حاولت إسرائيل جاهدة ـ كما حاولت الوكالة اليهودية من قبلها ـ أن تخترق المجتمع السوري، إما لتدميره من الداخل وبث الفوضى والخراب بين أركانه، أو للتوصل إلى اتفاق مع زعمائه يحقق دعماً عربياً لقيام الدولة العبرية على أرض فلسطين. بدأت تلك الاتصالات في مصر مع الوجيه الدمشقي حقي العظم قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بأشهر، وآخرها كانت مع أعضاء لجنة الهدنة التي شُكلت في عهد حسني الزعيم.
الكتاب يتضمن معلومات وفيرة وهامة جداً عن بدايات الصراع العربي الإسرائيلي .. لقاءات بعض السياسيين والوجهاء السوريين (أمثال عبد الرحمن الشهبندر وفخري البارودي وحقي العظم وغيرهم) مع ممثلي الحركة الصهيونية في مراحل مختلفة وردودهم المشرفة تجاه قضية فلسطين والهجرة اليهودية .. محاولات الحركة توظيف اليهود السوريين في خدمة مشروعها بالترغيب والترهيب ونجاحها المحدود رغم ذلك ، محاولاتها استغلال بعض الخلافات والمصالح وحتى الأهداف الوطنية السورية (تعطيل اتفاقية 1936 لتحقيق الاستقلال) لانتزاع الاعتراف بمشروع وطنها القومي .. إضافة إلى الأخطاء والخيانات والفرص الضائعة والتي أحسن الصهاينة استغلالها كما أحسنوا استغلال ما جرى لهم على يد النازيين وربما أكثر.
سامي مبيض أنت كنز سوري ، شكراً على مجهودك الكبير والواضح في كتابة وتوثيق تاريخنا ... (تاريخ دمشق المنسي ، شرق الجامع الأموي ، وغرب كنيس دمشق) .. تاريخنا الذي يُمكن أن نفخر به
________________
وصل إلى مكتب رئيس الجمهورية في دمشق منتصف خمسينات القرن الماضي تقرير استخباري من القاهرة عن اجتماع سري دار في تل أبيب بين موشي شاريت قبل استقالته من رئاسة الحكومة الإسرائيلية وسلفه الأب المؤسس للدولة العبرية ديفيد بن غوريون. قال الأول للأخير إن إسرائيل تحتفل قريباً بالذكرى العاشرة لاستقلالها، وإنها لا يمكن أن تستمر وتنمو في ظل نهضة كل من سورية ولبنان والعراق على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. اقترح شاريت بث الفوضى وإشعال نار الفتنة في جميع هذه الدول، وأن يبدأ الخراب من العراق، كونه الأكبر والأغنى بين الدول الثلاث. لكن بن غوريون رفض وقال: "لا نريد أن نزعج الإنكليز، دعونا نؤجل العراق قليلاً". سأله شاريت: "ما رأيك في لبنان، فهو الأصغر والاضعف؟" عارضه بن غوريون مجدداً، وقال: "دعه، فنحن لا نريد ازعاج الفرنسيين، علينا أن تؤجل لبنان قليلاً"... نفذ صبر موشي شاريت، وقال: "ما رأيك في سورية؟". هنا أجاب بن غوريون: "سورية ممتازة، البلد ممتلىء بالمشاكل والأقليات والإثنيات. وكل سكانه من دون استثناء، يرغبون في الوصول إلى سدة الحكم في دمشق، لكن عليك التريث قليلاً". (ص13-14).
