إذا كانت الحرب فعل تدمير، تدمير كل شيء البشر وما بنوه، التاريخ والحضارة الحياة والذاكرة، فإنها في «الحفيدة الأمريكية» للكاتبة العراقية إنعام كجه جي، فعلت أمرًا آخر.
حيث أعادت إنتاج الذاكرة. وجعلت الرؤية أكثر وضوحًا, ولا سيما إذا كانت الرؤية من الخندق الآخر. ولا سيما أنها تطرح الاحتلال الأمريكي للعراق من وجهة نظر مواطنة أمريكية (ذات أصول عراقية) جاءت مع الجيش الأمريكي، وكل ظنها أنها قادمة لتطبق الديمقراطية للشعب العراقي، لكن ما تكشف لها كان قاسيًا ومؤلمًا, فاللعبة كانت أكبر من الجميع، ولم يكن الهدف لا الديمقراطية ولا الحرية للشعب العراقي، وإنما تدمير العراق بكل تاريخه كدولة وكشعب وتمزيقه كقطعة خبز، ومن ثم توزيعه على الجائعين.
* رولا حسن.
أشتريت الرواية قبل سنة وأكثر, تحديدًا في صيف 2011, ونسيتها في المكتبة مع كثير غيرها. واليوم أحملها معي إلى كندا, في حدسٍ لا يغيب عن منطق الغربة الذي علمتني إياه بعض الكتب.
أنتهيت منها الآن, والساعة تُقارب الواحدة صباحًا., أربع ساعات بالضبط, مع تحديد وتدقيق وجرد وتوقفات عديدة أمام بعض المقاطع الجديرة بالتوقف.
ربما هي رواية مألوفة جدًا. تحكي واقع العراق الجريح, لكن الجديد فيها صوت الشجن الذي شطر البطلة "زينة" إلى نصفين, إلى زمنين, إلى مكانين... وإلى عمرين. (ما قبل بغداد وما بعد بغداد). زينة التي تركت العراق مع والديها وهي طفلة عراقية لا تعلم ماذا ينتظرها, وعادت إليه مُجنّدة أمريكية ترد الدين لأمريكا, الدولة التي آوتها, وتحلم أن تُعيد للعراق ما فُقد منه. لكن أيًا من هذا لم يحدث. ما وجدته هناك كان أكبر ممّا كان عليها أن تتحمّل. قبل هذا, نشهد على نزاعات داخلية بين أهلها, نزاعات داخلها هي, حول هذه الخطوة, حول هذه العودة. ثم تذهب للعراق, ويختلف كل من يعرفها في موقفها هذا. ماعادوا يعرفون إذا كانت عميلة خائنة أو ضحية من ضحايا النظام الذي هرب منه والدها. يقولون عنها أقاربها في بغداد (كلب أو بيتين), مع فشل محاولات جدتها في أن تُعيدها إلى أصلها وتقوّم ضِلع التربية التي ميّلته أميركا. ليسَ بإيديهم شيء حيال هذه البنت التي عادت وكأنها ربيبة احتلال. عادت فوق دبابة أميركية. تحاول زينة أن تتصالح مع وطنها, وتدافع عن نفسها في وقتٍ واحد أمام كل الاتهامات التي تُطالها. ترثي زمن الوطنيّة الذي ولّى, ترفض بعض القيم العراقية الأصيلة, وتقع في المنطقة الخطرة من النزاع حول الديانات, تقع في حب أخيها من الرضاع, وترفض حُرمة هذا الحب, ترفض قيمة الأخوّة هذه, وتناضل قليلًا. ولا تنسى أن أخيها الذي رجع بعد أسرهِ في إيران ملتزمًا دينيًا, أخيها هذا في الجيش المُعادي لها, وأنه من أجل وطنه ربما يقتلها يومًا ما, ضاربًا بهذا الدم عرض الحائط. لأنها عدوّته ببساطة. هو ينظر إليها بأنها ضحية خدعة, ضحية لعبة أكبر منها, وهي تنظر إليه رغم مشاعرها تجاهه بأنه الذي أنكر الجميل, جحد هؤلاء الأمريكان الذين هم هنا بالأصل من أجل العراق, وقتل الكثير منهم.
