يسعى الكاتب في كتابه هذا لإيجاد سبيل وسط، وآلية قراءة يقبلها العقل والدين للنظرية الداروينية المعروفة بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء، حيث يرى الكاتب أن نظرية داروين لها أثر بالغ على مختلف الحقول المعرفية؛ ولهذا يرى أن البحث في النظرية وتقاطعاتها مع حقول المعرفة المختلفة ونقل هذا إلى العربية أمرٌ غاية في الضرورة لما فيه من نفع. وقد فنَّد الكاتب رأيين متباينين حول نظرية التطور؛ إذ يرى أن كلًّا منهما — سواء مَن أيَّد النظرية أو مَن عارضها — قد أضرَّ بها من غير وجه حَقٍّ، فتوجَّه بالنقد لكلٍّ من الدكتور شبلي شميل، والسيد جمال الدين الأفغاني؛ لما كان للأول من أثرٍ في نشر المذهب الدارويني اعتمادًا على المادية، ولما كان للثاني من أثر في العمل على نقض المذهب؛ ظنًّا منه أن ن
إسماعيل مظهر: مفكر مصري ليبرالي، وواحد من أعلام النهضة العلمية والثقافية الحديثة، ورائد من رواد الفكر والترجمة، وأحد الذين أولَوا ميدان الفكر الديني والاجتماعي أهمية كبيرة في مشروعهم الفكري.
ولد إسماعيل مظهر في القاهرة عام ١٨٩١م في أسرة ثرية ذات أصولٍ تركية؛ فهو حفيد إسماعيل محمد باشا، وينتمي إلى أسرةٍ كَتَبَتْ في صفحة التاريخ سطورًا من النبوغ العلمي، ولا سيما في حقل الهندسة. التحق إسماعيل مظهر بالمدرسة الناصرية ثم أكمل دراسته في المدرسة الخديوية، ودرس علوم الأحياء، ثم درس اللغة والأدب في رحاب الأزهر الشريف. وتُبين تلك المراحل الدراسية التي مرَّ بها توقُّفه عند المرحلة الثانوية. وقد كان لخاله أحمد لطفي السيد بصمة كبيرة في فكره الليبرالي الذي أَرْسَى دعائمه ثأثره بالثقافة الغربية وإجادتُه للغة الإنجليزية التي تعلمها أثناء سفره إلى إنجلترا.
دخل إسماعيل مظهر مُعْتَرَكَ الصحافة صغيرًا، فأصدر جريدة الشعب عام ١٩٠٩م، وخاض معركة النضال السياسي مع الزعيم الوطني مصطفى كامل، ومن ثَمَّ بدأ اسمه يذيل صفحات الصحف الكبرى كجريدة اللواء. وقد تميزت كتابته في الصحف بطابع الحرية الذاتية، والتجديد، وعرض الآراء عرضًا مُنَزَّهًا عن الأهواء الشخصية. كما اضطلع إسماعيل مظهر برئاسة تحرير مجلة المُقتَطَف، فارتقى بها إلى أوْجِ سُلَّمِ المجد. وقد فتح آفاق العالم العربي على شُرُفاتِ نظرية النشوء والارتقاء عند داروين. كما نادى بضرورة الإصلاح الاجتماعي، ورأى أنَّ الحل يكْمُنُ في تكوين حزبٍ جديدٍ أطلق عليه اسم حزب «الوفد الجديد» بقيادة مصطفى النحاس.
وقد قدم مَظْهر لعالم الثقافة ذخائر معرفية تجسدت في «وثبة الشرقِ» الذي أجلى فيه السمات العقلية للشخصية التركية الحديثة، و«تاريخ الفكر العربي» و«مُعْضِلات المدنية الحديثة» و«مصر في قيصرية الإسكندر المقدوني»، وقد وافته المنيةُ في الرابع من فبراير عام ١٩٦٢م.
تكمن أهمية هذا الكتاب في كونه وثيقة تاريخية لدخول نظرية التطور إلى البلاد العربية ، فقد كتبه مؤلفه في عام ١٩٢٦، وخصص جزءا من كتابه للرد على الدكتور شميل الذي أدخل الداروينية إلى العالم العربي بصيغته المادية الصرفة ، وخصص جزءا آخرا للرد على جمال الدين الأفغاني الذي أنكر نظرية التطور في كتابه ( الرد على الدهريين ) ، وواضح من كلام الأفغاني في كتابه أنه لم يقرأ كتابا لداروين ، حيث نسب الأفغاني له عبارات لم يتفوه بها كنسبته له أن الإنسان ترقى من قرد أو أن الكلاب اذا قطعت أذنابها فإنها تلد كلابا بدون أذناب، ورأى المؤلف أن الأفغاني كان في كتابه يخاطب المشاعر وليس العقول لأنه لم يعتمد لا على تاريخ موثوق ولا علم طبيعي متفق عليه.
