنيف وجبرا ابراهيم جبرا. لغة انيقة وانتقال سلس من فصل لاخر، يأخذنا لاخر الصفحات دون أن ندري 😊 قراءة ممتعة انصح بها وبشدة. الطبعة الاولى عن دار ميارة للنشر والتوزيع 2018.
بغداد و قد انتصف الليل فيها لحياة الرايس الكتاب عبارة عن سيرة ذاتية للكاتبة للفترة التي قضتها كطالبة في بغداد ابان حكم صدام حسين و حرب العراق و ايران البداية كانت بين شوارع تونس و أزقتها العتيقة بين الأم الأسطورية العمة دوجة الأب "الحزار" و المدرسة الابتدائية الحبيب ثامر بباردو لتنتهي الى السكن الجامعي بمنطقة "الوزيرية" و على ضفاف دجلة للكاتبة أسلوب و كأنها تأخذك من يدك تدخلك دفء بيتها العائلي تجول بك شواع بغداد تجلسك جنبها مع الكتاب و المحاضرين تحميك من وابل الرصاص و القنابل زمن الحرب تبكيك اذا بكت و تسعد قلبك يوم تلقيها خبر يفرحها عالمها يأسرك يبعث فيك حب الحياة و المغامرة