كتب الروائي عمرسليمان عن ( رواية و يبقى الرماد يحترق ) أنها توسم كرواية اجتماعية بجدارة، تشبه دراما المسلسلات السورية المُشوقة..
ـ العنوان (ويبقى الرماد يحترق) تبدأ الرواية بعنوان جملة تعجبية، إذ كيف يظل الرماد المتخلف بعد الاحتراق ماضياً في احتراقه في الزمن الحاضر، بل أن الجملة تعطي انطباع مستقبلي بأنه سيستمر في احتراقه، نكاية ومُغالاة وإمعانً واعتداءً وتأجيجاً… ولعلنا نفهم دلالته من عدة جُمل، ما بدأته بوصف نفسها: (البيت أصبح بارداً مُوحشاً، فقد كل الدفء. وأنا رماد. رماد امرأة انطفأ منها كل شيء، إلا الذكريات والماضي.. انطفأت مني المشاعر، مات فيَّ الإحساس إلا لك…) ثم ما تلته مُباشرةً بوصف أدهم في فصل مُعنون بـ (الحقد رماده تشتعل): (إلى متى ستظل نار حقدك تشتعل بعد أن أحرقت كل ما هو جميل بحياتنا.)، وفي مقطع آخر (حتى الموت لم يكفي أدهم وغالب ليُتابعوا خططهم في تعذيبي وقهري واستنزاف كل حياتي الباقية، ولم يبقى فيها سوى الرماد المُنطفئ.!)
إذن ندى هي الرماد، وأدهم هو نار الحقد المشتعلة تحت رماد ندى، والذي انتهى من احتراقه، لكن النار لا زالت بحقدها تناله بلا رحمة..
ـ أغرقتنا الكاتبة في الجو السوري إغراقاً بوصف كل ما يمت للشام من طقس وطبيعة خلابة، غيثه وجليده وطيوره، فصوله، شهوره، ونسماته، أنهاره، بساتينه وأشجاره، زهوره ورحائقه الشذية.. كما أجزلت في سرد ما لأهل الشام من عادات وتقاليد ومناسبات ولَمة واجتماعات عائلية، وأكلات، سمر وسهر، تعاملات، وأساليب، طبائع، وطبيعة شخصيات، أفكار، وأصوات، وشَدو..
ــ انكشفت لي أعماق عماد وندى جلية بلا أي أستار ولا حُجب، بل انكشفت أعماق شخصيات الرواية جميعاً.. من خلال مشاهد ومواقف أبدت ما تكنه الصدور.. لم تكن الكاتبة أو ندى تتحدث مباشرةً عن شخصيات شريرة، بل كانت المواقف والأزمات هي التي تتحدث..
ـ راقتني كثيراً شخصية بطلة الرواية ندى المهذبة والحساسة والمُطيعة والبريئة، وبالأخص تلك النزعة والميل الديني لإسلامها هي وعماد من خلال التزام بعبادات وفروض ومناسبات إسلامية أو تمسكهم وتعرضهم لمسائل فقه وشريعة متعلقة بأبواب الطلاق والزواج والإرث أو زيارات مقدسة للعمرة والحج أو استشهادات بآيات أو دعاء واستنجاد وشكوى لله.
ـ كم حببتني بعلاقة ندى وعماد، ذاك الحب الغامر والآسر، الانسجام النفسي والشخصي، التمازج الروحي والجسدي..
ـ كم هو محظوظ الزوج الذي تزوج إنسانة كاتبة عاقلة مُتفاهمة، دافعت عن زوجها، وقصت تاريخه كله بنزاهة، وعبرت عنه بما لم يكن يستطيع الإفصاح عنه إزاء عداوة أشقاءه وفِخاخ مُطلقاته وعقوق أولاده، وأحابيلهم ضده، ليحجروا عليه، وضد زوجته ندى ليُطلقها.. لتسرده كاملاً بكتاب يحفظ الحقيقة أكثر من زمن أعداءه وحُساده من أهله وأصحابه ليحفظ الحقيقة أبعد من زمن جيله، وجيل عائلته؛ لتُظهرها على العالم، في أعماق الزمن، فينتصر الحق رغم مكر الماكرين، ينتصر عماد وندى المظلومين حياةً ومماتاً ويوم الدين، ويُغلب الأشرار في العالمين..
ـ أظهرت الكاتبة معدن المرأة السورية الأصيلة نقية السريرة، تلك التي تُبرر لرجلها/زوجها مواقفه سلبية الظاهر، حتى لو تنافى ذلك مع طبيعتها كأنثى غيورة..
(كل هذه التفاصيل تعطيني صورة واضحة لكي أضع زوجي داخل إطاره وأبدأ في تقييم الأمور من جديد بعيداً عن الغيرة)
وكما بينت معادن طيبة مثلها ومثل عماد ووالدته ونهى ابنته، وهند صديقتها وزوجة عم أولاد عماد… ساقت كذلك معادن رخيصة دنيئة من المرأة السورية، وقد ظهرت في عديد من الشخصيات في الرواية..
ـ نقلتنا الكاتبة من موقف لموقف، من تقارب لتقارب، ومن مشكلة لمشكلة، ومن ابتلاء لابتلاء، من مصيبة لمصيبة، من مواجهة لمواجهة، إنها الحياة مُلخصة في كتاب، وما الحياة إلا تلك السنوات التي تبدأ بالزواج وتنتهي بالفراق أو بالموت.. بكل موضع رق وجداني وأُعجبت، أو التهب غضبي وتغيظت، أو دمع قلبي واتعظت، أو هاجت شجوني وحزنت وتحسرت.. بالتدريج وصلت لقمة الشجن والتأثر والوجع ما تقدم أحداث الرواية في الصراع وانفكاك العقدة…
ـ إنها الحياة تكتبها المؤلفة بشكل عميق ومُفصل، تصلح كسيرة ذاتية، ورواية اجتماعية، وكرمزية سياسية ترصد الحال الشعبي المُتناحر والظالم قبل قيام الثورة، الجانب التأملي المُترع عبرةً وعِظة، والذي يكشف الأسباب، ويسوق النتائج كحقائق واقعة، هزائم وحرب دامية بين سلطة غاشمة، وبين مقاومة ضعيفة سيرتها مُشوهة، غير أنها صامدة، يدعمها الحق الإلهي بتدبيره وعدله وانتقامه..
(وبعودتي عرفت أن القدر لا يُمكن له أن يترك للظلم أيدٍ كثيرة لتمتد أكثر بتدمير الآخرين، فيبدأ العقاب أو يجبر الظالم على دفع الثمن. أو ربما ليدفع فاتورة ظلمه. للظلم أيضاً فاتورة تُدفع، ولكن علينا الانتظار والصبر والرضى بالقضاء والقدر. وهكذا كنت أنتظر لأرى وأسمع حُكم رب العالمين؛ لأنه أنصف من كل الحُكام والقُضاة والمحامين، هو وحده الحاكم العادل.)
وبهذا التغير في النظر للقدر بنهاية مسار الرواية، عرفت أن ندى عادت لتؤمن من جديد بالقدر، بعدما كانت تشك فيه بالبدء أنه ظلمها أو غدر بها، فها هو الله يقتص ممن ظلمها، ولتعي أن القدر لا يظلم، بل البشر أنفسهم يظلمون، بانحرافهم عن مسار الحق والعدل، ومَن يفعل ذلك، فالقدر ضده لا معه، وهو حليف المقهورين المظلومين. لتختم الكاتبة أو ندى آخر فصل من روايتها أو سيرتها بعنوان “رضوخ واستسلام لمشيئة القدر".
This entire review has been hidden because of spoilers.