يقدم هذا الكتاب عصارة فكر راهب الفكر وخلاصة تجاربه .. وقد استطاعت الكاتبة التى عايشت توفيق الحكيم.أن تقدم لنا فى هذا الكتاب حواراً شائقاً ممتعاً حول فكره الأصيل المتنوع ،من خلال كتاباته وأعماله ،التى جابت الآفاق شهرة وانتشاراً . وسيلمس القارىء لهذا الكتاب الى أى حد أثر الحكيم فى حياتنا الثقافية .. لقد استطاعت الكاتبة ان تستجلى جوانب مهمة من حياته وثقافته وأفكاره مع صدى أعماله بالغرب .. يمكن أن تكون مرشدة لكل باحث ومهتم بأدب توفيق الحكيم
هو لم يكن يوما ما عدوا للمرأة ولا كارها لها ولا مستخفا بها وبكيانها ، بل كان عارفا حاذقا غارقا حتى أذنيه في جمالها وأنوثتها وفتنتها ، عارفا عالما كل العلم بمبلغ قدراتها وذكائها ومكرها وملكاتها التي اختصتها الطبيعة بها ، كل ما هنالك انه كان يخشاها ويخشى الوقوع في قبضتها ويصبح أسيرا لها ولجمالها وسحرها وسلطانها فلا فكاك يومئذ ولا فرار ، كيف وهو العصفور الهارب من الشرق ، كل الشرق أرضه وسماءه ورجاله ونساءه وثقافته ومفاهيمه و... كما ذكر في كتابه عصفور من الشرق في فصل انبياء الشرق وانبياء الغرب ، فهو يفضل ان يكون عصفورا في الغرب يقيم في حجرة خشبية صغيرة في مونمارتر هي مسكنه ومطبخه ودورة مياهه ومضجعه ، عن ان يكون ذا مكانة ومهابة على راس القضاء في بلاد الشرق ، وهو يطلب من صديقه أندريه بعد عودته من فرنسا الا يبخل على ساكن الصحراء ببعض نفحات أوروبا العطرة ، نعم هو يعتقد انه من ساكني الصحراء شأن الكثيرين غيره ، وهو لم يكن بحاجة الى أن يختلق الحجج والمبررات للوسي يعقوب يبرر بها موقفه من المرأة مثل قوله " إن المرأة المصرية ذات الذوق والروح مازالت في مصر نادرة الوجود ان اليوم الذي توجد فيه المرأة العظيمة عندنا ، هو اليوم الذي نقترب فيه من المدنية الحقيقية " فالمرأة دائما مكافئة وملائمة للرجل الذي يعيش معها زمانها ومكانها ، أما المرأة التي يريدها عصفور الشرق هي كما وصفها " ...ان صالونات السيدات في أوروبا، ومجالس الشعر والغناء في الشرق عند العرب، هي التي اخرجت اجمل ما في الغرب والشرق من شعر وآداب وفنون " هو يريدها أن تصحبه أو يصطبحها الى الصالونات والمسارح واللوفر والمولين روج والفولي دي بيرجير ، الأماكن التي اعتاد أن يغدو اليها كل يوم من عشه خماصا ليعود بطانا في آخر النهار ، زوجة عصفور دائم الطيران والتحليق بعيدا عن الأرض وأهلها ، لا إمرأة تحلم بزوج واسرة وأولاد وبيت تفني عمرها وصحتها فيه حتى تخور قواها ويذهب جمالها وسحرها مبكرا ، كمن يمضي عمره يحفر بئرا بحثا عن الماء حتى يدركه الموت وهو في قاعه ، فلا هو عثر على الماء ولا هو وجد من يأخذ بيده وينقذه ، نعم المرأة التي تناسب توفيق الحكيم نادرة الوجود شأنه شأن غالبية المفكرين والمثقفين والعباقرة والحكماء على مر التاريخ بداية من هيراقليطس وأفلاطون حتى جبران خليل جبران والعقاد وجمال الدين الأفغاني مرورا بالفارابي وأسحق نيوتن وبيتهوفن وليوناردو دافنشي وسبينوزا وكانط وديكارت .... الذين فضلوا الانعزال والعزوبية على الزواج ، إلا بشكل ما وبشروط محددة كما فعل برنارد شو الذي اشترط على زوجته ألا يكون بينهما علاقة جنسية ماعاشا ، وعاشت معه ثلاثين سنة في " زواج روحي حتى ماتت ، وهنريك إبسن الذي اكتفى منها بصداقة دون أسرة ولا إنجاب ، أو هافلوك أليس العالم النفسي المشهور الذي اشترط على زوجته أن يقيم كل منهما في بيت منفصل وألا يلتقيا الا عند الضرورة والحاجة ، وعاش الزوج العبقري حياته ، أما الزوجة فلم تحتمل فانهارت أعصابها وانتهى بها الأمر الى المستشفى ثم ماتت ، هذا خوفا من أن يكون مصيرهم أو مصير أحدهم مثل سقراط الذي لم يكن يحلو لزوجته توبيخه وتقريعه الا أمام تلامذته وعلى رؤوس الاشهاد ، كذلك زوجة تولستوي التي اتهمها الناس انها كانت سبب تعاسته وعذابه حتى هجرها وترك لها المنزل وأولاده الثلاثة عشر ومات وحيدا في كوخ منعزل على اطراف البلاد وسط الثلوج ، أو كما فعل الحكيم نفسه بعد ان حاصرته هدى شعراوي وأرغمته على الاعتذار للنساء عن وصفهن بالثرثرة وأن يكون رده الزواج فورا من إحداهن ، ورشحت له احدى عضوات الحركة النسائية ، لكنه رفض وقال انها ستحول بيته الى فرع لحزب النساء ، واختار هو الزوجة التي رآها مناسبة ووضع لها شروطاً - خمسة عشر شرطا - وصفت بأنها مجحفة ، وأصر على أن توقع الزوجة بإمضائها على شروطه قبل أن يوقع عقد الزواج ، ووقعت العروس عليها ، وقبلت الزواج منه وعاشت معه حتى ماتت وأنجبت له اسماعيل وزينب ، ومن اضطلع على هذه الشروط قال انها تشبه شروط معاهدة فرساى، التى استسلم فيها الجيش الألمانى للغزاة الفاتحين من الفرنسيين والإنجليز!
عصفور من الشرق لتوفيق الحكيم هو كتاب لطيف وخفيف يمكن قراءته في جلسة واحدة. بأسلوبه البسيط والجذاب، يبرز الكتاب جانبًا مختلفًا من شخصية توفيق الحكيم، حيث يظهر خفة ظله وعمقه العاطفي. يحكي العمل عن واحدة من قصص الحب التي عاشها الحكيم خلال رحلته خارج مصر، حيث يمزج بين الرومانسية والتأملات الفلسفية في العلاقات الإنسانية والاختلافات الثقافية. الكتاب يحمل في طياته تجربة شخصية مؤثرة للحكيم، مما يجعله رحلة ممتعة لكل من يهتم بسير الأدباء وحياتهم الخاصة.