إن حديث القلب هو ذلك المنثور أو المنظوم الذي تسمعه فتشعر أن صاحبه قد جلس إلي جانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلي جليسه أو ليصور لك ما لا تعرف من مشاهد الكون أو سرائر القلوب أو ليفضي إليك بغرض من أغراض نفسه أو لينفس عنك كربة من كرب نفسك
هو مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن محمد حسن لطفي أديب مصري من أم تركية قام بالكثير من الترجمة والاقتباس من بعض روايات الأدب الفرنسي الشهيرة بأسلوب أدبي فذ ,و صياغة عربية في غاية الجمال و الروعة.لم يحظ بإجادة اللغة الفرنسية لذلك استعان بصاحب له كان يترجم الروايات و من ثم يقوم هو بصياغتها و صقلها في قالب أدبي رائع . كتاباه النظرات والعبرات يعتبران من أبلغ ما كتب بالعربية في العصر الحديث.
ولد مصطفى لطفي المنفلوطي في منفلوط إحدى مدن محافظة أسيوط في سنة 1289 هـ الموافق 1876م ونشأ في بيت كريم توارث أهله قضاء الشريعة ونقابة الصوفية قرابة مائتى عام ونهج المنفلوطى سبيل آبائه في الثقافة والتحق بكتاب القرية كالعادة المتبعة في البلاد آنذاك فحفظ القرآن الكريم كله وهو دون الحادية عشرة ثم أرسله أبوه إلى الأزهر بالقاهرة تحت رعاية رفاق له من أهل بلده وقد أتيحت له فرصة الدراسة على يد الشيخ محمد عبده وبعد وفاة أستاذه رجع المنفلوطى إلى بلده حيث مكث عامين متفرغا لدراسة كتب الأدب القديم فقرأ لابن المقفع والجاحظ والمتنبي و أبى العلاء المعري وكون لنفسه أسلوبا خاصا يعتمد على شعوره وحساسية نفسه.
المنفلوطي من الأدباء الذين كان لطريقتهم الإنشائية أثر في الجيل الحاضر، كان يميل إلى مطالعة الكتب الأدبية كثيراً، ولزم الشيخ محمد عبده فأفاد منه. وسجن بسببه ستة أشهر لقصيدة قالها تعريضاً بالخديوي عباس حلمي وكان على خلاف مع محمد عبده، ونشر في جريدة المؤيد عدة مقالات تحت عنوان النظرات، وولي أعمالاً كتابية في وزارة المعارف ووزارة الحقانية وأمانة سر الجمعية التشريعية، وأخيراً في أمانة سر المجلس النيابي.
للمنفلوطى أعمال أدبية كثيرة اختلف فيها الرأى وتدابر حولها القول وقد بدأت أعمال المنفلوطى تتبدى للناس من خلال ما كان ينشره في بعض المجلات الإقليمية كمجلة الفلاح والهلال والجامعة والعمدة وغيرها ثم انتقل إلى أكبر الصحف وهي المؤيد وكتب مقالات بعنوان نظرات جمعت في كتاب تحت نفس الاسم على ثلاثة أجزاء.
عودة بعد قراءة أولى بعيدة في أيام الصبا، وقراءات أيام الصبا لا شك تختلف، فالنفس تشبُّ وتتعلم وتتغير. وجدت بعضًا من السحر الخفي الذي استعذبته آنذاك، لكني اكتشفت اليوم نزعة تشاؤمية لم أفطن لها من قبل.
لغة متينة وتجارب غنية وفريدة كتاب يعذّب سريرة النفس وينقيها ويبرز الانسانية في أجمل واعذب قالب قرأت ما يقارب ال٥٠٠ صفحة الاولى وتركت البقية لا ولم ولن انسى هذا الكتاب، لا اعلم السبب الحقيقي وراء ذلك ربما يعود للفترة التي قررت أن أقرأ بها كتاب كهذا بعد أن غادرتني الملاك حيث لا اعلم كيف ومتى
"يا أقوياء القلوب من الرجال رفقا بضعفاء النفوس من النساء"
كتاب آخذ أكبر من حجمه بكثير، مع صيته وشهرته بين كتب الأدب ظننت أن وجبة أدبية دسمة بانتظاري وإذا بها مقالات بسيطة لغويا وفكريا على أن المواضيع المحتواة فيها هي فعلا قضايا أخلاقية إنسانية حقة، ولعلها كانت مناسبة في المكان والزمان التي كتبت فيه وليس لمجتمع اليوم.
