قبل نحو عشرين عام ويزيد كتب الأديب عبد الله عبد الجبار ورقة بحثية كانت فاتحة لأحد أهم الندوات الأدبية كانت لها من الإعجاب والتأثير، فعقد النية على إستكمال بنيتها واستبيان نقاطها في حجم أكبر واوفي في كتاب هو على صفحاته قليل لكنه عظيم الأثر، دسم الفائدة وهو من عنوانه يتضح لنا الغزو في جانبه الفكري والثقافي على عالمنا العربي والإسلامي فيحدد الفرق بين الغزو والتأثر ثم يفند أدوات الغزو وأولها: الخارجي الاستعماري والذي يسلط سهامه على اللغة وهي حاوية الدين والهوية فيفرض اللغة الأجنبية كأساسية واللغة العربية ثانوية حتى وصل إلى إلغائها في مرسوم في الجزائر ولم يختلف الاستعمار الفرنسي عن البريطاني أو الإيطالي كل يتبع نفس النهج في إسقاط اللغة والهوية والدين. وثانيا: الداخلي عن طريق هدم التراث وابتعاث أساس آخر ينفي القديم ويساعد الحداثة في مسيرتها فمنهم من اراد العامية على الفصحى لكي تحرر الابتكار والاختراع وآخرون اختاروا هدم الأساس الشعري القديم و وإنشاء أسس تساير التقدم وتعالج التطور. وثالثا: السلب وهو نهب الادمغة والعقول العربية وهجرتها إلى أمريكا حتى وصل بين عام ٦٢ و٦٧ إلى أكثر من أربعين ألف نصفهم مصريين مهندسين واطباء وعلماء ومعالجة أسباب طرد العقول إلى الخارج وعدم العرب منهم. رابعا :السعي جاهدين على تحديث الخط العربي ليكون ذا شكل بسيط سهل لا يجهد أو يعرقل أسباب المرونة في اللغة والتي تسعد بعمل بحوث ودراسات تصل بالحروف على عددا يصل ٧٠شكل بدلا من ٩٠٠ شكل وهيئة.. خامسا ما يفعله اليهود من امتلاك أدوات الإعلام حتى سيطروا علي ٧٥٪ من الاعلام رغم نسبتهم لا تتعدى ٢٪.
وفي الاخير يسرد الأديب في نقاط محاولا إنقاذ ما يمكن إنقاذه بل وسعى العرب والمسلمين إلى رأب الصدع والعمل على المحافظة على اللغة العربية وهي بدون شك اغني لغة فهي الهوية والدين.
تحدث المؤلف عن أول الغزو الفكري وبداياته من خلال الاستعمار الغربي على الدول الإسلامية وما أحدثه من محاولات لتنحية اللغة العربية عن التعليم والكتابة، وإحلال لغة المُستعمر محلها وما زلنا نجد آثار هذا حتى اليوم والله المستعان
وتطرق لدعاة ترك العربية الفصحى وجعل الأجنبية بديلًا لها، وقاد هذه الحملة جمعٌ من المستشرقين والعرب المنسلخين من عروبتهم، ثم خرجت مجموعةٌ أخرى تدعي أنها تحاول إنقاذ العربية بجعل العامية بديلًا عن الفصحى لأنها أكثر قبولًا! ثم أردف بالرد على هؤلاء وهؤلاء فجعل الإنجليزية محل العربية لكون العربية كثير الحركات وفيها حروف لا تنطق كاللام الشمسية والألف في (هؤلاء وأولئك) هي دعوةٌ حمقاء باطلة، فالإنجليزية تعج بالحروف الصامتة، بل الحرف عندهم يتغير نطقه بتغير مابعده من حروف! كحرف ( C و S)..
