شهياً كفراق – أحلام مستغانمي
كنتُ يافعاً للغاية حين تعرفت إلى أحلام من خلال روايتها "ذاكرة الجسد"، في أواخر التسعينات تقريباً، أي قبل أكثر من عشرين عاماً، لأكمل بعدها قراءة كل أعمالها الروائية، والتي يستطيع القاريء بسهولة أن يتعرف فيها على أحلام الشاعرة، أكثر منه إلى أحلام الروائية. إنها دون شك، أحد أكثر الشخصيات الأدبية العربية إثارة للجدل ابتداءً ببداياتها كشاعرة، مروراً بدخولها عالم الرواية، والثناء المنقطع النظير الذي حصلت عليه من شخوص أدبية رفيعة، كنزار قباني ونجيب محفوظ.
تعرضت أحلام إلى حملات شنيعة من الاتهامات والشتائم والنقد الخارج عن آداب النقد الأدبي تماماً وحقيقة، أستطيع أن أتفهم كيف من الممكن أن يكون زواجها من الإعلامي اللبناني جورج الراسي مغرياً للبعض فيكيل لها الإتهامات بأنها قد استفادت من علاقات زوجها في الحصول على الشهرة والمكانة التي حصلت عليهما بالفعل، وإن كنت أشك في أن ذلك ما دفع نزار قباني كي يقول فيها ما كتبته على غلاف ذاكرة الجسد، أو ما قاله فيها نجيب محفوظ من أنها بقعة من النور وسط الظلام الأدبي العربي ! كل هذا بالنسبة لي محض هراء ! فأنا أرى أنه من واجبي دعم النقد الموضوعي، المتجرد، غير المنحاز، على أي أساس؛ جنسي، عرقي، ديني.. أنا مع النقد الذي يحمل وظيفة التنظيم، والتصنيف، والتقويم الذي يتعرض إلى إيجابيات العمل الأدبي، وسلبياته.. لا ذلك المنحاز، الفضائحي، الذي يتوقف على كل توقيع من شفتي أحلام على رواياتها للقراء !
رغم كل الحملة الشعواء التي تتعرض إليها أحلام بين فترة وأخرى، فلقد احترمتها جداً في كتابها "النسيان.كم" رغم الاسم والذي لربما لو اكتفت بجعله "نسيان" لكان أفضل وأبعد حقاً عن الابتذال، ولكن، لا يمكنني ألا ألاحظ الشغف والصدق الذي كتب فيها ذلك الكتاب. خاصة، مع كل تلك النصائح التي كانت فيه، والتي أعلم قطعاً أن هناك الكثيرات من كنّ في حاجة ماسة إليه. ولا زلت أتذكر كيف كانت أحلام متحمسة للدرجة التي جعلتها تشتري موقعاً تسميه بنسيان.كم وإعلانها أن كتابها هذا هو الأول من سلسلة تحتفي فيها ببقية ما يتعلق بالحب. وقد تفاجأت مع الآخرين بخروجها عن وعودها تلك، وإصدارها لروايتها الأخيرة الأسود يليق بك، ومن ثم تخليها عن موقع نسيان.كم ! ما الذي حدث ؟
تنتمي أعمال أحلام للمدرسة الرومانسية الجديدة، والتي أستطيع أن أتفهم مدى شيوع انتشار معجبيها، ومدى شعور فئة معينة للاستفزاز بداعي الابتذال وقلة الفائدة وما إلى سوى ذلك مما يكال لأحلام وما تكتبه من اتهامات وشتائم وشائعات. ويحدث أني أقف في مكان ما في المنتصف، فقد لا أحب كل ما هو مصنف تحت قائمة الرومانسية الجديدة، ولكن هذا لا يعني أبداً، عدم تقبلي وتفهمي، بل واحترامي لوجود هذه المدرسة الأدبية بكل ما قدمته للأدب العالمي من تحف فنية. ولا يمكنني أبداً، أن أتفهم مقارنة كتب الفكر والفلسفة بكتب أحلام ! أو وضعها في مقارنات أمام أعمال دوستويفسكي مثلاً. وهذا ما دفعني في السابق لأن أكتب مراجعتي عن رواية الأسود يليق بك. فالفن، له وظائفه الخاصة، بينما للفلسفة والفكر وظائفهما الخاصة كذلك. ووجود أحدهما لا يلغي الحاجة للآخر على الإطلاق. وقد تحدثت عن النمط الفني المتكرر في أعمال أحلام خاصة، الثلاثية، والنسيان، بالإضافة إلى الأسود يليق بك. واليوم، أقف أمام كتابها هذا حائراً.
بعد خمس سنوات من روايتها الأخيرة؛ الأسود يليق بك، تعود إلينا أحلام بكتابها الجديد جداً؛ شهياً كفراق. والاسم يوحي بأنه تتمة لمشروع النسيان، أو هكذا تهيألي قبيل قراءتي لهذا الكتاب القصير إلى حد ما. ولا بد للقاريء الكريم، أن يلاحظ أنه ليس كذلك أبداً. فما هو إذن بالضبط ؟
تقول أحلام في الصفحات الأولى من الكتاب، بأن الناشر قد تواصل معها، متسائلاً عن موعد كتابها الجديد، وأنه قد مضت فترة طويلة على كتابها الأخير. ثم تستمر خلال كل الجزء الأول من الكتاب في إخبارنا عن الإرهاصات الأولى لكتابة هذا الكتاب، وما الذي قد يحفزها على كتابته فيما يشبه البث الحي والمباشر لتأليفه، وأخيراً، تبدأ فيه في الجزء الثاني منه، وهو عبارة عن رسائل منها إلى صديقتها كاميليا والتي كانت سبب كتابتها لكتابها السابق "نسيان.كم". إذن، هو ليس برواية ؟ أجل، الكتاب ليس برواية، بل رسائل من صديقة، إلى صديقتها وحسب.