فتحت وزارة الخارجية الأمريكية في صيف عام 1999 ملفاتها السرية عن عام 1949 ، أي بعد مرور خمسين سنة على الانقلاب السوري الأول، وتبيّن مدى تورطها في إسقاط حكم سوريا الديموقراطي........ وعد حسني الزعيم بسحق "العائلات الإقطاعية الكبرى" بحسب تعبيره، التي وقفت في وجه المشروع الصهيوني، وبوضع قوانين تعيد توزيع أراضي البلاد وثرواتها. وقال لستيفان ميد <مساعد الملحق العسكري الأميركي في دمشق> بأن "هناك طريق واحد فقط أمام الشعب السوري لتغيير سلوكه نحو الأفضل، هو الكرباج". وأضاف الزعيم أنه في حاجة إلى فترة لا تقل عن خمس سنوات لتحقيق كل أحلامه، بما فيها تأسيس جيش قوي، ليس لمحاربة إسرائيل، بل لمسك المجتمع السوري بقبضة من حديد. وطلب من الميجور ميد "خلق اضطرابات" داخل مدينة دمشق، للنيل من سمعة الرئيس القوتلي، معتبراً أنها "ضرورة تسبق أي انقلاب"....... أشرف حسني الزعيم بنفسه على أدق تفاصيل الانقلاب، بمساعدة رئيس الحزب العربي الاشتراكي أكرم الحوراني، الذي قام بكتابة جميع البلاغات العسكرية وبثها عبر الإذاعة واصفاً الحكم الديموقراطي بأبشع الأوصاف.......... وكانت الولايات المتحدة أولى الدول المعترفة بحكم حسني الزعيم بعد أقل من شهر على نجاح انقلابه. أمر الزعيم بتعطيل الدستور، وإغلاق مكاتب جميع الأحزاب، وحل المجلس النيابي، وإغلاق معظم الصحف، بعد تأسيس جريدة يومية لتبجيله ومدحه، اسمها "الانقلاب"... وفي بادرة حسن نية تجاه الغرب، رفع الحظر المفروض على يهود سوريا أيام الرئيس جميل مردم بك، وأعاد إليهم رخص السوق وجوازات السفر.. فرض الزعيم القوانين العرفية على سوريا بعد تسلمه مهمات الحكم كاملة، وأجاز للسلطات الأمنية مراقبة الاتصالات واعتقال أي "مشتبه فيه أو مشاغب" من دون مذكرة توقيف أو محاكمة... حاول رئيس الوزراء الأسبق لطفي الحفار دخول مبنى البرلمان المطوق لعقد جلسة طارئة فمنعه أحد الجنود. فصاح الحفار: "أنا نائب دمشق المنتخب ممثلاً عن الشعب في السلطة التشريعية، ولا يمكنك أن تمنعني من ممارسة حقي الدستوري". ضحك العسكري الشاب الذي لم يكن قد سمع بلطفي الحفار ولا بماضيه الوطني، ووجه بندقيته إلى صدره، في دلالة على مدى تراجع الأخلاق في سوريا في زمن العسكر.. تفرد العسكر في حكم سوريا بفضل حسني الزعيم ومن وقف وراء حركته الانقلابية، وباتوا جميعاً، بخلفياتهم المتواضعة العلمية والاجتماعية، يشعرون بأنهم لا يقهرون، وبأنهم فوق الدستور، وأكبر من الشعب، وأعظم من الوطن.... كتبت مجلة "التايم" الأمريكية <نيسان 1949> مقالاً عن الوضع في سوريا جاء فيه: معظم السوريين يجلسون في المقاهي والأسواق، يشربون الشاي ويدخنون النرجيلة، ولا يعنيهم كثيراً التغيير الذي طرأ على حكومتهم اليوم. في تاريخهم الطويل ذاقوا طعم حكم الفرس والرومان واليونان والمغول والأتراك والفرنسيين، ويبدوا أنهم على استعداد لتقبل حسني الزعيم أيضاً. (ص 281-294).
على نمط الكتابة التاريخية المقالية، يتتبع سامي مروان مبيّض جذور النشاط الصهيوني في سوريا ومحاولات الإختراق التي حاولتها الحركة الصهيونيّة في بواكيرها من أجل كسب قلوب وعقول الإنتلجنسيا العربيّة الشاميّة التي بالطبع في ذلك الوقت تتموقع بشكل رئيسي في سوريا، وبحكم كيان سوريا الكبرى، كانت العلاقات متشابكة والطريق إلى فلسطين ولبنان وعمان يمر عبر دمشق، لذلك يُعد ذلك الكتاب وثيقة هامة، ومكملة لثلاثية مفاوضات هيكل والتي يغلب عليها الطابع المصري رغم أن هيكل حاول أن يراعى عمومية القضية كشأن عربي واسع وليس مصري بالأخص، ورغم أن مبيّض لا تختفي انحيازاته بين سطور كتاباته، فهو كما يبدو ملكيّ الهوى وذو حنين لزمن الطربوش والأفندية وبرجوازية أبناء المدن، إلا أن ذلك الهوى يُعطي الكتابة طعمًا جميلًا ولا يُنفر القارئ على الإطلاق، أنا أرى بأن هذا الكتاب من الضروري قراءته في ذلك الوقت من أجل الاستزادة المعرفية بشأن القضية الفلسطينية والسورية، ولكن سيكون مليء بالحسرات بالطبع نظرًا لما يحتويه من الكثير من الفرص المُهدرة والخيانات والطعن في الظهر والغباء الذي قتل أصحابه وقتلنا بعد على مدار مائة عام
