Jump to ratings and reviews
Rate this book

تطور الأنواع الأدبية العربية

Rate this book
تمثلُ الأنواعُ الأدبيةُ قضايا جوهرية في الأدب، فهي تعبرُ عن قدراتِ شعبٍ أو أمةٍ ما على التطور الثقافي على مدى قرون، فليستْ هي بناءاتٌ شكلانيةٌ ترصفُ الكلام وتجمعُ المعاني في(قوالب) لكنها تعبيرٌ عن قدراتِ المبدعين والنقاد على الحراكِ التحويلي لمجتمعاتهم، أي على مدى تمكنهم من إقامة علاقاتٍ عميقةٍ مع البشر وجذورهم الدينية والثقافية والاجتماعية وتغييرها تبعاً لخُطى التقدم، ومجابهة قوى التخلف والإستغلال والتهميش للناس، وتصعيد القدرات على الحوار والبحث والتجديد.
أي هو التحولُ من هيمنةِ الصوتِ الواحد إلى تعدديةِ الأصوات، ومن سيادةِ الأنا المركزيةِ الاجتماعية إلى تنوع الأفراد وقدرتهم على الحوار والنقد والتغيير.
وإذا كانت صناعةُ الأنواعِ الأدبية تخضعُ للأفعال الحرة للمبدعين فإنها لا تستطيع أن تقفزَ على الظروف الموضوعية للواقع والناس. وهيمنةُ نوعٍ أو وجود كافة الأنواع هي قضيةٌ مركبةٌ من الذاتي والموضوعي، من سيطرةِ قيودٍ تعبيرية قَبْليةٍ ومن مساهماتٍ تحريرية لنزع تلك القيود. من آفاق مرصودة سلفاً نتاج سابقين ومن قدرة المعاصرين على تغييرها تبعاً لتطور الحياة والمساهمة في تغييرها.
والمبدعون يظهرون في شروط سابقة على إبداعهم، إنها تقيدهم وتجعلهم يعيدون إنتاج الماضي الثقافي أو يضيفون عليه بعض الإضافات اليسيرة والمهمة غير التحويلية الواسعة.
ومن هنا فظهور الشعراء في عالم العرب الجاهلي يختلف عن ظروف أخرى تالية حين حدثت نهضة، فسيطرةُ الصحراءِ والحياةِ الرعوية، هي غيرُ ظهورِ المدنِ وميلادِ دولةٍ واسعةٍ تختلطُ فيها الشعوب.
لكن إن تبقى الهياكلُ الإبداعيةُ الجاهلية في عمقِ المدن وتسيطرَ على الإنتاج فهي أيضاً هيمنة قَبْلية قَبَلية مستمرة.
وقد طُرحتْ بقوةٍ مسألةُ قصورِ الأنواعِ الأدبية على نوعٍ واحد بشكلٍ كبيرٍ هو النوع الشعري، ضمور النوعين الآخرين وهم النوع الملحمي والدرامي، وهي قضية ليست تجريدية بل قضية تاريخية وإجتماعية وفكرية طويلة ومعقدة.
يمثل النقدُ الثقافي عموماً قوةَ تفكيرٍ كبيرة غدتْ شيئاً فشيئاً معطلة، وكان يمكن أن ترفدَ الأدبَ والثقافةَ عموماً بطاقاتِها لكي يزدادَ الأدبُ والثقافةُ تأثيراً في الواقع لكن النقد توقف عن هذه العملية الضرورية، فما هي الأسباب؟
كان من الضروري لهذه القضية أن تُحلل بعمق ويُرى على ضوئها تخلفُ وجمودُ الأبنية الاجتماعية- الثقافية العربية، وهذا لا يمكن أن يكون بدون نقد فلسفي له شروط كبرى، أن أي أن يقوم على فلسفة تقرأُ الثقافةَ في ضوء البنى الاجتماعية وسيرورتها التاريخية.
هذا كان يمكن أن يحدث في الثقافة العربية الحديثة ويتم قراءة الأنواع وجمودها في العصر العربي القديم وأسباب تشكلها في العصر الحديث.
يقول ناقدٌ عربيٌ كبيرٌ هو إحسان عباس الذي استفاد كثيراً من(النقد الأمريكي والنقد النفسي لدى فرويد والأسطوري لدى كارل يونغ)يقول بأن الاقتراضَ الشديد من الغرب على هذا النحو(يجعل الدارس يقع في وهم فكري مزدوج: يتكشفُ الأولُ في إغفالِ التاريخ الثقافي العربي، ويتجلى الوهمُ الثاني في جهلِ التاريخ الكوني للآخر).. وهو أمرٌ في رأيهِ يقودُ إلى (التبعية الثقافية أو يفضي إلى المحاكاة الصماء)،(1) .
يتحسسُ الباحثون العربُ الإشكاليةَ المركبةَ في تبعيةِ ثقافتنا للعصر الوسيط ببنائه الإقطاعي، المستمر حتى الآن، وتبعيتها كذلك لما يُطلق عليه بعضهم (الآخر)، وهذا التعبير تجريدٌ آخر معاكس للماضي، فلا يقولون بأن الآخرَ هو النظام الغربي الرأسمالي.
لكن التعميم على الجهتين يقودُ إلى سلسلةٍ طويلة من الأخطاء، لأن ثقافتنا العربية القديمة مرت بعدةِ أطوار وأبنية، ولكلٍ منها واقعٌ خاص، وكانت تعيشُ تطورات ومراحل كبيرة، فالتعميمُ المنطلقُ منها، خاصة حين يساوونه ب(الشخصية العربية) أو ب(الذات العربية)، يقودُ إلى كوارث تحليلية.
فالشعرُ الجاهلي لا يُعرف لماذا صار بهذا الشكل ومن أين جاء وما هي علاقاتهُ بالمكوناتِ الفكريةِ والفنية السابقة، والقرآن لماذا هو بهذه اللغةِ والتراكيب والأخطر ما هو دورهُ في عمليةِ الثقافةِ التحولية، ولماذا استمرتْ القصيدةُ المتناقضةُ البناء التقريرية حتى اليوم؟ ولماذا الغيابُ للبناءِ المسرحي في الثقافة والبناء الدرامي في الشعر وغياب الملحمة؟
دخلَ النقدُ العربي القديمُ في جوانبِ المحدودِ كالصورِ الجزئية والأغراض وأشكال البلاغة، ثم وجدَ نفسَهُ في العصر الحديث أمام مدارس أوربية كبيرة، فلم تسعفهُ أدواتُ النقد العربي القديم، ليس فقط لضخامةِ الإنجازاتِ الغربية التي تشكلتْ خلال قرون النهضة والثورة الصناعية والعصر الحديث، بل لأن واقعَهُ العربي المتعدد راح هو الآخر يتغير ويصارع، فبدأت الآدابُ والفنونُ العربية في الأزدهار في واقع متخلف اجتماعياً!
وككلِ نتاجِنا وسياستنا وقع بين دكتاتوريتين؛ دكتاتورية الماضي المبهمة والمتجسدة في البناء الثقافي، وفي دكتاتورية الحداثة الغربية، التي تفرضُ نفسها عبر أنماطٍ سائدةٍ قوية فتشلُ الوعي العربي عن أن يكون وعياً عربياً ديمقراطياً.
وكي نعرف إننا واقعون بين دكتاتوريتين ثقافيتين، يحتاجُ ذلك إلى فحصٍ على مستوى الماضي ومستوى الحاضر، أي القيام بنقدٍ مزودجٍ على ضفتي الزمان والمكان.
حين نقرأ فقط القصيدة الجاهلية سوف نقول لماذا الانحباس في الشكل المضطرب الممزق الانعكاسي المباشر؟ أي لماذا عجز العربُ عن إنتاج شعر أكثر تطوراً من هذا؟
وهو أمرٌ لا يتضحُ إلا في قراءةِ السياق التاريخي، بكون القصيدة العربية الجاهلية هي نتاجُ شعبٍ محبوس ممزق في هذه الصحارى الهائلة المجدبة، وبإدراكِ إن هذا الجنسَ الأدبي (الشعر الجاهلي)هو أرفعُ ما أنتجهُ هذا الشعب بعد انحباسهِ وتقطع صلاتهِ بالشمالِ، السامي، لغةً ومكاناً وتلاقحاً واسعاً، وهو أمرٌ يربطنا بتدهور الأنواع الأدبية والفنية في الشمال (العراق، وسوريا، ومصر)، فلا بد أن نقرأ فضاءَ الآداب والفنون في الحضاراتِ القديمةِ التي عجزتْ عن تنامي التطور فيها، وعن نمو أنواع: الملحمة وبالتالي النقد وغياب المسرح.
وبهذا كان النتاجُ الثقافي العربي الجاهلي هو وليدُ ظروفِ الع...

