قليلة هي الكتب التي تحاول أنسنة الطب، وأقل منها تتحدث عن علم التخدير
حتي في كليات الطب، لا يمر الطلاب علي قسم التخدير غير أسبوعين خلال رحلة تتجاوز الست سنوات
أحمد سمير سعد، استشاري ومدرس التخدير بقصر العيني جامعة القاهرة، قلم جميل يضاف لقائمة طويلة من الأطباء الأدباء
كتاب جميل .. ملهم .. مشوق .. سيطر علي كل حواسي وقضيت معه يوما كاملا
يعتبر هذا الكتاب تأريخا لتاريخ علم التخدير، مثلما فعل الراحل أحمد خالد توفيق عن طب المناطق الحارة في كتابه شربة الحاج داود
وانطلاقا من خلط أطباء التخدير بين لفظ "نوم المريض" بدلا من "تخدير المريض" وهو خلط متعمد ومقصود لأسباب سيكولوجية
ومن تشبيه انسحاب الوعي الناتج عن أدوية التخدير بالانسحاب الناتج عن النوم الفسيولوجي الطبيعي
ينطلق الكاتب في رحلة مثيرة في محاولة لفك التشابك بين نظريات تفسير هذه الوعي
النظرية الأولي والتي يتبناها الفلاسفة تفسر الوعي بظاهرة فوق مادية لا تنتمي بصلة للسيالات العصبية والنضبات الكهربية
بينما النظرية المادية البيولوجية تنسب الوعي لهذا التشابك الالعصبي الفريد نتاج تطور الجهاز العصبي عبر ملايين السنين
فالوعي حالة عقلية تشمل الإدراك واليقظة والذكاء والذاكرة والإحساس ... الخ . ليس هناك جمهاز معالجة مركزي مادي له
يتناول الكاتب في الفصل الثاني تاريخ تطور التخدير بداية من كونه ممارسة ناشئة غير متخصصة بدأت منذ آلاف السنين
حيث ورد تاريخيا استخدام حضارات قديمة كالسومريين للخشاش والأفيون في تخدير المرضي
أما البابليون فاستخدموا نبات البنج، الصينيون استخدموا نبات البيش وإبراهم الصينية التي استخدمها الطبيب الفرعوني إيمحوتب
الهنود استخدموا دخان الحشيش واستخدمه الصينيون أيضا، الأشوريون منعوا تدفق الدم للمخ فضغطوا علي الشريان السباتي
الأطباء المسلمون ابتكروا الإسفنجة الطبية للتخدير وهي تقنية كانت مفيدة في عصرهم
تاريخ التخدير البشري كعلم حديث بدأ باستخدام غاز أكسيد النيتروز بعد اكتشافه علي يد جوزيف بريستلي
استخدم وقتها الغاز كوسيلة للترفية عن سادة المجتمع في حفلات واشتر باسم غاز الضحك
ولم يتم استخدامه لأغراض طبية حتي استخدمه طبيب الأسنان هوارس ويلز أثناء خلع ضرس لمريض
ومازال يستخدم حتي الآن، بينما منعه حاتم الجبلي وزير الصحة الأسبق بسبب حادثة شوائب الصناعة الشهيرة
يعتبر ال16 من أكتوبر 1846
هو اليوم العالمي للتخدير حيث قام وليام مورتون مع الجراح جون وارين باستخدام الأثير في عملية استئصال ورم بالفك
وتوالت الاكتشافات، الكلوروفورم الهالوثين أيزوفلورين ديسفلورين سيفلورين الكوكايين البروكين
كل هذا الوقت كان التخدير لا يغدو كونه مجرد ممارسة طبية للجراحين واطباء الأسنان دون أي مؤهلات عليا
حتي تم بدأ تعيين أساتذة للتخدير جورج لينيجر في كلية الأسنان بشيكاغو ودريسدال بوتشنان كلية الطب بنيويورك
وتأسست أول جمعية لطب التخدير في نيويورك وأول برنامج تدريبي للأطباء المقيمين بجامعة ويسكونسن، ماديسون
وتوالت إسهامات أطباء التخدير في تطوير الأدوية واستخداماتها والأجهزة والمناظير المستخدمة
في الفصل التالت بعنوان التخدير دوما متهم، يتناول تعامل المجتمع والإعلام ومطبقي القانون والمجتمع الطبي نفسه
لحالات الإهمال الطبي أو المضاعفات الطبية سواء الناتجة علي خطأ بشري أو خطأ في المنظومة الصحية
فالثقافة المصرية لديها أرث كبير من عدم الالتزام بمعايير السلامة والأمان كاملة، تتعامل مع الخطأ بتعتيم يليه رفض ثم استنكار
فيتحول عقاب أي خطأ بسيط لمحاولة انتقام وتنكيل وقطع رقبة بدل من الموضوعية ووضع الأمور في نصابها والعقاب علي قدر الخطأ، بعد ثبوت الخطأ. أخطاء هذه المنظومة ككل تمنع استغلال التبليغ عن الأخطاء التي تمر بسلام وتمنع تحليلها مركزيا لإعادة تقييم المنظومة وتلاشي أي خطأ مستقبلي. ثم ينتقد التعامل الإعلامي مع هذه الحالات سواء لعدم الالمام بالتفاصيل الفنية، والخلط دائما بين المضاعفات الطبية وبين الإهمال
والعديد من الأساطير الشعبية التي لا أساس لها من الصحة كجملة "جرعة بنج زيادة" أو "تلاقي التخدير السبب"
هذه الفصل من أصدق وأبلغ واشمل ما قيل في هذا الشأن
في الفصل التالي يبين طبيعة عمل مهنة الخدير ومخاطر المهنة
وأسباب ندرة هذا التخصص وإحجام الأطباء عنه ليس في مصر وحدها بل في أغلب دول العالم الشرقية
ونظرة المجتمع لطبيب التخدير البعيد عن الوعي العام للطبيب واتهام التخدير دوما بالتسبب في كل المضاعفات والأدمان
ويتناول أمور فنية تبدو مألوفة للدارس وممتعة لغير الدارس عن عمل أدوية التخدير ومضاعفات الأدوية وعلاجها
وخرافات عن التخدير مازالت تتردد وكررتها السينما والقصص الشعبية، التخدير بمنديل! مبينا استحالة حدوثها
والعلاقة المثيرة للجدل، علاقة الطبيب بالجراح، علاقة المفترض منها أن تكون مواءمة لكنها ليست كذلك
حتي نقابة الأطباء تجاهلت تكريم أطباء التخدير المشاركين في عمليات مصابي الثورة واكتفت بالجراحين والأطباء
كل هذه الأمور بالإضافة لطبيعة العمل المرهقة تجعل الأطباء يجحمون عن هذا التخصص النادر
ويلقي نظرة علي مستقبل التخدير أو علم ما حول العمليات في ظل رأسمالية نيوليبرالية تسيطر فيها الكيانات الكبري علي
كل المؤسسات الطبية في دول العالم الغربية، وإهمال وعدم إنفاق في الشرق! كلها أمور تهدد مستقبل هذا العلم المهم
فالمستقبل حصاد ما يزرع الآن، ونتيجة مباشرة لمجموع تصرفاتنا كأفراد ومسئولين وكواضعي سياسات عامة