ثم تحدث عن أخذ اللغات الأخرى من اللغة العربية قواعدها (كما فعلت العبرية) أو مفرداتها (كما فعلت الإسبانية) وكذا عدد من اللغات
وأتى على ذكر سلب الدول العربية علمائها وأطبائها ومهندسيها وجعلهم يستقرون في أمريكا فيكون نفعهم لها لا لدولهم وأهلهم، وقد ذكر أنه في عام ١٩٧٦ تقريبًا بلغ العرب المهاجرين ذوي الكفاءات ٤ الآف فكيف بهم اليوم بعد أزيد من ٤٠ سنة! وقد برر المؤلف لهم ذلك لأن الدول الغربية توفر لهم مرتبًا عاليًا، ومكانة اجتماعية مرموقة، وأماكن مجهزة ليمارسوا فيها ما تعلموه ويبدعوا من خلالها وقد دعا الدول العربية لفعل هذا لتحافظ على رجالها البارعين وكلنا نعلم أنه ما زال حلمًا للأسف
أخيرًا تحدث عن الغزو الفكري أو (الاستعمار الناعم) كما نسميه اليوم وذلك من خلال ما يُعرض على الشاشات والكتب كيف لو رأى المؤلف ما وصلنا إليه من تأثر من خلال وسائل التواصل! بل ولبس الكثير من المسلمين اليوم ثقافة المستعمر بالأمس!
بادئ بدء، سمى الكاتب كتابه (الغزو الفكري في العالم العربي)، ولكن بعدما فرغت من الكتاب وجدت أن العنوان المناسب هو (الغزو الفكري في اللغة العربية) أو (الغزو الفكري اللغوي)؛ فعلى مدار ١٠٥ صفحة تناول الكاتب مواضيع تخص اللغة العربية وآثار الاستعمار على اللغة.
تناول الكتاب - تقريباً - موضوع أثر الغزو الأوروبي على اللغة العربية بشكل خاص، وعلى العرب بشكل عام، وأسند لأخِر صفحات الكتاب الحديث عن مقاومة الغزو، كما تحدث عن حركات وثورات المقاومة.
أكثر ما أعجبني في الكتاب كان مدافعة الكاتب عن اللغة العربية وبيان جمالها ونقد كلام الغزاة ومناهضة إبدال اللغة بحروف لاتينية، أحببت فكرة أن الكاتب قام بما يشبه المحاكمة وفرز التهم الموجهة للغة العربية ورد عليهاً نقداً منهجياً.
سرد الكاتب في صفحات قليلة تجارب نضال الجزائريين في سبيل الدفاع عن الوطن واللغة العربية، وكيف أن محاولات الفرنسيين لقلب الجزائر لمدينة لا عربية باءت بالفشل بسبب هذا النضال، هذه التجارب لم أكن أعرفها بهذا التفصيل المطنب الذي نهجه الكتاب.
"لقد كان الاستعمار الفرنسي قوة ضاغطة تهدف دائماً إلى سحق الشخصية الجزائرية، وفي عام ١٨٣٤م اعتبرت الجزائر فرنسية، وفي عام ١٨٦٥م اعتبر الجزائري - أيضاً - فرنسياً، وأمسى الموظف الديني تحت السيطرة الاستعمارية؛ فهو يتلقى مرتبه منها".
كما ذكر في الكتاب محاولات اللبنانيين والمصريين في مواجهة الغزو للحفاظ على اللغة العربية (ص٢١ في النسخة التي قرأتها).
وتحدث عن محاولات وليم ولكوكس وسلدون ولمور في تحويل الكتب/اللغة السائدة من العربية الفصحى للعامية المصرية. وليس هذا غريباً بل الغريب - بالنسبة لي - هو كل مصري ولبناني وجزائري خضع للغازي؛ كي يقضي على اللغة، غزو الغازي عادي بالنسبة له، أما أنت أيها الفرد المستسلم للغزو ما المبرر لخيانة هويتك؟
كتب سلدون ولمور كتاباً عام ١٩٠١م بعنوان: العربية المحكية في مصر، دعا فيه لتصليح وضبط العامية للحديث بها؛ لأن العربية الفصحى لا تصلح للكتابة اللاتينية أما العامية فتصلح.
