الفلسفة و السفسطة والجدال
مرادفات ثلاث لطالما كانت تتراقص أمام عيني حينما يبدأ أحدهم نقاشا لا أدري من أين بدأه؟ ولا أدري إلى أين يصطحبني معه بفكره؟ ولم هذا الاحتدام الذي بلغ ذروته فاكفهر وجهه وأنا ساكنة لم تتحرك عضلات وجهي قيد أنمله؟
لم أحملق به، لم أفغر فمي، لم أرفع حاجبا عن حاجب كدلالة تعجب أو استفهام أو حتى استنكار؛ إذ كيف لي أن اتخذ رد فعل تجاه نقاش هلامي، لا أستطيع الإمساك ولو بطرف منه ثم أتدخل بما يجود علي به فهمي فتتشابك الرؤى ونخلص إلى نتاجات فكرية سواء اتفقنا فيها أو اختلفنا؟
هذا بالنسبة لنقاش عابر يمكنني إذا ما ضقت ذرعا به وبصاحبه الاعتذار عن مواصلته متحججة بأي شيء، بيد أنه حينما أقع في جب رواية فلسفية تقلب أفهامي عن الفلسفة رأسا على عقب وتمزق أحشاء البيئة المحيطة بي، بل وتمزقني أنا شخصيا وتعريني ثم تبعثرني أمام مراياي الداخلية التي ولتعدد أوجه الخصال التي تلحق باسمي وفعلي وقولي قد انتصبت جميعا في آن واحد وعلي النظر فيها والمواجهة، فإن رد الفعل سيكون مغايرا تماما، فبعد هذا التمزيق الذي فعلته بي هاته الصفحات، توجب علي أن تكون المعاملة بالمثل فهل جزاء التمزيق إلا تمزيقا؟!
بيد أن تمزيقي لإجلاء التمزيق الأول إلى حيث الرؤية العقلية قبل البصرية لا من أجل القصف والقدح.
على عتبات النقد:
لو أردت أن أختزل المئتين والتسعين صفحة بعد خصم صفحتي الإهداء والمقدمة رغم ما بهما من أسطر برّاقة تستميل ذائقة القارئ وتؤجج شغفه ناحية المهدى إليهم لاختزلتهما في قول رب العالمين: " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا* فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا* قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا* وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا "
وهذه هي الحكمة المستقاة والتجسيد النابض للرواية، بيد أن المراجعات النقدية تدون من أجل الوقوف على مقومات الهيكل الروائي كبناء يطوي بداخله " الفكرة والحبكة واللغة والسرد والحوار والرسالة " وعليه فإن
" رسالة إلى ربما " للكاتب/ أحمد أبوزيد
رواية العام 2018 صدرت عن دار ببلومانيا - تعامد طرحها الروائي على الواقع الاجتماعي والسياسي لتخرج علينا بحلتها الفلسفية القشيبة وفيها:
* الفكرة *
تعددت الأفكار والرسالة واحدة.
تقف أمامها متحيرا بشأن تحديد ماهيتها، وما خلصتُ إليه هو أن الكاتب كالباحث الذي قام بعمل دراسة مسحية للمجتمع المصري، واستخدم في دراسته عينة مجتمعية من طبقات متفاوتة وخلفيات ثقافية متنوعة وكذا خلفيات دينية مختلفة وكانت الشخصيات الرئيسية والفرعية مثالا لهذه العينة المنتقاة لذلك فلا حاجة لي بذكر شخص باسمه ولا موقف بعينه فجميعنا لنا نصيب من سماتهم بالقليل أو بالكثير بيد أن الدراسة هنا ليست دراسة مسحية بل هي رواية نفسية اجتماعية اعتمدت الأسلوب الفلسفي في المعالجة، تتخللها الرمزية المجسدة منذ البداية وحتى النهاية المفتوحة استعدادا للجزء الثاني، وتتدثر في نهايتها بوشاح أدب النصح بعد كشف النقاب عن الرذيلة وإظهارها بصورتها الفجة إثر إزالة مساحيق التجميل التي تفانت في إصباغ نفسها بها بحجة الرغبة والعوز والضعف.
