*فساد الأمكنة*
عندما أخبر الروائي أشرف الخمايسي عن رواية " فساد الأمكنة " , مُقرراً انها إحدي الأعمال التي تمنى لو انه من أبدعها , أخذت قرارا ً بقرائتها و مضي وقت غير قصير قبل أن أجدها بالصدفة في إحدي المكتبات الشهيرة .
صوره "صبري موسى"على الغلاف الخارجي لم توح ِ بالكثير , فالرجل لا تبدو على وجهة إمارات العبقرية التي توقعتها كعين ثاقبة مثلاً او ذقن حاد..بل بدا بيتياً بسيطاً مالوفا ً.
شرعت بلهفة في القراءة مُتجاهلاً التقديم الذي بدأ بة الرواية..حسناً..أنت لا تستطيع ان تكتب مثل هذه الأحداث بتقاطعاتها إلا أن كنت قد وقعت على سر ال"كتابة" الذي لم يستدل علية باحث قط , بل يجدة- مصادفة- من تحسس أركان العمل الأدبي اثناء كتابتة بحرفية وليدة الموهبة , ووَلَهّ وليد الإندماج مع الشخوص و الظروف , و لست أظن ان موسى أو غيرة قد علم مقدماً انه يَكتبُ ذهباً منثوراً. بل تتأكد تلك الحقيقة لاحقاً عندما يُقرأ العمل و يودع في مكانه الذي يستحقه على رفوف الخالدات .
عن بَدوٍ غير البدو تحدث موسى...بدو شلاتين الأقرب للأفارقة منهم للعربان القابعين بسيناء. بشر قد لا تندهش إذا سمعت عنهم بأحراش القارة و لكن ليس في مصر.البدو الذين إعتادت جمالهم لوك السمك المجفف بدلاً من سنابل الشعير , فلا مجال في ذلك القحل لرفاهية الإمتناع عن طعام ولو كان إمتناعاً فرضته خِلقة الله..فإستطاع هؤلاء الغجر ترويض الفطرة لتستقيم مع ظروف الحياة في تلك الأصقاع ..قال موسى :
" لقد ظلوا اُمناء على العهد منذ حَطّ جدّهم الأكبر الرحال تحت أقدام جبل "علبة" الأشمّ , فأصبح الجبل كعبتهم..ينحدرون إلى الشمال ويصعدون إلى الجنوب و يذهبون إلى الغرب و يستقبلون الهجرات المتتابعة عبر البحر على مر الزمان قادمهً من الشرق فتؤثر فيهم و تدفعهم أمامها , لكنهم يعودون إلى علبة. يقولون ان الله عندما خلق آدم , مثّل له الدنيا بُقعةً بُقعة ليراها , فلمّا رأى مصر, رأى جبل علبه مَكسوّاً بالنور, و كان جبلاً أبيض , فناداه بالمرحوم..و دعا لأرضة بالخصب و البركة .
أيداخلهم الشك في ان آدم القديم هذا ليس سوى جدهم الأكبر كوكا لوانكا ؟ "
إستطاع موسى ان يقودني عبر شخص المُنقّب "نيكولا" إلى سراديب جبل "الدرهيب" بحثاً عن إثنتين بحرف ال "ذال" , الذات و الذهب . و كان بحث نيكولا المُسمّى تيمّناً بقديس قديم عن ذاته أشدّ تأثيراً على أحداث الرواية حتى صار بحثة عن الذهب فعلاً هامشياً .
بدأت الرواية من المنتصف , بمقطع رأسي للدرهيب من عين صقر, و إستطاع موسى بذكاء و سلاسة ان يحافظ على خيوط الأحداث بعيدا عن التشابك , برغم تعدد الشخصيات التى أخذت حقها بغير إخلال في الرسم و التفصيل و لم تطغ رغم ذلك على شخصية "نيكولا" إلا عندما رغب صبري موسى في ذلك, عندما تحدث عن "إيسا" البدوي ذو التواجد القليل عظيم الأثر .
تطورت الأحداث على عكس ما توقعت , فمن بداية الأحداث بالبطل وحيداً , و عودةً إلى توقيت سابق لم يكن فية وحيداً لتبدأ من هنا مرحله السرد الفعلى الذي سيترتب عليه كل شئ لاحقاً .
إستطاع موسى ان يسكب على الورق شعور "الخطفة" الذي يصاحب الموت في الواقع عندما يموت احدهم بدون سابق إنذار والذي عاده ما لا تفلح الكتابات في إيقاعة على القارئ , بجانب الفانتازيا "المنطقية" التي لابد و أن تصاحب تلك الأجواء التي دارت بها الأحداث .
و بكثير من الترتيب المحكم إستطاع موسى إدراج ايليا إبنة نيكولا في خضم الأحداث رغم ان وجودها لم يكن متوقعاً , فليس من المنطقي ان يصطحب اوروبياً إبنتة ذات العيون الملونة إلى مكان مثل قلب جبل الدرهيب . لينتهي به الأمر بمضاجعتها, ليحيي موسى بهذا الحدث الصادم اسطوره زنا نوح بإحدى إبنتية الواردة في الرواية العبرية لقصة الطوفان .
الكثير من التفصيلات و المعلومات شديده الغرابة حريفه المذاق اوردها موسى في روايتة . جبال اسطورية حية, بشر كالآلهة. قلاع مهجورة و موانئ غامضة, ورحلات خيالية على ظهور الجمال تستطيع بكل سهولة ان تعيشها عندما تقرأ الرواية .
الشئ الأخير..ماذا قصد موسى من تسمية رائعتة ب "فساد الأمكنة ", هل قصد ان بعض الأماكن تفسد من تلويثات البشر؟, ام أنه قصد الإشارة للعطب الذي تنضح بة تلك الأماكن ردا ًعلى عدوان البشرعليها وهي التي خُلقت لتظل كما هى بكرا ً بدون تدخل من الإنسان , فتَفسَد و تُفسِد كنوع من تفجير الذات و المعتدي معا ً.
إقرأ و أخبرني .
محمد محمود إمبابي .