أحد أهم أحلامي هو دراسة كتاب الموافقات للإمام الشاطبي، وهو حلم لم أتبين قط منشأه أو الدافع إليه، لكني وجدت نفسي دوما محبة للإمام الشاطبي رغم عدم رسوخ معرفتي به وبكتبه، هذا الحب أردت ترجمته في قراءة كتاب الموافقات لأكتشف أنه ليس من الكتب التي تُقرأ لمجرد التثقيف إذ أنه يحتاج إلى قدر عال من التمكن في العلوم الشرعية، دفعني هذا الاكتشاف إلى قراءة كتابه الاعتصام فورا وإلى الحفاظ على دراسة كتاب الموافقات في مكتبة الأحلام الذي تشغل حيزا كبيرا في قلبي.
لقد رأيت دوما_رغم كل مظاهر سوء الحظ التي تلوح للناس علي_ أنني سعيدة الحظ للغاية بتوفيق الله لي وتيسيره تحقق أشد أحلامي خفاء وصعوبة من وجهة نظري والتي لا يكاد يعرف عنها أقرب الناس إلي شيئا، وذلك رغم تقصيري وضعفي، ومن مظاهر هذا التوفيق والتيسير أن أفاجأ بكتاب "علوم القرآن عند الإمام الشاطبي" للشيخ مساعد الطيار مقررا علينا قرب نهاية برنامج مدارسات.
الكتاب عبارة عن دروس علمية شرح فيها الشيخ مساعد الطيار قسم (الكتاب) ضمن قسم (الأدلة الشرعية) في كتاب الموافقات، وقد قام الشيخ أحمد سالم بإخراجها مكتوبة وراجعها الشيخ بعد ذلك حتى ظهرت في هذا الكتاب الماتع.
أحب أن أبدأ بتعريف مختصر بالإمام الشاطبي فهو الإمام إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، أصله من مدينة شاطبة وولد في غرناطة قبيل عام 720 ه ، وقد نشأ على حب العلم ومتابعة الدرس منذ صغره، كان أشعري المعتقد مالكي المذهب وقد كان له جهد عظيم في مقاومة البدع والمبتدعة توجت بكتاب الاعتصام، ومن أهم مؤلفات كتاب الموافقات، ثمة نص للإمام الشاطبي أثر في كثيرا يتحدث فيه عن حبه للعلم منذ صغره أحببت أن أنقل بعضه هنا:
"لم أزل منذ فُتق للفهم عقلي، ووجه شطر العلم طلبي، أنظر في عقلياته وشرعياته، وأصوله وفروعه، لم أقتصر منه على علم دون علم ولا أفردت عن أنواعه نوعا دون آخر حسبما اقتضاه الزمان والمكان، وأعطيته المنة المخلوقة في أصل فطرتي، بل خضت في دجة خوض المحسن السباحة، وأقدمت في ميادينه إقدام الجريء حتى كدت أتلف في بعض أعماقه، أو أنقطع في رفقتي التي بالأنس بها تجاسرت على ما قدر لي...".
أما عن صفة الكتاب وتقسيمه، فالمحرر يورد متن الكتاب أولا وهو مقسم إلى مسائل تتضمن عناوين فرعية باسم (فصل)، ثم شرح الشيخ على كل مسألة، مع هوامش واسعة ومفيدة للمحرر توضح كثيرا مما يمكن أن يشكل عليك في الكتاب وتضيف إليك معلومات قيمة.
سأحاول أن أعرض أهم المسائل التي تعرض لها الكتاب وأهم فوائده على صعوبة ذلك لثراء الكتاب بها وأهمية ما ورد فيه من موضوعات ومسائل.
** يبدأ الكتاب بتقرير غاية في الأهمية، وهو أن القرآن يتضمن كليات الشريعة ومقاصدها ولا يستطيع أحد أن يطلع على هذه الكليات ويدرك هذه المقاصد دون أن يتخذ القرآن أنيسه ويجعله جليسه نظرا وعملا، ولنركز كثيرا على أهمية جانب العمل والتطبيق في تدبر القرآن وفهمه لأن الإمام الشاطبي سيكرر هذا الأمر ويؤكد عليه طوال الكتاب.
ثم يقرر أيضا أن القرآن رغم كونه معجزا في نظمه وقد حصل به التحدي للعرب الفصحاء إلا أنه كان ميسرا للفهم وتعقل معانيه، وقد استنبط الشيخ مساعد من ذلك أنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلم معناه، وهي قاعدة مهمة جدا يحسن أن نستصحبها أثناء تلاوتنا لكتاب الله وتدبره وتدارسه.