في هذا الكتاب وكما دأب المنفلوطي بوضع يده على جراحات المجتمع ومعالجتها بطريقة قصصية رائعة ، يبدو ان حياته كانت من حياة البؤساء وانه كابد وعانى الكثير من لوعة الفقد وجور الدهر وفقر الحال حتى انعكس على كتاباته بشكل واضح..
يعالج الكثير من القضايا ويكأنه نصير المظلومين ،فمثلا حين حكم على الرجل الكبير في روايته بالقتل لانه سرق من أموال الفقراء والمساكين وصفق الحشد من الناس لهذا العدل ! انتابه شعور بأن معظم المصفقين لهذا العدل سارقين ايضا لكن الله سترهم ، فبحث عن حيثات هذا الحكم وعن الاسباب التي جعلته يسرق الحنطة وكان حدسه صائبا حين وجد اطفاله لاينامون من الجوع فسرق لهم خبزا وهو الذي ما اعتاد ان يسرق في طفولته وشبابه لولى دموع اطفاله الجوعى ! .. يذكرني بالعدل العمري الفاروق( عمر_بن_الخطاب) حين اوقف حد السرقة بسبب الفقر الذي لم بالناس والجوع ، هذا الذي نبحث عنه دائما في اي قضية قبل أن نبت فيها حكمنا لماذا وما الذي جعله يقترف اي ذنب لنضع أنفسنا مكانه ونعلم ما الظروف والنوايا التي جعلته يقترف أي فعل كي يعم العدل ولا تفيض الارض بأرواح وجثث المظلومين فينزل علينا غضب السماء العارم فنهلك جميعا ..
وهكذا في أي قضية اخرى لست محاميا مدافعا عن أي ذنب او مبررا له ،فكلنا بشر ولسنا معصومون عن الخطأ فلا نحكم بظاهر الأشياء حتى نفهم كامل الحكاية ولا نصاب كما حدثت الرواية بمصاب الأم التي تركت رضيعها مع كلبها حارسا عليه وبعد عودتها لم تجد رضيعها ووجدت آثار الدماء على كلبها فقتلته على الفور لتكتشف ان رضيعها بخير والكلب ذاد عنه شر حيوان مفترس يريد فتكه ... #مما_راق_لي_بكتابته_بعد_نهاية_الكتاب❤
وكأن الكتاب _النظرات والعبرات للمنفلوطي_ آلة زمن... شباك أرى من خلاله حال المجتمع المصري والعربي منذ مئة عام مضت... فإذا هي نفس المشاكل ونفس القضايا الادبية والانسانية التي يعاني منها المجتمع الان ولكن بفارق الآليات و وسائل الانتشار... كتاب رائع بكل ما تحمله الكلمة من معني وكل ما يحمله الكتاب من نظم السرد ودقة التشبيهات و عذوبة اللغة كتاب يتجلى فيه تجربة الكاتب الصادقة و لين قلمه في تقديم النصح للمكروب او حل للمشكله كنت في صحبه ٨٠٠صفحة من نظرات مجتمعية وعبرات لكل جيل
قراته وأنا في طور المراهقة، هذبتني نظرات المنفلوطي وعبراته ولا أذكر نفسي متلذذاً بصحبة كتاب مثله أو ممتناً لصاحبه الذي يبجل الفضيلة ويوقظها في النفوس بأدبه. كانت تأتي النصوص لكاتبنا مترجمة فيعمل فيها قلمه النجيب ويخرجها بحلة عربية بديعة، تغنيك عن الأصل، أما عبراته وفلذات أفكاره على بساطتها يسمو بها صدقها ونقائها.