* الحبكة *
توصف الروايات الفلسفية بأنها روايات ساكنة، الحراك التفاعلي فيها، وتطور الأحداث وتصاعدها ضعيف، ورسالة إلى ربما رغم تناولها لقضايا عدة تناوبت بين " الأخلاق والاجتماع والسياسة والنفس " إلا أنها اعتزلت الكثير من الأمكنة في الفضاء الرحب واتخذت لنفسها مكانا قصيا وسكنت حيث مسرح الصراع الفكري بين الأبطال، لا الصراع الحياتي المتعارف عليه، واستطاع الكاتب بحنكته الأدبية استقطاب شخوصه رغم تباينهم الطبقي والثقافي والفكري إلى هذا المسرح بحبكات فرعية تضافرت وبقوة مع الحبكة الأم ليخرج علينا بعمل أدبي التماسك دأبه، والقوة ديدنه ومن ثم فإن العنصر الزمكاني الثابت على مدار الرواية كان موظفا بشكل موفق، ولم يكن عبثيا أو غير مقصود.
وفيها استطاع الكاتب سبر أغوار النفس البشرية ووضع يده بعباراته اللاذعة تارة والساخرة أخرى والمتشظية ثالثة على ثآليل الهوى وجراحات الرغبة وعثرات الاصطدام بين الصواب والخطأ حتى أبان لنا التحول الكامل للرذيلة التي لم تمت نهائيا بالداخل النفسي لكل أبطاله؛ إذ ماتت وتحللت في نفوس من صدقوا في توبتهم وعاهدوا الله على عدم العودة، فصدقهم الله وأحيا في نفوسهم الفضيلة تضوؤهم وتنير دروبهم، وإذا ما عاوَدُوا عادُوا؛ إذ ليست هناك سيادة مطلقة لمفهوم أوحد بهذا الكون خيرًا كان أم شرًا وإلا فلمَ الصراع، ولمَ الثواب والعقاب؟
* اللغة *
اللغة التي استخدمها الكاتب في حياكة هذه القطعة الأدبية هي حقا لغة الرعيل الأول من عظماء الأدب، والتي وظفها الكاتب بشكل يتعدى البراعة بمراحل وفق كل مفهوم تم تناوله سواء في السرد أوالحوار فيما عدا بعض التراكيب اللغوية التي لم ترقني ربما لغرابتها تارة ولإسقاطاتها أخرى، ورغم أن عملية الكشف عن الوجه الحقيقي للرذيلة التي قام بها الكاتب متكئا على عصا الغريب من التشبيه والصريح من القول وكأنه تعمد استخدام نفس الأسلوب الذي انتهجته هي فيرميها بشررها المتناثر منها، مبرزًا وقاحتها المستترة بشكل علني أمام الجميع، هذه المواجهة ربما تأففت منها تارة وسخطت على بعض اللفظ تارة وامتعضت أخرى حتى كدت أصيح بالكاتب أما كفاكَ من تلك التشبيهات؟
لقد تقززنا منها واقشعرت الأبدان من تجسيدها بهذا الشكل، فبت أردد عقب كل فصل:
- ألا تبا!
* الوجه الآخر للحرف *
بيد أن الكاتب أراد أن يفصح في ثلثه الأخير عن وجه حرفه الآخر ليطيب خاطرنا المستاء، ويقول:
- ألا مهلا، فلا ترمونا بشرر الاتهامات جزافا.
ويبرر لنا ما استخدمه من غريب التشبيه بأن العطن ليس باللفظ ولكنه بالعقل والفكر المنحصر في رؤياه لقبلة الكلمة باتجاه واحد وهو الغريزة التي تورد الجسد في مزالق الرذيلة، معبرا عن ذلك بخلق حالة شعورية تصالحية مع الذات الإنسانية مجليّا حالة الانكسار الداخلي بعد المكشافة واستخدام اللفظ الناصح والآي الكريم.