الرواية تقدم تناقضات كثيرة, تناقضات واقعية جدًا. فالكاتبة لم تأتِ بشيءٍ من رأسها. بين عالمين اثنين مختلفين في التقاليد والتاريخ, ضِد الضدْ تمامًا. وزينة التي تؤمن بأن الهجرة استقرار, تشارك في المداهمات وتشهد ذل أبناء وطنها, تشهد الانكسار فيهم. وتدافع في نفس الوقت عن الطقوس الشيعية لمّا سخروا منها رفاقها الجنود.
أمّا النهاية فكانت في موت الجدّة. الجدّة التي حاولت كثيرًا أن ترجع الحفيدة لأصلها, أن تنظفها من تلوّث دمها مع أميركا. لكنها فشلت بطبيعة الحال, ماتت الجدّة بالحسرة, بحسرتها من هذه الحفيدة الذي عادت وقلبت كل الموازيين. ماتت قبل أن تُسامحها, قبل أن تصفح عنها وكأنها تلوّثت أبدًا ولم يعد في الإمكان إصلاحها.
مخطط الجدّة في إعادة الحفيدة لم ينجح. حتّى ولو روحيًا. كان الأمر أكبر منها بكثير. ماتت الجدّة وأنتهى عقد زينة مع الجيش الأمريكي: "اليوم هو الخامس والعشرون من آذار 2008. التاريخ مكتوب على الزاوية العليا للشاشة. أنتهى عقدي مع الجيش ولم أُجدّده. عدت من بغداد بهذه الحصيلة, شجن مثل عسل مصفّى, ثقيل ولزج وشفاف, يفيد في ليالي الأرق ويحرّض على كتابة الشعر, عذاب لا يصلح لتقوية الهمم والمعنويات, لا يشد الوجه ولا يصوبن المفاصل. يقودني الشجن من يدي إلى غابة الأشجار الرماديّة, ينساني هناك. قلت لن أحمل معي هدايا, لن أسكب دموعًا, لن أُلقي نظرة أخيرة على أي بيت ولا جسر ولا نخلة. حتّى ذاكرة جدّتي تُثقل على كاهلي. لم نأخذ وقتنا في الكلام, زرتها اختلاسًا وفي غفلة من الحرب. لم تكمل مهمّتها في تأديبي. لكن ما نالني منها خلقني امرأة, انسانًا".
وفي المشهد الأخير من الرواية تقف زينة في مقبرة أرلنغن, المقبرة الخاصة بالجنود الذين قتلوا أو فقدوا في العراق.. تقف هناك في رؤية كاملة لمشهد الفقد الذي حملته الرواية من أولها حتّى آخرها. لم تكن ترثي هناك إلّا نفسها التي فقدتها في العراق "وأنا عاجزة عن الإنتماء حتّى إلى اسمي". تعود إلى منزلها, تغتسل ولا يسقط منها غبار الشجن: "ظل عالقًا بي مثل قريني, سيبقى معي يُكمل تربيتي. يرافقني عندما أسوق سيارتي وأتفرج على الناس يأكلون ويشترون ويضحكون ويسمنون. لا يعرف هؤلاء ما جرى لي. ما يجري لنا في تلك البلاد. أولادنا أرقامٌ صمّاء تحمل شواهدها وتتقدّم". وفي هذا السطر, تتحدث بصيغة الجمع مع العراقيين, في السطر الوحيد من الرواية كلّها. لتؤكد في صورةٍ أخرى ما ولّده شعور الفقد في نفسها, ما ولّده من إنتماء متأخر لبلادها التي ذهبت إليها على هيئة عدو مغتصب وعادت منها شعب جريح.
وحده الشجن كفيل بأن يفعل ما فشلت عنه جدّتها ويُربّيها جيّدًا. وحدها الخسارة التي كسرت ظهرها ربما تردم حفرة الهجرة والخيانة في نفسها.
"لم أجلب معي هدايا ولا تذكارات. لا أحتاج لما يذكّرني بها.
أقول مثل أبي: شُلّت يميني إذا نسيتك يا بغداد".