عن عبيد صاروا ملوك وملوك أصبحوا صعاليك، عن رجل رفعت راياته ودعا باسمة على المنابر من الهند إلى المغرب ثم أصبح يتسول قوتة في بضع سنين، عن ذلك اليوم الذي سدت فية بئر زمزم بجثث الحجاج المقتولين واعلن الفقهاء سقوط فريضة الحج، وعن الخليفة الذي بني على باب غرفتة جدار وترك حتى مات جوعا وعطشا، وعن رجل قام وحدة بلا تابع ولا نصير فهدم دولة من أعتي الدول وجعلها اثرًا من بعد عين، عن ثورات الزنج والفرس والبربر الجامحة ودول الشيعة والخوارج الغامضة، عن أيام مشهودة وأشخاص وأحداث عديدة غض البصر عنها وسكتت الاقلام يحكي هذا الكتاب.
لا أدري لما اختار الكاتب عنوان "المسكوت عنه في التاريخ الإسلامي" فما يرويه معروف لكل من يقرأ تاريخنا بتمعن، بل أن هناك كتب سابقة تناولت ذلك الجانب المظلم من تاريخنا وبتفاصيل أكثر مثل "الوجه الآخر للخلافة الإسلامية" وغيرها من الأعمال بشكل عام يركز الكاتب على الجوانب الأكثر دموية وتفرقاً في تاريخنا، ويقسم الكتاب إلى عدة فصول بداية من الخلاف الأول بين سيدنا علي ومعاوية، مرورا بالدول الكبرى كالأموية والعباسية والفاطمية، ونكبة التتار وثورة الزنج والقرامطة، وفصول عن الشيعة والخوارج والمماليك، لكن ما يميز الكتاب الفصول التي تتناول فترات تاريخية أكثر حداثة، وبخاصة الثورة الإسلامية في أيران، والحركة الوهابية في السعودية ومسيرتها حتى الوقت الحاضر الكتاب صعب القراءة، فالكاتب يحاول الاختصار لعرض أكبر قدر من المعلومات في أقل مساحة ممكنة، فتجد الصفحة الواحدة ربما وقد فاضت بكم كبير من الأحداث والأسماء وعدة تواريخ يصعب على العقل استيعابها في المدة الزمنية الطبيعية لقراءة صفحة فيلجأ القارئ للتوقف لالتقاط الأنفاس أو العودة لأحداث سابقة من أجل ربطها بما يقرأه، لذا استغرق وقتا طويلا في قراءته لكنه يقدم الموضوع بشمول كبير دون اختصار يخل بالمحتوى كتاب يستحق القراءة، على أن ترجع لمحركات البحث في حالة الشك في أي معلومة يعرضها، والتي لن تزيدك إلا تشتتا أحيانا لأن تاريخنا فضفاض ملئ بكل أنواع القصص المتناقضة
يتحدث الكتاب عن الأحداث التاريخية التي يتحاشى المؤرخون المسلمون التحدث عنها، ويبدأ بأحداث الفتنة الكبرى ما بين علي ومعاوية، وكيف قُتلَ علي كرم الله وجهه وانتهى الملك لمعاوية، وقد هدأ معاوية من بعد مقتل علي وقد استقر له الأمر وقال قولته الشهيرة "لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني ولو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كانوا إذا شدوها ارخيتها وإذا أرخوها شددتها"، وأروث معاوية الملك لابنه يزيد فقال له "يا بني قد كفتيك الرحلة والترحال ووطأت لك الأمور وأخضعت لك رقاب العرب وجمعت لك ما لم يجمعه أحد. بعد موت يزيد انتقل الأمر إلى عبد الملك بن مروان الذي قاتل عبد الله بن الزبير وحاصره في مكة ونصب الحجاج المقاليع على الجبال حول مكة، حتى قتل بن الزبير بعد ما تخلى عنه ولديه حزة وخبيب، وبذلك سار عبد الملك هو خليفة المسلمين انتزعها بالقوة ويعتبر هو المؤسس الثاني للدولة الأموية. يحكي الكاتب كيف استقل محمد الإخشيدي في تأسيس دولته، وكيف توفى وله ولدان صغيران فقتلهما كافور الإخشيدي خادمه ليحكم مصر من بعده، وانفرد كافور بالحكم واستطاع مواجهة الفاطميين والقرامطة والحمدانيين. وكان مراد الثالث هو من أرسى هذا التقليد الدموي حيث قتل كافة اخوته الذكور بمجرد اعتلاءه العرش خشية الانقلابات والمؤامرات. يؤكد الكاتب أن الصراع بين الحضارات هو سبب أساس لنشوء الحضارات وأن الحضارة الغربية تشكلت حول الحملات الصليبية والصراع المسيحي الإسلامي. الحاكم بأمر الله كان مختلاً ويعير من اتجاهاته السياسية في كل يوم، وقد قتلته أخته ست الملك في النهاية واختفت جثته، فيظن بعض الناس أنه المهدي المنظر وفي عودته سيكون هناك صلاح للحياة. يورد الكاتب لتفاصيل الصراع المسيحي الإسلامي في الأندلس من بداية وحتى طر المسلمين من الأندلس على يد فرناندز وإيزابيلا. الموريسكيون هم طائفة المسلمين الذين تحولوا للمسيحية جبراً حتى لا يتم طردهم من الأندلس، ومع ذلك فلم تمنحهم السلطات الأسبانية الثقة، وظل الموريسكيون يعانون من الاضطهاد رغم تحولهم عن الإسلام. الثورة الدينية البروتستانتيه، كان لها دور في محو الأمية وتعليم العامة للقراءة والكتابة. الصراع الدموي ما بين دولة المرابطين والموحدين في المغرب العربي. القرامطة هم أتباع حمدان بن الأشعث والقرامطة هي أسم أطلقه عليهم أعداهم لأن قائدهم كان يحمر وجهه إذا غضب فيكون وجهه مثل القرميط، وفي 317هـ ارتكب القرامطة جريمتهم الكبرى فقتلوا المصلين والطائفين بلا حرمة صارخين في المتعلقين بأستار الكعبة أن من يخالف أوامر الله ليس ضيفاً لله، وألقوا بالعديد من جثث الحجيج في بئر زمزم، وسرقوا الحجر الأسود ليظل في البحرين مدة 22 عام قبل أن يرجع إلى مكة بعد مفاوضات استغرقت أعوام. بدر الدين الجمالي الذي سكن في حي الجمالية، وقد سمي ذلك الحي على أسمه والذي أقام مآدبهكبيرة للأمراء وتخلص منهم على طريقة محمد علي والمماليك. يحكي لنا الكاتب عن الأزارقة والمغول وثورة الزنج والحركة الوهابية في السعودية، ويختم ذلك بفصل عن فضل التاريخ. حقيقة أعجبني الكتاب.