** ثم إشارة إلى أهمية معرفة أسباب النزول لفهم معاني القرآن ورفع الاحتمالات والشبه والإشكالات، مع التمثيل لذلك بقصص من عصر الصحابة والتابعين، ويلحق بأسباب النزول معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالهم ومجاري أحوالها حالة التنزيل وكذلك قصص الآيات.
** بعد ذلك عندنا مسألة غاية في الجدة والأهمية، وهي حكم الحكاية في القرآن، والحكاية مقصود بها ما حُكي في القرآن عن الخلق أي ما ذكره الله عز وجل في كتابه منسوبا إلى غيره من خلقه، فما حُكي على لسان الخلق ثم عقب عليه بالإبطال والإنكار فهو منكر، وما حُكي دون تعقيب فهو حق بلا ريب إذ لا يجوز أن يتضمن كتاب الله باطلا مسكوتا عنه، والحقيقة أن هذه المسألة أجابت عن سؤال شغلني الفترة الماضية منذ قرأت منشورا لأحدهم يقول فيه أن وصف النساء بأن كيدهن عظيم هو وصف عزيز مصر في سورة يوسف وبالتالي فلا يجوز أن نعتبره وصفا حقيقيا، وقد دُهشت تماما بهذا الكشف المزعوم، فأنا لم يراودني شك قط في حقيقية هذا الوصف طالما ذكر في القرآن بهذه الصفة، لكني ارتبكت وأردت أن أبحث عن قول علمي فصل في هذه المسألة وليس مجرد رأي أو حدس في مواجهة رأي، فلما قرأت هذه المسألة في الكتاب كنت كمن وقع على كنز، وسعدت كثيرا باطلاعي على هذه القاعدة الجليلة وأنوي الانتباه إليها في تلاوتي لكتاب الله خاصة فيما يُحكى على لسان الخلق.
وهذه القاعدة تنطبق كذلك على الأحاديث النبوية وما يعرف بالتقرير في السنة فانتبهوا لهذا الأمر.
** ثم مسألة شيقة جدا عن اقتران الترغيب بالترهيب في آيات الكتاب الكريم، فالإمام الشاطبي يتعقب آيات الترغيب والترجية في الجنة والنعيم ويلاحظ أنها مقرونة دوما بآيات الترهيب والتخويف من عذاب النار، وإن كان ثمة تفاوت أحيانا على حسب السياق والمقصد، بل إنه يرى أن الوحدة الموضوعية لسورة البقرة كلها على كثرة ما ورد فيها من الأحكام والفرائض هي الترغيب والترهيب، وهو يتوسع في الأمثلة الدالة على رأيه، ويستنبط من ذلك فائدة عظيمة أنقل نصها: "ومن هنا يتصور للعباد أن يكونوا دائرين بين الخوف والرجاء، لأن حقيقة الإيمان دائرة بينهما، وقد دل على ذلك الكتاب العزيز على الخصوص..........................وهذا على الجملة، فإن غلب عليه طرف الانحلال والمخالفة فجانب الخوف عليه أقرب، وإن غلب عليه طرف التشديد والاحتياط، فجانب الرجاء إليه أقرب، وبهذا كان عليه الصلاة والسلام يؤدب أصحابه..........فإذا ثبت هذا من ترتيب القرآن ومعاني آياته، فعلى المكلف العمل على وفق ذلك التأديب"
** ثم مسألتان متتاليتان عن تضمن القرآن لكليات الشريعة ووجوب النظر في السنة لفهم شرحه وبيانه، وعن أن كل مسألة يراد تحصيل علمها على أكمل الوجوه لا بد أن يلتفت إلى أصلها في القرآن، وثمة فائدة مهمة أشار إليها الشيخ حفظه الله في شرحه وهي أن من أهم أنواع التدبر تثوير القرآن أي أن تكون قراءة المسلم لكتاب الله قراءة فاحصة تشتمل على أسئلة وإثارات لمكامن الاستنباط، ثم بعد ذلك يتطلع لحل هذه الأسئلة والبحث عن إجاباتها
** ثم تقسيم مهم جدا للإمام الشاطبي للعلوم المضافة إلى القرآن، حيث أن يعتبر أن بعض العلوم هي بمثابة أدوات للفهم كعلم الناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول، والمكي والمدني، وبعضها متعلقة بكونه معجزا ومن دلائل النبوة، وبعضها مأخوذ من عادة الله تعالى في إنزاله وخطاب الخلق به وكونه تنزل لهم بالتقريب والملاطفة والتعليم، وقد أبدع الإمام الشاطبي في ضرب الأمثلة على هذا القسم.
