كنت قد قرأت للأسير وليد دقة منذ فترة طويلة كتاب صهر الوعي، والذي أذكره أني لم أتذكر بأي حال من الأحوال أنه قد ذكر أنه أسير فلسطيني حالي، أو ربما ذكر ولكني نسيت، ومع بداية الأحداث الحالية وما استتبعته عملية طوفان الأقصى - سدد الله رمي المقاومة - ترددت النداءات والمناشدات لفك حصار وإطلاق سراح بعض الأسرى الحاليين ومنهم بالطبع وليد دقة، قك الله كربه قرأت الكتاب على أساس أنه مذكرات أو يوميات شخصية خاصة بالكاتب فإذا بي أفاجأ أن الكتاب هو ما يشبه التحقيق الصحفي للكاتب، الكاتب الذي كتب بالفعل داخل المعتقل ما يزيد عن الثلاثة كتب، منهم هذا الكتاب وصهر الوعي وروايتين قرأت منهم واحدة الكتاب كما قلت يدور حول ما يشبه الاعترافات أو يوميات ل4 من المتهمين الفلسطينيين - المقاومين بالطبع - بعرف الاحتلال الصهيوني الغاشم، في أحداث مجزرة جنين وما تلى ذلك من محاكمات أو ما يشبه المحاكمات لهم، أحداث جنين التي وقعت في عام 2002 وراح ضحيتها ما يزيد عن الخمسمائة شهيد ومصاب وجريح وتدمير ما لا يصحى من المنازل والبيوت والقرى وتشريد أهل المخيم الشهادات كانت لكل من الحاج علي الصفوري المشهور بالهاون جمال حويل يحيى الزبيدي عبد الجبار خباص احتلت الشهادة الأولى على ما أذكر حوالي نصف الكتاب وكانت أجمل شهادة حيث أنها احتوت على تفاصيل تاريخية عديدة لم أكن على دراية بها شهادة جمال حويل كانت أكثر شهادة عملية ومهتمة بالتفاصيل الفنية والعسكرية حيث ركزت على القوات والأسلحة والأشخاص المشاركين بالعملية ومواقفهم وركزت كذلك على نقد بعض الحركات المقاومة وتحدثت عن السلطة وعن حماس وسرايا القدس وشهداء الأقصى والفصائل الفلسطينية المقاومة بشكل عام آخر شهادتين كانت شهادات وتجارب شخصية قليلا وربما رددت ما سبق ترديده على لسان جمال حويل والحاج علي الصفوري ما يؤسف له في الكتاب أني وأثناء القراءة عندما كنت أجد أي أسماء لمقاومين أو حتى رموز فلسطينية حية وأبحث عنهم أجدهم إما معتقلين من حينها أو استشهدوا عقبها في أحداث ومعارك أخرى لكن على العموم الكتاب جميل وهو درة أعمال وليد دقة فرج الله كربه
جنين البسالة،والشّهامة،القوّة،والعنفوان،والتي لا ترضخ،فمن يدخلها عدوًّا فقد دخل جهنّم،ومن يدخلها مُسالمًا،فقد دخل بيته ..
أود أن أعبّر عن إعجابي الشّديد بالثقافة التي يمتلكها الأسير وليد دقّة،ووددتُ لو أنه أطال مقدّمته،أو أضاف لنا ما في جُعبتِه،من نور فكره،وعظيم بصيرته.
هذا الكتاب يحوي شهادات حيّة لأسرى فلسطينيين من شتّى التّنظيمات (ومنهم من قد أُفرج عنه ) ومنهم قيد الأسر مثل الحاج علي الصّفوري (سرايا القدس) المُلقّب بأبو هاون كونه أول من صنع الهاون في منطقة الشّمال وقد أطلق أول قذيفة على مُستوطنة "جديم" وقد تحدّث الحاج عن العمل المُشترك والوحدة الوطنيّة بين الفصائل في الدّفاع عن جنين،وكيف خدم تحت قيادة أبا جندل رحمه الله "أحد قادة معركة جنين" ولا نُبالغ إن قلنا "قائد غرفة العمليات" ..
وفيها شهادة لجمال حويل عن محمود طوالبة رحمه الله ، الذي تميّز في تفخيخ الأزقة والمواسير والحنفيّات وكان هذا أسلوبًا مُبتكرًا،بحيث تُفخخ المواسير الحنفيات الممددة على جدران المُخيّم وكان الجنود يظنّونها مواسير ماء وكانوا يقتربون منها دون حذرٍ،لحاجتهم إلى الجدران للاحتماء بها وعندها كان يتم تفجيرها وهي عادةً تكون مرتفعة بمستوى الرأس ،رأس الجندي الذي يحتمي بالحائط ..
لفت انتباهي الفقرة التي تحدّث فيها حويل عن فصائل مخيّم جنين واستعداداتهم للمعركة،وانتشار مجموعاتهم،وتوزيع إمكاناتهم من عتادٍ وسلاح،وحتّى دراسة مواضيع مثل "المستشفى المتنقّل"،وتوفير إطفائية،ورغم شحّ الإمكانات إلا أن الإرادة كانت جبّارة !
كيف أن أهل المخيّم كانوا الحاضنة،والأم التي تحنو على أبناءها المقاومين،وكيف كان أهل الحارة يُشاركونَ في فتح الثّغرات بجدران منازلهم ليستطيع المقاتلون التّنقل،وكيف لنساء الحارة أن يُشاركن بالمراقبة للمُقاتلين ..
تحضرني مقولة ميلان كونديرا "صراع الإنسان ضد السّلطة،هو بالدّرجة الأولى صراع الذّاكرة ضد النّسيان"