هذا الكتاب أثرٌ عباسي أصيل له قيمة أدبية وتاريخية محققة: فهو كتاب أدب يضمُّ رصيداً كبيراً من الشواهد الشعرية المختارة، والأخبار فيه مرويةُ بأسلوب نثريٍ راقٍ، هو أسلوب المدرسة الجاحظية بصفاته وتلويناته، وهو كتاب أخبار وحكايات تروي صوراً من وقائع الأحداث ومشاهد الحياة للعصور التي تتصل بها، فهي أخبار واقعية تاريخية تُعين على رصد الجوانب الحضارية والعمرانية والإجتماعية والبيئية للحياة في تلك العصور، وغرس النعمة المؤلف أديب مؤرخ ثقة مأمون، وكتابه ينفرد بأخبار لا نقع عليها في مصدر آخر. وكتاب (الهفوات) بعد كل ذلك كتاب إمتاع ومؤانسة وتسليةٍ، يُتيح للسامرين أن يجدوا فيه نوادرَ ومُلَحاً، فيها طرافة وعِبْرة، وتُيَسِّر لهم أن يُدركوا كيف يزلُّ الحذر الذكي العاقل، فتكون زلّتُه هفوة مذكورة تتناقل المجالسُ أخبارها.
تعتمد مواضيع القصص التي جمعها مؤلف الكتاب على الهفوات، وهي الزلات الجارية على ألسن الناس دون قصد. وهذا بلا شك موضوع طريف ونادر. ومن الندرة كذلك أن يخصص له كتاب كما فعل المؤلف غرس النعمة. وللكتاب قيمة تاريخية واجتماعية أشار لها المحقق الدكتور صالح الأشتر في مقدمة تحقيقه. بالإضافة لجانبي الإمتاع والتسلية.
إنه كتاب شبيه بكتب الأوراق للصولي والمحاضر للتنوخي والبيان والتبيين للجاحظ، هي حكايات شعبية صيغت بطرققة احترافي لغوية مشغولة بجدية، لهواة الحكايات ولاتستهوي شريحة واسعة من الجمهور، ويبقى كتاب البيان والتبيين أبرزهم.