248 pages, Paperback

First published January 1, 2015

1 person is currently reading
5 people want to read

About the author

عبـــــــدالله خلــــــــيفة كاتب وروائي
𝓐𝖇𝖉𝖚𝖑𝖑𝖆 𝓚𝖍𝖆𝖑𝖎𝖋𝖆 𝖆𝖚𝖙𝖍𝖔𝖗 𝖔𝖋 𝖘𝖙𝖔𝖗𝖎𝖊𝖘 𝖆𝖓𝖉 𝖓𝖔𝖛𝖊𝖑𝖘 1/3/1948 | 21/10/2014
✗ الأعمال الروائية
13↬ اللآلئ ، 1982
14↬ القرصان والمدينة ، 1982
15↬ الهيرات ، 1983
16↬ أغنية الماء والنار ، 1989
17↬ مريم لا تعرف الحداد (امرأة) ، 1991
18↬ الضباب ، 1994
19↬ نشيد البحر ، 1994
20↬ الأقـلف ، 2002
21↬ ساعة ظهور الأرواح ، 2004
22↬ الأعمال الروائية الكاملة، المجلد الأول: اللآلئ، القرصان والمدينة، الهيرات، أغنية الماء والنار ، 2004
23↬ رأس الحسين، 2006 ــ رأس الحسين، طبعة ثانية، 2012
24↬ عمر بن الخطاب شهيداً ، 2007
25↬ التماثيل ، 2007
26↬ عثمان بن عفان شهيداً ، 2008
27↬ علي بن أبي طالب شهيداً ، 2008
28↬ محمد ثائراً ، 2010
29↬ ذهب مع النفط ، 2010
30↬ عنترة يعود الى الجزيرة ، 2011
31↬ الينابيع , الطبعة الكاملة ، 2012
32↬ عقاب قاتل ، 2014
33↬ اغتصاب كوكب ، 2014
34↬ رسائل جمال عبدالناصر السرية ، 2015
35↬ ثمن الروح ، 2016
36↬ ألماس والأبنوس ، 2016
37↬ ابنُ السيد ، 2016
38↬ الأرض تحت الأنقاض ، 2017
39↬ حورية البحر ، 2017
40↬ طريق اللؤلؤ ، 2017
41↬ بورتريه قصاب ، 2017
42↬ مصرعُ أبي مسلمٍ الخراساني ، 2018
43↬ شاعرُ الضياء ، 2018
44↬ خَليجُ الأرواحِ الضَائعةِ ، 2019
45↬ هُــــدهـُـــد ســلــيــمــان ، 2019

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (50%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
1 (50%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
No one has reviewed this book yet.

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.