* السرد والحوار *
فقد جاءت هذه الرواية في بنائها الدرامي لتجمع بين السرد والحوار مع إفراد المساحة بشكل أكبر للحوارات التي دارت فيها النقاشات الأدبية والسجالات الفكرية التي كانت عاكسة وبقوة لخلفيات الأبطال الثقافية وحصيلتهم المعرفية وتوجهاتهم السياسية وخبراتهم الحياتية، أما عن السرد فقد كان عاكسا وبقوة لثقافة الراوي وحصيلته المعلوماتية الثقافية والتي تنوعت ما بين تاريخ وسياسة واجتماع وأدب وفن، والجدير بالذكر أن اللغة المستخدمة فيهما كانت متقاربة جدا، وأعيز ذلك إلى أن الأبطال ذاتهم من نفس محيط الراوي ويحملون نفس الجينات البيئية التي يحملها ومن ثم خرجت اللغة بنفس المستوى الجزل والرصين على مدار الرواية، حتى أن إحدى بطلاته وإن لم تنعم بوافر الحظ من التعليم الجامعي، فقد تشربت من البيئة الفكرية المحيطة بها وانخرطت فيهم فلا تكاد ترى نشازا في طرحها ولا عجبا من عظيم ثقافة أوتيت إياها على خبرة من معاشرة كبقية الأبطال.
* قيامة الرواية *
والجدير بالذكر تلك النقطة الخاصة بالإطار الزمني التي تنفرط فيه كلمات الروايات مفصحة عنه أو كما أسميها بقيامية الرواية، حيث أقف على أعتابها أستقرئ بأي حقبة زمنية سأقضي وقتي، مع من الحداثة أم القدم؟
وهنا استطاع الكاتب بحرفية الجمع بينهما وإن لم يشر إلى ذلك بوضوح ولكن أي قارئ متفحص يستطيع أن يستنتج ذلك التزاوج الحادث؛ فالقديم في طريقة تقديم الكاتب لشخوصه واستباق كل اسم بلقب " السيد، السيدة " وكذلك السمة العامة لبعضهم وفكرهم واهتماماتهم وهيئتهم الخارجية التي تشعرك بالمناخ الفكري السبعيني ويحاورهم آخرون من المعاصرين الّذين يترددون على النافذة الزرقاء وغيرهم من أصحاب الشهرة والسيط المعلومين لنا الآن، إضافة إلى الكثير من الأحداث المعاصرة كالتعرض لثورة يناير بالذكر وتبعاتها، وها قد التقى الجميع معا على مائدة فكرية واحدة، وذابوا في بوتقة الحوار الذي دعمه ذاك المسمى بالصالون الثقافي.
* الرسالة *
الفضيلة كالدين لا إكراه فيها
الفضيلة وهي المفهوم الإنساني الأشمل للرواية انضوت تحتها مفاهيم عدة كالحرية والوطن والكذب والوهم والاستثناء والمطلق والغريزة والحب الميكافيللي والحرمان والفقر والعمالة وغيرها من المفاهيم التي تمت معالجتها بأسلوب فلسفي رائع يمجد القيمة العليا التي من أجلها أُوجدت الحياة والتي وجب أن تكون عليها النفس البشرية.
لا أستطيع أن أنكر أني استشعرت في البداية بأن الكاتب يرفع شعار " الخيانة منا ونحن منها " ولكن أدركت قيمة ما عدده من الزَّلل ابتداءً من صغائره إلى كبائره على مدار الرواية ليصل إلى هدفه ويبدع في رسالته بأن كل ذنب مغفور مهما أسرف الفرد على نفسه ما دام قد تابت والروح لم تبلغ الحلقوم.
ويبقى الأثر:
بالأخير يبقى أثر العبق مزينا العشرين فصلا في عناوينهم المضوعة بهم، فبإمكانك عزيزي القارئ معاودتهم لتستأثر لنفسك بعشرين رسالة آخذة بناصية فكرك وأقدام داخلك، ومن ثم لم تكن هاته الصفحات مجرد رواية تعايش حالتها الأدبية لبضع ساعات ثم يتفرق كل إلى حاله في سلام، بل كُتبت لتعصف بذهنك وعقلك ونفسك فتتلمس أيناك من هذه المنظومة النفسية المتصارع طرفاها " الفجور والتقوى " حتى تحسم أنت الصراع بتزكيتها وتقول:
- قد آن وقت الصحوة.