ذكرني كلام أحلام عن ناشرها حين تواصل معها مع روائية كنت قد قرأت بعضاً من رواياتها وسألتها عن بعض الفقرات التي تشبه الخواطر في وسط السرد الروائي والتي تبدو مقحمة على النص. فأخبرتني أن الناشر قد تواصل معها وأخبرها أنه يرغب أن تكون الرواية أكبر حجماً، فما كان منها إلا أن أضافت هذا الحشو لتسمين الكتاب حسب رغبة الناشر. هنا، نشاهد أمراً، مشابهاً في رغبة الناشر في إصدار كتاب ما لأحلام، فما كان من أحلام، إلا أن جلست وجلبت قطة، فهي لا تستطيع أن تخلق حبيباً بعيداً كي يحفزها، ومن ثم شرعت في فكرة كتاب جديد من لا شيء أكثر من مجرد رسائل من صديقة إلى صديقتها. هذا طبعاً، بعد مقدمة لطيفة على حكم الابتذال في كتب الرسائل بين الأحبة والذي يحدث أنها لا تنشر إلا بعد وفاء العاشق صاحب الرسائل، في كلام أوافقها عليه بالطبع. ولكن، يبدو أن لأحلام رغبة في كتابة رسائل ما على أي حال.. فخرجت إلينا بهذا الكتاب.
إن من يقرأ هذا الكتاب، يلاحظ غياب الشغف. نستطيع أن نرى أحلام "مطفأة" وهي تكتب ما هي مجبورة على أن تكتبه ! فقط كي تخرج إلينا بكتاب "ما" جديد. ويمكنني أن أفسر هذا بما هو موجود في نفس كتاب النسيان.كم.. فصديقتها كاميليا كانت قد تزوجت في نهاية المطاف من يحبها، لا من تحبه. لربما كان هذا كافياً ليقتل شغف أحلام على كتابة المزيد في مشروعها الواعد. لقد كان له مفعول السم، يحتاج إلى الوقت كي يقتل.
يمكنني القول بأن أحلام صديقة ممتاز، فقد عادت كاميليا لتكون سبباً جديداً لأحلام كي تكتب، من خلال تلك الرسائل التي أخفتها لدى أحلام من حبيبها السابق، والتي تود الاحتفاظ بها رغم زواجها بسواه. ذلك الذي يحبها ولا تحبه. يا لنرجسية بعض النساء، يمسكن بالعصفور، ويحنفظن بتسجيل صوتي لمالك الحزين يغني فراقهن ! لقد تفهمت أحلام هذه الشاعرية لصديقتها، ولأنها أكثر احتراماً من أن تنشر رسائل العاشق الذي استيقظ بعد زواج حبيبته.. قررت أن تنشر رسائلها هي إلى كاميليا. وما يثير الاهتمام هنا، هو حديثها عن كونها لربما وقعت في حب حبيب كاميليا من خلال رسائله وعبر التواصل معه إلكترونياً. ونحن هنا، لا نتحدث عن علاقة حب حقيقية كالتي نقرأها في الروايات -منها روايات أحلام ذاتها- ولكنها علاقة هلامية تتمحور حول التواصل الإلكتروني فقط لا غير، بل وتنتهي كما بدأت؛ إلكترونياً.
أتفهم جيداً، كيف من الممكن أن تثير بعض تصرفات وتصريحات أحلام حفيظة البعض. ولكن هذا لا شأن له بالأدب. كما لا شأن لحياة الكاتب الشخصية في النقد الأدبي إلا فيما يمكن للنص أن يحمله من إسقاطات شخصية من حياة الكاتب.
كما قلت في مراجعة سابقة عن أحلام، من الصعب أن تكتب عن أحلام دون أن تشعر بالحميمية.. كتلك الموجودة في رواياتها.. ويبدو أنني خرجت عن سياق ما هو معتاد في مقالاتي ومراجعاتي في عدوى من قراءتي لها.
خلاصة، إن هذا الكتاب، هو محاولة من أحلام لإرضاء ناشرها، ورغبة منها في نشر كتاب ما، ولربما هو طلب للمواساة، أو تلبية لحاجة ماسة للكلام مع صديق. ولكن، وبرأيي، إن محتوى هذا الكتاب، يصلح ليكون مقالاً، لا كتاباً كاملاً. من المؤسف حقاً، أن نشاهد أحلام على هذه الصورة. مطفأة، حيث أحلام تفتقد لقدرتها على خوض الأحلام ! ربما كما ذكرت في هذا الكتاب. أو، لربما أكون أنا من توقف عن الحلم، فلم أعد أستسيغ قراءة مثل هذا الكتاب، وإن كنت لا أذكر متى كنت أستسيغ ذلك. وهذا ما قد يدفعني لعدم التردد في عدم قراءته لو كنت أعلم أنه رسائل قبل قراءته بالفعل. هناك من يحبون مثل هذا النوع من الكتب، لكنني حتماً لستُ واحداً منهم.