لم أشاهد من مسلسل صراع العروش سوى بضع مشاهد، ولكني متأكد من أن ما بهذا الكتاب من عنف ووحشية يفوق ما بالمسلسل.
محتوى الكتاب باختصار هو تلخيص لتاريخ العنف السياسي في مراحل التاريخ الإسلامي المختلفة، منذ الفتنة الكبرى وحتى ظهور الوهابية والثورة الإيرانية. ينقسم الكتاب لعدة فصول، كل فصل يتحدث عن مرحلة تاريخية أو حركة سياسية وما صاحبها من أحداث.
أسلوب الكتاب سردي بحت تقريبا، فالكاتب اكتفى بتلخيص وسرد الأحداث دون تحليل أو نقد يذكر سوى بعض الملاحظات هنا وهناك، بالإضافة للفصل الأخير الذي يذكر فيه الكاتب تحليله ورؤيته التاريخية المعاصرة... وهو أضعف الفصول بصراحة ويمكن تجاهله. الجيد بالكتاب كذلك أن الكاتب بنهاية كل فصل يورد مصادره، وذلك أمر جيد لمن يريد الاستزادة والتحقيق.
ليس لدي شك بأن هناك مبالغات في بعض الأحداث الواردة بالكتاب (على الأقل أتمنى ذلك!)، وذلك لا يمنع بأن قراءتها قد تسبب الضيق والإزعاج، وقد اضطررت لأن آخذ استراحة بمنتصف الكتاب تقريبا. وعموما الكتاب لا يصلح لأصحاب القلوب الضعيفة كما يقولون.
بالإضافة لأصحاب القلوب الضعيفة... لا أنصح بقراءة الكتاب إن كنت داخل عليه بقصد التصيد على مذهب أو جماعة أو فئة معينة، فلن يعجبك شيء، لأن التاريخ يبين لنا أن لا أحد بريء، والكتاب لم يترك أحدا بحاله... من سنة وشيعة وخوارج وقرامطة ومماليك ومغول وغيرها من التوجهات، وحتى الغرب من صليبيين وقوط وغيرهم، الكل أخطأ والكل دفع الثمن بالنهاية، والدليل أنه لم يبق لنا من ذلك التاريخ إلا تلك القصص... وبعض الأفكار التي نحمل اليوم وزرها. لذلك اتركك عصبيتك وأفكارك المسبقة جانبا قبل الدخول للكتاب.
يعاب على الكتاب كذلك بعض الفوضى وتزاحم الأفكار، فمن السهل أن تضيع بالأحداث أو تنساها بسرعة، وذلك أمر شبه طبيعي لأن الكاتب حاول اختصار ذلك التاريخ المعقد بكتاب صغير نسبيا. كذلك من عيوب النسخة الإلكترونية التي قرأتها كثرة الأخطاء النحوية والإملائية التي تصعب عملية الفهم في بعض الأحيان.
الكتاب رغم قسوته إلا أنه ممتع بشكل ما، ليس بقدر إمتاع كتاب قطب السرور الذي للأسف قرأته قبله مباشرة... وكان المفروض أن أعكس هذا الترتيب.
نقطة أخيرة بخصوص عنوان الكتاب. هل هذا التاريخ يستحق السكوت عنه؟ أولا، هو ليس مسكوت عنه فعليا، فالكاتب لم يأت بشيء جديد، فذلك التاريخ موجود وموثق بالكتب، لكن -كما يذكر الكاتب في بداية الكتاب- هو تاريخ اخترنا أن نتجاهله ونركز على جوانب أخرى أكثر إيجابية. فهل ذلك خطأ؟ شخصيا لا أرى خطأً كبيرا في ذلك. لا أقول بأنه تاريخ يجب أن ينسى، وهو لن ينسى، بل على الأقل أرى عدم تدريسه بالمدارس مثلا أمرًا إيجابيا، فأطفالنا ليسوا بحاجة للمزيد من مسببات الشقاق… ولا المزيد من العقد النفسية! ولكنه من ناحية أخرى مجال خصب للدراما التلفزيونية والسينمائية… يتفوق على لعبة العروش.
كتاب يشرح بالتفصيل الصراعات التي عمت العالم الاسلامي بدءاً من الامويين ونهاية بالعثمانيين .. وكذلك دور الاراء العقائدية في تزكية الصراع المرير على السلطة في مختلف الولايات الاسلامية