لكن لا ينبغي أن يؤخذ كل ما جاء في هذا الكتاب بتسليم مطلق ، حيث أنه تفصلنا عنه أكثر من تسعين سنة حافلة بطفرات علمية مذهلة في جميع العلوم الفرعية التي استخدمها المؤلف في تأييده لنظرية التطور ، فمثلا ينتقد المؤلف نظرية مندل بسبب عدم موافقتها جزئيا لبعض كلام داروين مع أنها صارت اليوم من ما لا يسئل عن صحته.
يرى المؤلف أن تكثير الآلهة والتثليث والتوحيد ليست سوى صور تشكل فيها الفكر بنسبة ما يحيط به الحقائق المعروفة ، فالدين ظاهرة لازمت الإنسان خلال أدوار نشأته التي تقلب فيها ، فالخوف من الطبيعة وما وراء الطبيعة يدفع إلى الدلالة أن منبت الدين اعتقاد فطري.
ويرى إن فكرة النشوء قد نبتت في عقول الفلاسفة اليونانيين منذ ستة قرون قبل الميلاد ، إلا أن المنتجات العلمية والحقائق اليقينية التي أبرزها العقل اليوناني قد عدت عليها عاديات النسيان بتأثير نصوص سفر التكوين التوراتي في القرون الوسطى ، ثم جاءت نظرية التطور لتحدث انقلابا معرفيا مفصليا في تاريخ البشرية حيث امتد سلطانها إلي كل فروع المعرفة الإنسانية والطبيعية.
ويرى أن المذهب الدارويني يبحث في نشوء بعض العضويات من بعض بعيدا عن الأصل التي تستمد منها حياتها ، فلا شأن للمذهب بالبحث في التولد الذاتي ولا في القول بمادية الحياة أو عدمها ، وهذا قريب مما صرح به داروين نفسه في كتابه أصل الأنواع حين قال ( لست بمسوق إلى البحث في أصل القوى العقلية ) وذكر في كتابه ( إن النظر إلى الحياة بما يحوطها من مختلف المؤثرات نظرة اعتقاد بأن الله قد نفخها في بضع صور أو صورة واحدة بداءة ذي بدء )
يعرّف المؤلف المعجزة بأنها ما يعجز العقل البشري عن تعليله بالسنن التي تضبط الظواهر ، فقوتا الجذب والدفع والجاذبية والكهرباء هي معجزات عصرنا بمعناها العلمي وليس كما يقول عامة الناس بأن المعجزة هي خرق نظام الطبيعة الثابت.
يرى مظهر أن قانون الدرجات الثلاثة ل "كونت" هو أكبر استكشاف وصل إليه العقل البشري في الطبيعة الإنسانية ، وملخصه أن العقل قد مر تاريخيا بثلاث مراحل : ١- الدرجة اللاهوتية وفيها يبحث عن المعرفة المطلقة والأسباب الأولى والعلل الكاملة وفيها يسلم أن الظواهر ترجع إلى فعل صادر من كائنات ماوراء الطبيعة ٢- الدرجة الميتافيزيقية أو الغيبية وهي صورة محورة عن الدرجة اللاهوتية وفيها يتبدل العقل من فرض كائنات ماوراء الطبيعة إلى فرض وجود قوى مجردة باستطاعتها استحداث مختلف الظواهر ، ووقف العرب عند هذه الدرجة ويعتبر الأفغاني وريثهم هنا ٣- الدرجة اليقينية هنا يعزف العقل عن البحث الضائع وراء الأسباب المجردة وأصل ومنقلب الوجود الكوني ويركز مجهوده في سبيل معرفة السنن التي تحكم الظواهر وهنا يتحد العقل مع المشاهدة ليكونا أساس المعرفة.
يرى المؤلف أن ما أبرزه العرب في الفكر والفلسفة متخلخل ، فتجد عندهم مذاهب فلسفية نقلها المترجمون عن اليونانية لكن لا تجد أنهم ابتكروا مدرسة فلسفية تعزى لابن رشد أو الفارابي مثلا ، ويخطئ من يجعل الأشعرية والمعتزلية مذاهبا فلسفية لأنها في الأصل مذاهب دينية استعانت بالفلسفة لإثبات أفكارها ، أما في التاريخ فإنهم لم يبدعوا في تحليل وربط الحوادث ، فكل ما دونوه هو سرد لأحداث الأيام مرتبا على السنين ، حتى ابن خلدون في تاريخه لم يسلم من هذا الوهن الذي حاربه في مقدمته.