- تذكرت بسبب تلك الفقرة الفرانكو (العربليزي) وتخيلت مدى نجاح ولمور وربعه في تغييرنا حسب مراده! XD -
كنت أظن - قبل قراءتي للكتاب - أن الغزو إنما يكون حرباً على الدين لتغيير الفكر وحرباً على الدولة لنهب الثروات، لكن انكشف لي أن من ضمن مهامه انتشاء الدولة من جذورها للقضاء عليها. استغربت ممن يرى الغزو والفتح الإسلامي واحداً!
"ومن الغزو الفكري الأفلام الخليعة والكتب الانحلالية التي تصيب شعبنا بالانحلال، والتعلّق بالمتع الزائفة، وقشور المدنية، وبذلك تُفقدنا كثيراً من الصلابة والروح الإيجابية التي يجب أن يتشبع بها الشباب العربي".
"ومن الغزو الفكري تأريث الخلاف بين المذاهب، بين الديانات، بين الحكومات، بين الطوائف، فكيف يتسنى للعروبة تحقيق فكرة الوحدة ما دام هناك خلاف حاد مستثر بين شافعي وزيدي وحنفي ومالكي؟ إن التمزق المذهبي كالتمزق الإقليمي سواءً بسواء كلاهما هدف سعى إليه المستعمرون والشعوبيون - ولا يزالون - بشتى الوسائل والأحابيل".
وكانت هذه - بالنسبة لي - هي أفضل فقرة في الكتاب كله:
"بل إن هذا التمزق أيضاً هو مطلب صهيوني يهودي كبير؛ ففي مدينة براغ عام ١٨٦٩م ألقى الحاخام (ريتشورن) خطبة في اجتماع سري عقده اليهود على قبر قديسهم (سيمون بن يهوذا) وقد جاء فيها: «إذا كان الذهب هو القوة الأولى، فإن الصحافة هي القوة الثانية، فعلينا بواسطة الذهب أن نستولى على الصحافة، وحينما نسيطر على الصحافة نسعى جاهدين إلى تحطيم الحياة العائلية والأخلاق والدين والفضائل»، ويمضي الحاخام في خطبته الجهنمية فيقول: «إن علينا أن نشجع الانحلال في المجتمعات غير اليهودية فيعمّ الفساد والكفر، وتضعف الروابط المتينة التي تعتبر أهم مقومات الشعوب فيسهل علينا السيطرة عليها، وتوجيهها كيفما نريد»".
دائماً ما كنت أرى أن الصهاينة والماسون وجهان لعملة واحدة، لكن الماسونيين هم أهل الدراما وشغل الناس بقصصهم غير الحقيقية، أما الصهاينة فهم المخططون الحقيقيون الذين يستخدمون الدول لتحقيق مخططاتهم، وكنت أردد: "لما تجتمع المصالح بين أفراد معينين، مفيش أي حاجة متتوقعهاش منهم، كل حاجة ممكن يعملوها في سبيل تحقيق مصالحهم، وهكذا نهج الشيطان في غوايته لبني آدم".
وعلى سيرة الصهاينة D: يمكن العودة لتعريف ملخص بسيط كتبه نجيب نصار في كتابه: (الصهيونية: ملخص تاريخها وغايتها وامتدادها حتى سنة ١٩٠٥م).
أفكار الكتاب طيبة على العموم، لكني شعرت أن بعض الحجج لم تكن مقنعة كثيرا، كان ذلك نادرا على العموم. البداية تُعتبر نوعا من البحث، تمنيت لو تحدث عن دول أخرى، كتونس مثلا. المقترحات في الآخر الكتاب جميلة جدا، وكثيرٌ منها يمسني شخصيا، لكني أعتبر تحقيقها صعبا نوعا ما.