الملاحظة الأولى على الكتاب أن لغته راقية، ولكنها لا تبلغ بصاحبها مرتبة الأدباء؛ فقط هي لغة الفترة والبيئة التي عاصرها المُصَنِّف (1886 : 1953)
الملاحظة الثانية أنه منحاز إلى فكر ومنهج المعتزلة؛ يعظم المأمون ويثني عليه لأنه انتصر لهم، يصف أعلامهم بالفضيلة وحرية الفكر، يعد وجودهم -تحديداً- إلى جانب باقي الفرق الإسلامية من مفاخر العصر العباسي، ويزعم أن حرية الاعتقاد كانت مطلقة "لا يكره الرجل على معتقد أو مذهب" إلى غير ذلك من الإشارات التي لا تخفى على الناظر.
والحق أن المأمون ومن بعده المعتصم والواثق في اعتناقهم لأفكار المعتزلة ورغبتهم في نشرها وتعميمها عزلوا الفقهاء والقضاة والولاة عن مناصبهم، وسجنوا وعذبوا ونكلوا بالكثير ممن أبوا إلا الإعراض، وحسبنا ما نزل بالإمام أحمد بن حنبل من بلاءٍ شاهداً على أن هذا العصر لم يكن عصر حرية مطلقة ولا أن المأمون كان أكثر الخلفاء تسامحاً في الدين كما زعم الأستاذ جمعة.
يقول واللهجة أقرب للشماتة والتشفي منها إلى العرض الموضوعي الحيادي: "أن ابن رشد تصدى في كثير من كتبه للطعن على الأشعرية وانتقاد طرقهم ومبادئهم انتقاداً مراً، وذلك بعد أن اتسع نطاق فكره وامتدت أشعة بصيرته إلى أبعد مدى، فانتصر المنطق الصحيح والرأي الراجح على الفروض والوهمية والتخمين الخيالي."
جانب الإنصاف أو لم يحالفه التوفيق في بعض العبارات، فيقرر أن الكتاب الوحيد الذي اشتهر به الغزالي هو الإحياء! وأن ابن تيمية هو "أعظم أئمة المجتهدين المصلحين أمثال مارتن لوثر وكالفين في الغرب" وأن البخل أو التشدد في نفقة المال سجية معظم الأدباء والعلماء في الشرق والغرب...
وكذا حديثه عن حكماء/فلاسفة اليهود والمسيحيين وكيف كان الذين عاشوا في ظل المدنية الإسلامية منهم فلاسفة إسلاميين بحكم النشأة والمعاشرة، وفي ذلك من الصواب الكثير، ولكن كأنه في سعيه إلى الموضوعية والإقرار بالأصل السامي المشترك بين العرب واليهود، وقرب اللسان العربي من اللسان العبري، ودور أهل الكتاب الذي لا يُجحَد في عملية النقل والترجمة التي جرت في العصر العباسي، ضل إلى القول بأن الفلسفة اليهودية كانت صاحبة فضل على الفلسفة الإسلامية، وأن هذه الأخيرة إنما هي وريثة الأولى وحاملة الراية من بعدها، وشتان بين هذا وذاك.
وكذا زعمه أن جمال الدين الأفغاني كان محيي الفلسفة في ممالك الإسلام بعد موتها بسقوط دولة الإسلام في الأندلس، وحول الأفغاني كثير من الجدل والخلاف، لكن الأكيد أنه لم يكن محيياً للفلسفة الإسلامية التي ماتت ولا مجدداً لها بعد قِدم.
هذا إلى تخطئته ابن خلدون في تبنيه للرأي القائل بأن مصطلح "الصوفية" قد اشتق من الصوف الذي امتاز أهل هذه الطريق بارتداءه، ثم الرجوع خطوة إلى الخلف بعد بضع صفحات مقرراً: "ومما تحسن الإشارة إليه أن كلمة الصوفي -نسبة إلى الصوف- وهي النظرية التي قال بها ابن خلدون، كان لها نصيب من الصحة، فقد تعود بعض المتصوفين لبس الصوف، وقد جاء حين من الدهر عليهم اتخذوا فيه الصوف علامة مميزة لهم." فلما خطّأت هذا الرأي أول الفصل؟!
فضلاً عن إصراره على أن كلمة صوفي هذه مشتقة من كلمة ثيوصوفيا اليونانية، التي تعني الحكمة الإلهية، والصوفي -عنده- هو الحكيم/الفيلسوف الذي يطلب الحكمة الإلهية ويسعى إليها "ولو كره المكابرون" رافضاً بشدة أي تفسير آخر. وهذا إن صح على مدرسة من مدارس التصوف (التصوف الفلسفي ومن أعلامه ابن عربي والحلاج) فهو لا يصح على الباقي، كالحسن البصري والجيلاني والشاذلي والعز ابن عبدالسلام وغيرهم، وهم الأكثر، فلمَ التعنت والتحجير؟!
غالب هذه النقاط السابقة موجود في المقدمة، فقط.
أما في حديثه عن الفلاسفة، فمن النقاط والمآخذ الشيء الكثير، منها على سبيل المثال لا الحصر:
أنه أنكر على الأدباء العرب "عدم قدرتهم على كبح جماح نفوسهم تجاه الاستطراد" وجعل هو نفسه يستطرد في غير موضع! حسبنا إطنابه في الحديث عن اليهود في المقدمة، وقد ظننت أنه إنما يمهد بحديثه هذا لشيء ما سأجده في فصل ما من فصول الكتاب، وما وجدت شيء! مجرد استطراد يوضح به كم هو منصف وكيف يرد الحق لأهله ولو كانوا هودًا.
بالتقدم في الكتاب وجدت أن غالب حديثه لم يكن تعريفاً وعرضاً، بل مناقشة متخصصة متقدمة على مستوى قارئ ظن أن الكتاب مدخل إلى أولئك الفلاسفة وفلسفاتهم، لا عرضاً متخصصاً لأعقد وأعمق أفكارهم، ودفاعاً عنهم تارة، والرد عليهم تارةً أخرى.
وهذا مأخذ آخر، لم يكتف المُصنِّف بالتعريف والعرض، بل جرد نفسه أحياناً للدفاع الأعمى عن أحدهم، كشأنه مع ابن رشد، والهجوم أحياناً، كشأنه مع الإمام الغزالي.
في بعض الأحيان شعرت -وقد أكون متجنياً- أن المصنف يريد الاستعراض لا الإفهام، وأنه يتوجه بكتابه هذا إلى المتخصصين لا عامة القراء.
فيما يخص التنظيم فالمُصنّف لديه مشكلة في تكرار معلومات، وقد يصل الأمر لفقرات كاملة، يوردها في أول الفصل ثم يكررها في نصفه أو آخره، استغربت هذا في أول فصلين ثم اعتدته في بقية الفصول.
قد يفيد هذا الكتاب غيري، وقد يجد في مآخذي التي ذكرت مزايا، والحق أنه ليس محض سوء كما قد يبدو من حديثي، فلا يلزمن أحد نفسه بما أرى، أو بما يرى أي حد عموماً يعني، والسلام.