يضع المؤلف حدا فاصلا بين العقيدة والأخلاق ، فإذا تجردت ك ديكارت فستجد أنه لا فرق أخلاقي بين أمة دانت بالتوحيد وأمة دانت بعبادة الأصنام ، فليس للدين أثر في تقويم أخلاق الفرد الثابتة في طبائعه بالوراثة ، بل إن أثره مقصور على تحديد علاقة الفرد بالمجتمع من مثل واجبات الأمومة والأبوة والوطن والتقاليد والشرف والأعراض، فليس للتفكير المادي أو الإلهي من تأثير على مشاعر الإنسان.
يعتقد المؤلف أن ليس كل القائلين بالصدفة ملاحدة بل قد لا يكون هناك فرق كبير بينهم وبين من قالوا "هكذا خلقت" ، وإن كان هناك من فرق فينحصر في أن من قال بالصدفة وهو معترف بالعجز مثابر على طلب الحقائق ، أما من قال بالخلق فهو يقول ذلك لأنه مكتف بها دون بحث أو نظر.
لفت انتباهي أن المؤلف في أحد حواشي الكتاب يفضل تعريب الأسماء بالنطق اليوناني لأنها أصبحت لسانا عاما في كل اللغات ويكون ذلك أنفع لمن يستعين بالمصادر الأجنبية.
في موقف سابق لعصره وبعد أن قرر المؤلف إيمانه بالعلة الأولى لهذا الوجود ، طالب أهل الدين والفلسفة وأهل العلم الطبيعي أن لا يتحدوا بعضهم بعضا ، فالفريق الأول اختصاصه السر المودع في الحياة وماهيتها والتأمل والتفكير فيما حوله ، والفريق الثاني اختصاصه ظاهر تكوين الإنسان وخضوعه لسنن النشوء والتحول مثله مثل بقية الحيوانات ، فالفريقين لا يمكن أن يمتزجا لأن كلا منهما له حدود لا يتعداها ، وهذا بالضبط موقف العالم المشهور "جولد" فلا أدري من سبق الآخر بتبني هذا القول.
كتاب موضوعي نوعا ما، حاول معالجة أزمة تقبل نظرية التطور في الشرق الأوسط، بالإضافة لمحاولة الكاتب مواجهة كثير من التصورات الخاطئة التي وردت بحق هذه النظرية في بلاد العرب، ممن تحدثو فيها وحاولوا شرحها، سواء من أشياعه الليبراليين أو من بعض قيادات التيارات الاسلامية في وقته.
اسم الكتاب: ملقى السبيل في مذهب النشوء والإرتقاء الكاتب: إسماعيل مظهر دار النشر: الأهلية للنشر والتوزيع عدد الصفحات: 368
أهلاً أهلاً يا أصدقاء، من منا لم يسمع عن نظرية داروين أو المعروفة بنظرية التطور وأن أصل الإنسان يعود إلى قرد وتطور تدريجياً حتى وصل إلى مرحلة الإنسان، جاء اسماعيل مظهر بدراسة منطقية لإيجاد سبيل وسط وآلية قراءة يقبلها العقل الطبيعي والدين لنظرية التطور أو( النشوء والإرتقاء)، ما يميز الكتاب أنه جعل عدة فصول للرد على عدة شخصيات منها الدكتور شميل وهو اللذي جعل "نظرية التطور أو النشوء والإرتقاء" تتسلل إلى العقل العربي كدس السم بالعسل، والرد على شخصية أخرى تدعى جمال الأفغاني وهو الذي بدوره قام بإنكار نظرية التطور، حسناً هل يعد الكتاب مرجعاً؟ حقيقةً لا ويعود السبب إلى أنه بيننا وبين الكتاب الكثير من السنين التي نشأ بعدها نظريات أخرى توضح وتفسر الرد على نظرية التطور ولكنه مهم ومفيد في عدة نواحي، ما يميز الكتاب بوجه نظري هو مناقشة رأيين أحدهما يدعم النظرية كدكتور شميل والآخر ينكرها كالسيد الأفغاني، هذا الكتاب لا يُقرأ على عُجالة بل بتريث واستمتاع للتعرف على كل اسم جديد والبحث عنه وعن انجازاته العلمية وما يشابه ذلك، إضافة إلى ذلك لا ينصح به للقراء المبتدئين أو اللذين لم يبنوا جهازاً مناعياً لإستقبال وطرد الأفكار الغربية أو الإلحادية أثناء القراءة، يحتاج غربلة للأفكار الموجودة والإستفادة من المعلومات المطروحة، ومن وجهة نظر أخرى سيكون هذا الكتاب قمة في المتعة لمحبين علم الأحياء والوراثة. تالا🌺