تبقى النصوص المستوحية للمدن/ المراكز المشرقية، بما هي مجاز كبير لصور ذلك الزمن الرومانسي الجميل رونقها الخاص؛ وقد اختصر داخلها الأديب والشاعر السوري الكبير محمود عمر خيتي كل الألق الفني والفكري والاجتماعي في (رواية) تمثل كلّ لحظات التوق والحنين لهذا الزمن وسمها بـ "حبَّتانِ من القمح" وبعنوان فرعي مكمل "ثنائية الحب والحياة في مدينة الأنبياء" والثنائي هنا جمالي ذو بعد استشرافي يصل صورة المدن العربية بيروت والشام والقدس باسلامبول (اسطنبول) وينفتح على اللحظات العابرة للزمن ويتقاطع في مبناه السردي الصوت الذاتي بأصوات شخصيات وأمكنة وتفاصيل تاريخية، ومرويات يومية وذكريات جميلة ... ينجدل فيها الواقعي بالمتخيل والتاريخ بالجغرافية والمرجعي بالمفترض المتوق إليه.
حبتان من القمح هي الجزء الأول من الثلاثية الشامية للكاتب والأديب والشاعر د. محمود عمر خيتي جرت أحداثها في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وأنت تقرأ فيها يظهر لك البطل الطبيب والبطل الكاتب تنصهر الشخصيتان لوهلة فماتعود تُميز بينهما.. حسام طبيب عاشق للقدس وأهلها مُساعد للفقراء والضعفاء كان مُصلحا"يُعالج المشاكل ويكشف الأشرار بذكاء وحنكة و يعالج الأمراض والأسقام برأفة ورحمة يقول: "في الوقت الذي نتبادل فيه العتاب ونختلف على أمر صغير أو حتى كنا نستغرق في سعادتنا ،فمن المؤكد أن هناك عدوا"لئيما"يقف على باب بيتنا يتربص بنا ويكيد لنا " تتميز الرواية بسرد مُحكم بأسلوب رفيع عالٍ يجعلك تتخيل الأشخاص لا بل وتسمع أصواتهم .. حتى صوت سنابك الحصان وهو يجر العربة.. إنه تمكن الكاتب من اللغة والفكرة وكأنك أمام بناء مُصمم بإتقان وجدارة تبحث عن ثغرة فلا تجد إلا مايسرُّ القلب والعقل عمد الكاتب إلى عدم كشف الأوراق كاملة أمام القارىء وهو يروي قصة الصراع بين الخير والشر فيعطيه الورقة تلو الأخرى.. تلمح بين الأوراق حكم تنفع القارىء في كل زمان ومكان حتى إذا ماشارفت الرواية على الانتهاء شرع إلى كشف الأوراق والحقائق كاملة.. إنَّه أسلوب ذكي يحتاج من البراعة مايحتاجها ويجذب القارىء ويحثه على الاستزادة من القراءة لمعرفة ماسيحصل
ومازاد عذوبة الألفاظ وأضفى جمالا"خاصا"على الرواية قصة حبِّ حسام لمارية التي رافقت أحداث الرواية .. قصة حبٍّ ولاأروع فيها الجمال والعفاف والنقاء .. يقول: كلما نظرتُ إليكِ أحببتُ القدس أكثر.. لاأدري من الذي يجعلني عشقُهُ أعشق الآخر.. أنتِ يامارية والقدس حبتان من القمح مزروعتانِ في ثرى قلبي ولسوف تنموان مع الأيام سنابل قمح لا انتهاء لها.
هذه هي الرواية الأولى من ثلاثية روائية تاريخية تغطي النصف الثاني من القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن العشرين، وتشهد أحداثا جسيمة متشعبة على المستوى الاجتماعي غير المنظور لدارس التاريخ عادة، وتتحرك فيها شخصيات رئيسة تلعب دور البطولة وشخصيات أخرى تكمل اللوحة الفسيفسائية للمجتمعات الشامية والشرقية في القدس على الأكثر، وبنحو أقل في دمشق وبيروت وإسطنبول والقاهرة وغيرها، وتنقل البطولة في الرواية الثانية التي ستصدر عام 2019 إن شاء الله من شخصية الأب إلى الأبناء والبنات وصولاً إلى الأحفاد.