مهم جدا أسلوب الكتابة سلس والكتاب جيد التقسيم وهذا ما جعل قراءته على الرغم من حجمه وثقل الموضوع ممتعة وسهلة، لا استطيع ان اقيم مدى حيادية الكاتب او انحيازه كون قراءاتي المشابهة قليلة جدا ولكن وهناك مجهود محترم مبذول من قبل المؤلف مشكورا للتوثيق الرصين للمعلومات بالمصادر والصور وهذا ما يجعلني انصح بقراءته بخاصة السوريين
منذ صغري وكلما تمشيت في أحياء دمشق القديمة أمرُّ في "حارة اليهود" واستغرب أنا الذي ولدت في مطلع التسعينات ولم أعاصر النكبة أو حتى النكسة عن الفاجعة الإنسانية التي حلت بنا وجعلت من السكان الأصليين لهذا الحي والذي تكنى باسمهم «اليهود» أعداء في نظر النسيج الاجتماعي السوري الذي انتموا إليه في يوم من الأيام. في هذا الكتاب استعراض لهذه القضية وعن أثر المشروع الصهيوني العالمي في زرع الشقاق بين اليهود السوريين واخوانهم في المواطنة من باقي الأديان واستقطابهم ليصبحوا جزءا من الدولة اليهودية الوليدة.
استطاع المؤرخ سامي مبيض أن يتناول القضية من زاوية موضوعية بعيداً عن شيطنة أو تقديس دور اليهود في بدايات القرن الماضي بل على العكس ذكر ما لهم وما عليهم منذ عهد الملك فيصل وحتى سقوط حكم الشيشكلي. أحببت تعمق المؤلف في التاريخ السياسي السوري في سياق مناقشته أحوال اليهود وتطور حركتهم في كل طور وبالتوازي مع صعود طبقات سياسية تختلف في طريقة التعاطي معهم ومع مشروعهم ما بين مرحب كالملك فيصل وحسني الزعيم وما بين رافض كالرئيس شكري القوتلي وأديب الشيشكلي. الملاحظ عبر عقود من المباحثات بين الطرفين أن النخبة السياسية والعسكرية السورية لم تكن تدرك قوة خصمها القادم من كل حدب وصوب والمدعوم من القوى الكبرى بسبب حملته الترويجية الناجحة عالمياً بإظهار اليهود بموقع الضحية وخصوصي بعد صعود هتلر والنازية الألمانية وارتكابهم المجازر بحقهم، وظلت تتعامل مع المشروع الصهيوني على أنه أمر طارئ سيهزم لا محالة على أيدي العرب والمسلمين. ويا للأسف تبين قصر نظر وسوء التخطيط من طرف السوريين والعرب بعد قيام دولة اسرائيل والاعتراف بها من قبل دول العالم. يتجلى سوء التخطيط في التبخيس من قيمة هذا المشروع السرطاني ومن أهمية الديبلوماسية والصورة العامة في نسج أفضل العلاقات مع دول العالم وبالتالي كسب حلفاء في مجلس الأمن والمحافل الدولية الأخرى يكونون عوناً لنا لا عبئا علينا. واليوم ونحن على أبواب صفقة القرن باختلاف الأشخاص والأزمنة ما زال العرب قاطبة يتعاملون مع المشروع الجديد باستخفاف وغباء شعبياً وخبث وتآمر سياسياً وكأننا لا نتعلم من دروس الماضي يا حسرتاه.
قطعة من قطع الفسيفساء السورية تم إزالتها من مكانها بسبب حالة التخلف التي ورثناها من الاحتلال العثماني، ذهبت و لن تعود بسبب قلة وعي الشعب و انعدام ثقافته التي ورثها و عدم قدرة الموجودين وقتها لمواجهة الاخطار المحدقة، الغريب انه مازال نزيف القطع الفسيفسائية مستمر، و لا وجود للوعي حتى بعد قرابة قرن من الزمن من تلك الأيام.
كتاب تاريخي مهم يكشف عن وثائق وأحداث لأول مرة نسمع بها كانت غير معروفة ومخبأة في طيات النسيان. الشكر والتقدير للكاتب الذي استطاع الوصول إلى أهم المراجع والوثائق المتعلقة بفترات حساسةمن تاريخ سوريا وفلسطين واختار أن يطلعنا عليها ضمن صفحات هذا الكتاب الشيق.