أما ما يقصده الإمام الشاطبي فعلا بعلوم القرآن فهو مختلف عما يقصده غيره من العلماء لا سيما السيوطي والزركشي في كتابيهما في علوم القرآن، فالإمام الشاطبي يرى أن علوم القرآن ثلاثة: معرفة الله سبحانه وتعالى، ومعرفة كيفية التوجه إليه، ومعرفة مآل العبد ليخاف الله به ويرجوه، ثم يفصل في كل منها تفصيلا بديعا جديرا بالاطلاع.
** بعد ذلك نأتي إلى مسألتين متتاليتين عن ظاهر القرآن وباطنه؟ وما المقصود بكل منهما؟ فالظاهر هو بيان المعاني العربية على مقتضى الفهم الظاهر، والباطن هو بيان مراد الله من اللفظ والعمل به.
ثم يتفرع من ذلك كلام عن التفسير الإشاري وما يجوز منه وما لايجوز.
** ثم مسألة عن الاعتبارات القرآنية مرتبطة بمسألتي الظاهر والباطن، وقد فرق الإمام الشاطبي بين اعتبارين: الاعتبار القرآني وهو الذي ينطلق من القرآن لينطبق على الواقع وهو الأجدر بأن يكون اعتبارا صحيحا وإن لم يلزم ذلك بالطبع، والاعتبار الوجودي وهو الذي ينطلق من الواقع ليفرض رؤيته على القرآن وهو غالبا اعتبار خاطيء إلا فيما ندر، ومن أمثلة ذلك اعتبارات الإعجاز العلمي في القرآن الكريم التي تنطلق من النظريات العلمية وتحاول أن تطبقها على آيات القرآن.
** ثم مسألة مهمة لا سيما في باب الأحكام وهي أن المدني من السور منزل في الفهم على المكي وذلك لتبيين التدرج في التشريع والنسخ، أما من ناحية التفسير والاستنباط فيمكن حمل المكي على المدني والعكس.
** ثم مسألة متعلقة بأن تفسير القرآن على التوسط والاعتدال هو منهج السلف في التفسير، وذم التفريط متمثلا بالتقصير في فهم اللسان الذي جاء به، والإفراط متمثلا في مجاوزة الحد في فهم اللسان العربي وتعيين المراد في القرآن.
وقد فصَّل الشيخ مساعد الطيار في شرح هذه المسألة تفصيلا رائعا وأشار إشارات مهمة إلى ما يهم من علوم البلاغة والنحو والصرف لفهم معاني القرآن وبيان مراد الله منه وقد خالف الإمام الشاطبي في بعض آرائه حول ذلك.
** ثم نص مدهش للغاية للإمام الشاطبي في كيف تكون السورة الواحدة كلاما واحدا باعتبار النظم وإن احتوت على أنواع من الكلام، أي أن السورة كلها قصة واحدة في شيء واحد، بعضها متوقف على البعض في الفهم وقد شرح سورة المؤمنون على هذا النحو شرحا بديعا لم أقرأ مثله من قبل.
** ثم أخيرا مسألة عن القول بالرأي في التفسير وكيف ينقسم إلى رأي محمود قائم على العلم، ورأي مذموم قائم على الجهل والهوى.
وقد عقب الشيخ بذكر مصادر التفسير في كل طبقة من طبقات السلف ومن بعدهم وضرب كثيرا من الأمثلة على التفسيرات بالرأي سواء محمودة أو مذمومة، وهو موضوع تناوله الشيخ كثيرا من قبل في كثير من كتبه.
وختاما أحب أن أوضح أن هذه المراجعة مهما طالت لا تفي أبدا بعرض كل ما حواه الكتاب من فرائد وفوائد وقواعد وأمثلة في فهم القرآن وتدبره بُثت في حناياه وانطوت ضمن مسائله الكثيرة، فلا بد من قراءته قراءة متأنية أكثر من مرة لمن رام الاطلاع على كل ذلك الإفادة منه.
وبعد،
فقد كنت أقرأ هذا القسم من كتاب الموافقات مأخوذة بأسلوب الإمام الشاطبي في الفهم والتعبير وقدرته على الإحاطة بالكليات والأساسات لكل مسألة وإشكال، ممتنة أني اطلعت على بعض من هذا الكتاب الماتع، سعيدة أن حلمي كان يستحق الشغف به والسعي وراءه ولم يكن وهما يخيب به الأمل عند بوادر التحقق، فالكتاب يستحق أن يكون من أحلامي وزيادة، وأرجو كما يسر الله لي دراسة بعضه أقسامه من غير حول لي ولا قوة أن ييسر لي دراسته كل�� بما أنتفع به في ديني ودنياي وبما يرضيه عني.
اللهم ارض عن الإمام الشاطبي وارض عن الشيخ مساعد الطيار وكل من شارك في هذا العمل ويسره لنا واجعلنا اللهم من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك آمين.