إلى جانب محاوراته المشهورة، هناك عدد من "الرسائل" المنسوبة إلى أفلاطون، أهمها الرسالة السابعة لأن الشك في نسبتها لأفلاطون يكاد يكون منعدما على عكس أغلب الرسائل الأخرى.
ترجع أهمية الرسالة السابعة أيضا إلى موضوعها، إذ يحكي فيها أفلاطون جانبا مهما من حياته الحافلة بالأحداث: محاولاته المتكررة للتأثير على حكام جزيرة صقلية الطغاة(ديونيزيوس الأول والثاني) لتطبيق فلسفته السياسية ولصنع "الحاكم الفيلسوف" وهو في رأي أفلاطون أمثل من يحكم المدينة، ويحكي عن صداقته ل"ديون" قريب ديونيزوس الأول والثاني، وعن تأثر ديون بفلسفته المثالية، وعن الصراعات التي نشأت بين ديون وحكام صقلية والتي تورط فيها أفلاطون بسبب صداقته ل"ديون".
نُفي "ديون" صديق أفلاطون من صقلية إلى بلاد اليونان وحُرم من أملاكه، وتعرض أفلاطون للكثير من المشاكل: قيل أنه بيع مرة كعبد قبل أن يخلصه أصدقاؤه، وتعرض لما يشبه السجن أو تحديد الإقامة في صقلية قبل أن يتدخل أصدقاؤه للإفراج عنه. وذاع أن ديونيزيوس الثاني نشر كتابا من تأليفه معتمدا على ما فهمه من فلسفة أفلاطون، رغم أنه لم يعرف عنه أي اهتمام بالفلسفة، حتى أن أفلاطون يقول أن ديونيزيوس لم يجلس إليه للاستماع إلى فلسفته إلا مرة واحدة، وهو يسخر في هذه الرسالة من فكرة أن يؤلف إنسان كتابا في الفلسفة وهو غير مهيأ بطبيعته لذلك، بل إنه يقرر أكثر من مرة أن الكتابة عن "المسائل الأخيرة" في الفلسفة هو شيء مستحيل لأن الكلمات قاصرة عن التعبير عن حقيقة الأشياء، ولأن المعرفة والحقيقة تنبع من شرارة داخل النفس - ربما بما يشبه الوجد الصوفي - بطريقة لا يمكن التعبير عنها.
بعد أحداث كثيرة تمكن "ديون" صديق أفلاطون أخيرا من العودة إلى صقلية مع بعض أعوانه وطرد ديونيزيوس الثاني وأصبح هو حاكم صقلية، وتصور أفلاطون أن تلميذه النجيب سيحقق حلمه في ظهور الحاكم المثالي الفيلسوف، لكن ديون لم يتمكن من حكم صقلية إلا باتباع نفس الأساليب الديكتاتورية السابقة، وانتهى نهاية مأساوية باغتياله على يد بعض أعوانه. وأرسل أعوان ديون لأفلاطون يستشيرونه فيما يجب عمله، فكانت هذه الرسالة السابعة ردا عليهم، وأيضا محاولة من أفلاطون للدفاع عن موقفه وعن فلسفته إذ يبدو أنه كان يشعر بالذنب لتدخله في السياسة بطريقة انتهت بمأساة، كما أن فكرته عن الحاكم الفيلسوف الذي يجمع بين القوة والحكمة والتي انتهت بكارثة يبدو أنها تعرضت للسخرية. وفي هذه الرسالة يبدأ تأكيده على أهمية "القانون" للوصول إلى الحكم العادل بدلا من الاعتماد على شخصية الحاكم، وهو التغيير الذي طرأ على فكره الناضج في شيخوخته كما فهمت من قراءات أخرى
يقدم المفكر والأديب والمترجم القدير الدكتور عبد الغفار مكاوي لهذه الرسالة المهمة بمقدمة طويلة تبلغ أكثر من نصف الكتاب، يشرح فيها الخلفية التاريخية للأحداث، ويتحدث بالتفصيل عن فلسفة أفلاطون وخصوصا عن نظريته في "المُثُل" وعن نظرياته السياسية في الحكم ونظام الدولة؛ ثم يترجم الرسالة السابعة كاملة مع كثير من الهوامش التوضيحية
كتاب صغير لكنه دسم للغاية