هو أول كتاب أقرأه لدكتور زكى نجيب محمود ... و هو أهم كتاب قرأته منذ فترة كبيرة ... من حيث هو يدعوك " للحركة " و " الفعل " و أن يقترن " علمك " ب " عملك " ... فهذه فلسفة الفكر و مناط التفكير عند دكتور زكى نجيب محمود رحمة الله عليه
الكتاب يتكون من أقسام تتعدد فصولها منتقلة بك بمراحل متتالية من العصف الفكرى الذى يجعلك تتساءل عن كل ما يحيط بك و من مسلمات و " مبادىء " تتمسك بها متعاملاً معها على انها " حقيقة " لا تقبل الجدل ولا النقاش
و من الاقتباسات التى أحببتها جداً من كلام الدكتور زكى رحمة الله عليه .. هذا الاقتباس البسيط جداً و هو التالى
لقد ارتسمت حقائق الأشياء أمام أفلاطون صوراً سماوية لا تتبدل ولا تتغير , و على الأشياء و فى دنيا الطبيعة و الواقع أن تقترب من تلك النماذج ما استطاعت . كذلك ارتسمت حقائق الأشياء أمام أرسطو أجناساً و انواعاً , لكل منها تعريف ثابت ساكن أزلى أبدى , يضعه حيث هو من بقية الأشياء . لكن حقائق الأشياء لا تثبت هكذا و لا تستقر إلا حين تجمد أوضاع الحياة على حالة هادئة ساكنة يرضى عنها الإنسان . أما حين يزول عن الإنسان هذا الرضا , و يهمّ بالانتقال إلى حالة أخرى , فعنئذ تكون حقيقة الكائنات أنها تتغير , و بخاصة الإنسان .
و لا يعيب الإنسان إذ هو فى مرحلة التغير , مرحلة التحول , مرحلة السفر , أن تهتز القيم و ترتجَّ المعايير , بل العيب هو ألا ترتجَّ هذه و ألا تهتز تلك .. فلا ينبغى أن تكون لشىء أو لفكرة , أو لوضع , أو لنظام , حصانة تصونه من النقد و التجريح . إن كل الأشياء و الأفكار و الأضاع و النظم تريد أن تتغير , و تتجدد , فكيف يتم لها ما تريده إذا لم تقع على أوجه النقص فيما ننقده , و نجرّحه , لكى تتكشف حقيقته و تتعرى ؟
من كتاب " تجديد الفكر العربى " - د / زكى نجيب محمود - ( من حضارة اللفظ إلى حضارة الأداء ) صـــ 195 .
ثم حديثه عن الفكرة المجردة و كيف أنها تؤدى إلى تعصب أعمى و تحيز يعمى الإنسان عن حقائق الأشياء بالنظر فى تفصيلاتها
و إننى لأحب جداً الاستطراد فى فصول الكتاب موضحاً لها ... لكن يمنعنى من ذلك رغبتى فى أن يقرأه الجميع و يستفيدوا به " فعلاً " لا " كلاماً " و " تطبيقاً" لا مجرد " إعجاب " بالكلام فقط
و لا يخفى قوة اللغة عند الدكتور زكى نجيب محمود رحمة الله عليه .. و لا أنكر - بل ينتابنى الفخر - عندما أقول أننى كنت أعيد قراءة أغلب الورق مرتين و ربما ثلاثة طمعاً فى أن أقرأ لغته و طريقة انتقائه لألفاظه و أسلوبه فى السرد و الانتقال بك من جانب نظرى إلى جانب تطبيقى يجعلك راغباً فى الفعل
حاولت الاختصار قدر الإمكان - فعلاً - ليتسنى لمن يحب القراءة اكتشاف ما هو أكثر مما قلت فى هذه السطور القليلة و التى ال تكفى لوصف مدى إنسانية و قوة فكر دكتور زكى نجيب محمود رحمة الله عليه
و المؤكد أن هذا لن يكون آخر كتاب أقرأه له إن شاء الله